مع استمرار «الموجة الرابعة» من الوباء
حسن عباس – «صدى الوطن»
فيما تشهد ولاية ميشيغن ارتفاعاً صاروخياً في أعداد الإصابات والوفيات بفيروس كورونا وسط تحذيرات حكومية من عجز المستشفيات عن استيعاب المرضى، يواصل الوباء انتشاره المقلق في المناطق ذات الكثافة العربية بمقاطعة وين، رغم جهود المراكز الإسلامية في حثّ روّادها على أخذ اللقاحات والجرعات المعززة، وتحميلهم مسؤوليات الحفاظ على سلامتهم وحماية الآخرين من العدوى والأذى، بحسب مقتضيات الشريعة الإسلامية.
وكانت ميشيغن قد رصدت –الشهر الماضي– أكثر من 100 ألف إصابة بالفيروس التاجي، بينها بضعة إصابات بمتحور «أوميكرون»، ما دفع مسؤولي الولاية إلى دقّ ناقوس الخطر بسبب عجز المرافق الطبية عن تلبية الاحتياجات المتزايدة لمرضى كورونا والمرضى الاعتياديين، على حد سواء.
وفي مقاطعة وين، أشارت البيانات الصحية إلى تسجيل حوالي 500 إصابة يومياً، على مدار الأسابيع المنصرمة. وباتت غرف الطوارئ في مستشفيات مقاطعة وين تعمل فوق طاقتها الاستيعابية، مثل معظم المستشفيات في الولايات المتحدة، مع الإشارة إلى أن الحكومة الفدرالية أرسلت –خلال الشهر الجاري– أربعة فرق طبية عسكرية للمساعدة على معالجة المرضى في ميشيغن. وقد توزعت تلك الفرق على مستشفى «بومانت» في ديربورن، ومستشفى «سبكتروم» في غراند رابيدز، ومستشفى «ميرسي» في ماسكيغون، بالإضافة إلى مستشفى «كوفنانت» في ساغينو.
وبيّنت إحصائيات دائرة الصحة في مقاطعة وين التي تضم 43 مدينة وبلدة، أن مدينة ديربورن تحافظ على المرتبة الأولى (بعد ديترويت) من حيث أعداد الإصابات والوفيات، فيما تأتي ديربورن هايتس في المرتبة الرابعة، وهامترامك في المرتبة الرابعة عشرة.
وحتى نهاية الأسبوع الماضي، تم توثيق 19,449 إصابة مع 298 وفاة في مدينة ديربورن، و10,642 إصابة و179 وفاة في ديربورن هايتس، و3,606 إصابة و62 وفاة في هامترامك.
أدراج الرياح
ولم تفلح المراكز الإسلامية بمنطقة ديترويت في إقناع روّادها بخطورة الوباء القاتل، وفشلت في دفعهم إلى الإقبال على أخذ اللقاحات والجرعات المعززة، رغم المواعظ المتكررة التي وصلت إلى حد الفتوى الشرعية.
ومع استمرار «الموجة الرابعة» من الوباء، لايزال الكثير من العرب الأميركيين يشككون بالبيانات والأرقام الصادرة عن المراكز الصحية والوكالات الحكومية، ويحجمون عن التطعيم غير آبهين بالإرشادات المجتمعية والرسمية في الولاية التي توقفت نسبة التلقيح فيها عند 54 بالمئة فقط.
وأشار الإمام في «المركز الإسلامي في أميركا» بديربورن، الشيخ إبراهيم كزاروني، إلى أن «جامع فورد» يداوم على حضّ الناس على الالتزام بالإرشادات الصحية، لاسيما ارتداء الكمامات والتقيد ببروتوكولات التباعد الاجتماعي، بغية تحصين أنفسهم من الفيروس المميت، ولتحاشي نقل العدوى إلى عائلاتهم وأقاربهم، لافتاً إلى أن الالتزام بتلك الإرشادات لايزال يشكل «تحدياً كبيراً.. رغم ارتفاع أعداد الإصابات والوفيات، في الآونة الأخيرة».
وفي حديث مع «صدى الوطن»، قال كزاروني: »الوعظ شيء، وإقناع الناس شيء آخر، وغالباً ما تذهب مواعظنا أدراج الرياح».
واستدرك كزاروني قائلاً بأن الجالية الإسلامية يجب أن تعلم بأن المراجع الدينيين أفتوا بأن «تعريض حياة الناس للخطر، هو أمر غير مسموح به».
وأوضح كزاروني أن مهمة المركز الإسلامي تزداد صعوبة مع الأشخاص الملقّحين، هؤلاء «الذين تتشكل لديهم انطباعات خاطئة بأنهم باتوا محصنين تماماً ضد الفيروس القاتل»، وفقاً لكزاروني الذي أضاف: «بكل أسف، لم نتمكن من الوصول إلى قلوب الناس، ولم ننجح بتغيير قناعاتهم الزائفة».
وذكّر كزاروني بأن الإدارة واجهت صعوبات مماثلة في إقناع مرتادي المركز بتفادي التجمعات الكبيرة إبان ذروة الوباء، في العام الماضي. وقال: «رغم تحذيراتنا المتواصلة من أخطار كورونا، فإن الناس لا يمتنعون عن حضور الحفلات والأعراس والمآتم»، مضيفاً: «ولكنهم لا يستجيبون لتحذيراتنا».
