التقرير الأسبوعي
بينما تشحذ آلة القتل الإسرائيلية سيوفها للانقضاض على مدينة غزة بهدف نزع سلاح «حماس»، يتولى الأميركيون هذه المهمة في لبنان عبر ممارسة أقصى الضغوط على الحكومة اللبنانية لنزع سلاح «حزب الله» عن طريق زج الجيش بمواجهة المقاومة دون تقديم أي ضمانات مقابلة بشأن الاحتلال الإسرائيلي واعتداءاته المتواصلة، وصولاً إلى حدّ التهديد بترك البلاد إلى مصيرها في حال لم يرضخ اللبنانيون لمطالب الكيان. من جهة أخرى، يزداد مصير سوريا غموضاً مع تمادي إسرائيل في استباحة أراضيها دون حسيب أو رقيب وسط تنامي النزعات الانفصالية في أنحاء البلاد رفضاً لنظام اللون الواحد الحاكم في دمشق.
الإبادة مستمرة في غزة
لا يبدي الائتلاف اليميني المتطرف بزعامة بنيامين نتنياهو، أية نية للتراجع عن اجتياح مدينة غزة وتهجير ما تبقى فيها من السكان، بحجة أن عملية برية «خاطفة» من هذا النوع ستكون كفيلة بإخضاع حركة «حماس» وإجبارها على قبول الشروط الإسرائيلية لوقف إطلاق النار، وفي مقدمتها، نزع سلاح المقاومة.
ورغم تحذيرات جيش الاحتلال من التكاليف البشرية والمادية الباهظة التي قد يتكبدها للسيطرة على المدينة المنكوبة، وسط تقديرات الخبراء العسكريين بأن تستغرق العملية عاماً كاملاً، يصر نتنياهو على المضي قدماً بسياسة إطالة أمد الحرب زاعماً –هو وصقور حكومته– أن العملية لن تستغرق أكثر من أشهر قليلة، متجاهلاً بذلك، مخاوف الجيش المنهك، وكذلك، الاحتجاجات الشعبية المتصاعدة داخل الكيان، التي تتهمه بالتخلي عن الأسرى الإسرائيليين المحتجزين في القطاع حفاظاً على مصالحه السياسية.
وفي الواقع، كان وزير المال الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، أكثر صراحة في كشف أهداف العملية التي قدر لها أن تستمر حتى نهاية العام الحالي كأقصى حد، داعياً حكومة الاحتلال إلى البدء بضمّ مناطق من قطاع غزة إذا استمرت «حماس في رفض نزع سلاحها».
وقدّم سموتريتش، خلال مؤتمرٍ صحافي، خطته لـ«الانتصار في غزة بحلول نهاية العام»، التي تنصّ على إخلاء المدنيين من مدينة غزة ومناطق شمالي ووسط القطاع ودفعهم جنوباً ليتسنى القضاء على مقاتلي «حماس»، قائلاً: «من لا يموت بالرصاص سيموت جوعاً».
وقال إنّه «في حال رفض حماس، يجب على إسرائيل ضمّ جزء من القطاع كل أسبوع لمدّة أربعة أسابيع، بحيث يصبح معظم قطاع غزة تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة»، داعياً إلى قطع المياه والكهرباء والطعام عن القطاع كوسية لتحقيق هذا الهدف. وأضاف: «يمكن تحقيق ذلك في غضون ثلاثة إلى أربعة أشهر»، مطالباً نتنياهو، «باعتماد هذه الخطة فوراً وبشكل كامل».
وجاءت تصريحات سموتريتش في وقت يكثّف الجيش عدوانه في محيط مدينة غزة تمهيداً لاحتلالها، وسط تزايد قلق المنظمات الإنسانية بشأن مصير المدنيين هناك.
وتحدثت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن جزء من تفاصيل الاشتباكات والمواجهات التي دارت خلال الأيام الماضية بين عناصر المقاومة وقوات الاحتلال في حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، حيث تم تدمير أكثر من 1,500 مبنى منذ مطلع أغسطس الجاري.
وكشفت الصحيفة أن مقاتلي «حماس» يهاجمون باستمرار المواقع المؤقتة للجيش الإسرائيلي. كما نقلت أيضا عن مصادر عسكرية أن القوات الإسرائيلية بحي الزيتون تفاجأت بمدى براعة مقاتلي «حماس» في زرع العبوات الناسفة، وهو ما ساهم في نجاح عملياتها المتواصلة ضد القوات المتوغلة.
سياسياً، ندّدت حركة «حماس» بتصريحات سموتريتش، معتبرةً أنّها «اعتراف صريح بسياسة الإبادة والتصفية الجماعية التي ينتهجها الاحتلال ضدّ شعبنا».
وقالت الحركة إن «تصريحات سموتريتش تمثّل دعوة مُعلَنة لمواصلة جرائم جيش الاحتلال في قطاع غزة حتى إبادة شعبنا وتهجيره، كما تمثّل اعترافاً رسمياً باستخدام التجويع والحصار ضدّ المدنيين الأبرياء كسلاح، وهو ما يُعدّ جريمة حرب وفق اتفاقيات جنيف ونظام روما».
وشدّدت «حماس» على أنّ ما قاله سموتريتش «ليس موقفاً متطرفاً معزولاً، بل سياسة حكومية مُعلَنة تُنفّذ منذ نحو 23 شهراً، عبر منع الغذاء والدواء، وقصف مراكز الإغاثة، وتدمير البنية التحتية، ودفع الناس إلى النزوح».
وأكدت أنّ «ما يجري في غزة ليس معركة عسكرية بل مشروع إبادة وتهجير جماعي، ما يفرض على المجتمع الدولي الاضطلاع بمسؤولياته واتخاذ إجراءات عاجلة لمحاسبة قادة الاحتلال». وبحسب البيانات الرسمية، ارتفعت الحصيلة الإجمالية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، منذ أكتوبر 2023 ولغاية الأسبوع الماضي، إلى نحو ٦٣ ألف شهيداً و160 ألف إصابة.
ويمضي الاحتلال الإسرائيلي باستكمال عمليات التطويق لمدينة غزة عبر توسيع رقعة القصف تزامناً مع عمليات نزوح محدودة للسكان داخل أروقة المدينة، في ظل صعوبة إيجاد أماكن فارغة وسط قطاع غزة وجنوبه. وأصدر منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية، الأربعاء الماضي، دعوة للإخلاء من مدينة غزة قال فيها إنه «لا مفرّ من إخلاء المدينة»، زاعماً أنّ عمليات توزيع المساعدات ستكون أكثر كثافة في المناطق الجنوبية من القطاع.
إلا أن الجيش الإسرائيلي نفسه يشكك في إمكانية إنجاز المهمة ضمن الأطر الزمنية االتي يتحدث عنها نتنياهو وأركان حكومته، لاسيما في ظل أزمة التجنيد واستدعاء الاحتياط مع استمرار رفض الحريديم (العماد الشعبي لحكومة نتنياهو) للخدمة في صفوف الجيش المنهك الذي أقر بمقتل نحو 900 ضابط وجندي وإصابة 6210 آخرين على جبهة غزة منذ السابع من أكتوبر 2023.
وكشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن انقسام حادّ داخل القيادة العليا للجيش، بين تيّار يدعو إلى إتمام «صفقة جزئية» في المرحلة الحالية، وآخر يصرّ على التقدّم نحو صفقة شاملة تتضمّن إطلاق سراح جميع الأسرى وإنهاء حكم «حماس» في غزة. ويقود هذا الأخير مجموعة من الجنرالات والضباط الكبار في الميدان، ترى أن صفقة جزئية ستمنح «حماس» فرصة لـ«التعافي»، وتُفقد الاحتلال الزخم الذي راكمه عسكرياً، كما تُقوّض إمكانية السيطرة الكاملة على القطاع.
على أن رئيس أركان الجيش، آيال زامير، يسعى إلى «الجمع بين الضغط العسكري والمفاوضات»، عبر «خطة تدريجية» تبدأ بإخلاء المدنيين من مدينة غزة، ثم تنفيذ عمليات عسكرية متصاعدة، على أن يتم استهداف المناطق التي لا يُعتقد بوجود أسرى فيها. وتهدف هذه الخطة إلى تقليل الخسائر في صفوف الجنود، والمحافظة على حياة الأسرى، مع العمل على استعادة جزء من «الشرعية الدولية» المفقودة، عبر إدخال مساعدات إنسانية وتخفيف استنزاف قوات الاحتياط.