وأبدى كزاروني تذمره من بعض السلوكيات الشائعة، ومن تحايل البعض على توجيهات الإدارة، وقال: «الكثيرون يدخلون الجامع وهم يرتدون الأقنعة، ويقومون بتعقيم أيديهم عند الدخول، لكنهم سرعان ما يخلعون الكمامات عندما يدلفون إلى قاعة الصلاة، أو حين ينضمون إلى التجمعات الكبيرة، كحفلات الزفاف أو أسابيع العزاء».
وانتقد كزاروني إقامة الأعراس المكتظة بالضيوف والمدعوين في الصالات والقاعات الكبيرة، والتي تتغاضى عن تطبيق الإرشادات الصحية، لافتاً إلى أن أئمة المراكز الدينية لا يملكون أي تأثير على أصحاب تلك القاعات والصالات التي تستضيف فعاليات تضم حوالي ألف شخص، في بعض الأحيان.
ونوّه بأن المركز الإسلامي يستضيف نسبة صغيرة حفلات الزفاف التي تقام في مجتمع الجالية، مقراً بأن الإدارة «تواجه صعوبات في فرض بروتوكولات السلامة في مثل هذه المناسبات»، على حد تعبيره.
الاحتياط واجب
من جانبه، أكد إمام «المركز الإسلامي الأميركي« في ديربورن، الشيخ محمد مارديني، بأن بيانات كورونا مقلقة للغاية في الوقت الحالي، منوهاً بضرورة توخي الحيطة والحذر عند حضور التجمعات الكبيرة.
وفي حديث مع «صدى الوطن»، قال مارديني: «يظن الكثيرون أنهم لن يصابوا بالفيروس.. إلى أن يصابوا به فعلاً».
وأوضح بأنه لا يتوانى عن حثّ المصلين على أخذ اللقاحات في جميع المناسبات، لافتاً إلى أن «المركز الإسلامي الأميركي» ساهم بإقامة العديد من حملات التطعيم، كما أنه لا يتساهل مع بروتوكولات السلامة العامة داخل المصلى، وفي مقدمتها ارتداء الكمامات.
ولفت إلى وجوب أن يتحلى الناس بما أسماه «الضمير الديني»، الذي يرتّب على الأفراد مسؤولية أخلاقية وإيمانية تدفعهم إلى وقاية أنفسهم ووقاية غيرهم من المرض والخطر والأذى، وذلك بمقتضى الآية الكريمة، التي تقول: «ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة» (سورة البقرة: 195). وقال مارديني إن القرآن الكريم واضح في إلزام الناس بمسؤولية الحفاظ على سلامتهم وعلى سلامة الآخرين، مشيراً إلى أنه بات من الضروري، في الوقت الراهن، تعديل عادات وتقاليد المناسبات الاجتماعية، كحفلات الزفاف ومجالس العزاء، واللقاءات العائلية، وتجمعات السهر والسمر.
وشجع مارديني على إقامة الأعراس في الهواء الطلق حتى يتمكن المدعون من الالتزام بمسافات التباعد الاجتماعي، ونصح بتأجيل حفلات الزفاف لحين تحسن الطقس، أو إقامتها بأعداد محدودة داخل المباني، مع التقيد بالتباعد وارتداء الأقنعة.
كما حثّ على العودة إلى إقامة الأنشطة الاجتماعية عبر تطبيق «زووم» خلال فصل الشتاء، حيث لا تسمح برودة الطقس بالتجمعات في الهواء الطلق.
واجب شرعي
إمام «المنتدى الإسلامي في أميركا» بديربورن هايتس، السيد حسن القزويني، أشار إلى أنه شجع المجتمعين العربي والإسلامي على التطعيم منذ البداية، عقب إجازة الوكالات الحكومية والطبية للقاحات، لافتاً إلى أنه يحض رواد «المنتدى الإسلامي» على عدم تصديق ما أسماها «إشاعات نظرية المؤامرة التي تحذر من مخاطر التطعيم».
وأضاف القزويني، في حديث مع «صدى الوطن»: «لقد كنت وما زلت أقول لهم بأن أخذ اللقاح هو فرض شرعي، تحتّمه الشريعة لحماية أنفسهم وحماية الآخرين»، مستدركاً بالقول: «لكن مازال من الصعب علينا إقناع الناس بتفادي التجمع والاختلاط في المناسبات الاجتماعية».
وأوضح القزويني بأن «الناس باتوا يشعرون باللامبالاة بعد مرور عامين على تفشي الوباء»، وقال: «البعض يخبرونك بأنهم ما عادوا يهتمون بالأمر».
واعترف بأنه يواجه مصاعب في تغيير القناعات المترسخة لدى البعض، ولكنه يصرّ على الاستمرار في حث المصلين على أخذ اللقاح والجرعات المعززة، إضافة إلى الالتزام بارتداء الأقنعة ومسافات التباعد الاجتماعي.
وقال القزويني إن مواقف الناس حيال وباء كورونا «متباينة»، لافتاً إلى أن البعض يؤيدون ما يقوله، وأن البعض الآخر لا يأبهون بإرشاداته. وأضاف: «البعض يطلب مني أن أكون متصلباً في هذا الشأن، وأما البعض الآخر فهم يؤمنون بنظريات المؤامرة، ولا سبيل لتغيير قناعاتهم».
ولفت القزويني إلى أن «رسالته لم تتغير منذ بداية الوباء»، وقال: «هذه الرسالة.. تذكّر أبناء المجتمع الإسلامي بأن حفاظهم على سلامتهم وسلامة الآخرين.. هو واجب شرعي».
Leave a Reply