وأقدم جيش الاحتلال الأسبوع الماضي، مرة أخرى على جريمة حرب موصوفة باستهداف مجمع ناصر الطبي بعدة قذائف ما أسفر عن استشهاد ما لا يقل عن 22 شخصا، بينهم عاملون في مجال الصحة وفرق الطوارئ و5 صحفيين في استمرار لسياسة التعتيم على جرائم الكيان. وواجهت إسرائيل إدانات عالمية بسبب الضربات التي شنتها على أكبر مستشفى في جنوب غزة، فيما اكتفى نتنياهو بوصف المجزرة الموثقة بكاميرات الفيديو بأنها «خطأ مأساوي».
ولكن إذا كان نتنياهو لم يتوقف كثيراً عند انقسام الجيش حول صعوبة المهمة في غزة من جهة، والتظاهرات الشعبية ضد عملية «مركبات جدعون 2» من جهة أخرى، فإنه بالتأكيد لم يُظهر أي اهتمام بما آلت إليه صورة إسرائيل أمام المجتمع الدولي وتلويح العديد من الدول الأوروبية بالاعتراف بدولة فلسطين، بل إنه تفاخر بمنع قيام هذه الدولة، في إطار استعراض إنجازاته لإقناع الإسرائيليين بمواصلة الحرب الوحشية على غزة، مستنداً إلى ضوء أخضر أميركي، أو على الأقل مهلة «لإنجاز المهمة».
فبعد اجتماع مجلس الوزراء الأمني المصغر بشأن غزة، الاثنين الماضي، لم يُناقش فيه مصير الرهائن أو جهود الوساطة المصرية القطرية، ذكّر نتنياهو بتعهده السابق بمنع قيام دولة فلسطين، قائلاً: «نحن ننجز ذلك معاً. قلت إننا سنبني ونتمسك بأجزاء من أرضنا، وطننا، ونحن نفعل ذلك»، في إشارة متكررة إلى تبنيه العلني لمشروع «إسرائيل الكبرى» الذي يعتبِر كامل فلسطين التاريخية جزءاً من دولة إسرائيل التي تمتد من النيل إلى الفرات، وفق الأيديولوجية الصهيونية.
وكانت وسائل إعلام إسرائيلية أفادت أن المجلس الأمني المصغر «الكابينيت» أنهى اجتماعه دون مناقشة إطلاق سراح الرهائن ووقف إطلاق النار في غزة، حسب الاتفاق الذي وافقت عليه حركة «حماس» قبل أيام.
وبعد الاجتماع، هاجم زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد الحكومة، وقال إن «انعقاد مجلس الوزراء وعدم مناقشة صفقة الرهائن يمثل وصمة عار أخلاقية أخرى على حكومة السابع من أكتوبر».
وأضاف لابيد: «أقول للشعب الإسرائيلي بكل صراحة: هناك صفقة مطروحة ومن الممكن إعادة الرهائن إلى ديارهم وإنهاء الحرب. اجتماع مجلس الوزراء عار وطني. لم يطرح موضوع الرهائن، فما المُلِحّ بالنسبة لهم؟».
وفي السياق ذاته، يخرج مئات الآلاف من الإسرائيليين إلى الشوارع في أنحاء البلاد، أسبوعياً، للمطالبة بالتوصل إلى اتفاق لوقف الحرب والإفراج عن 50 رهينة (أحياء وأموات) لا يزالون محتجزين في غزة.
ونقلت القناة 12 الإسرائيلية عن مسؤولين أمنيين كبار، قولهم إن نتنياهو «لا يطلع أحداً على خططه بشأن حرب غزة»، مشيرة إلى أنه «رغم التصريحات العلنية، فإن كبار المسؤولين غير منخرطين في المناقشات الفعلية حول الخطط، وتتخذ القرارات بعيداً عنهم».
ورأى رئيس الأركان الأسبق، وعضو «الكابينت» السابق، غادي آيزنكوت، أن نتنياهو يتهرّب من التوصّل إلى صفقة، على الرغم من أن «الأغلبية في الشعب والكنيست والحكومة» تؤيّدها. وأضاف أن رئيس الحكومة «يقفز من مبادرة إلى أخرى، ولا ينصت إلى الرأي العام، في ظل خوف داخل الائتلاف من فقدان المناصب».
وبينما تستمر آلة القتل والتجويع الإسرائيلية بالفتك بأهالي غزة يومياً، شددت كل من قطر ومصر على استمرار جهودهما للتوصل إلى وقف لإطلاق النار، رغم عدم رد إسرائيل رسمياً على مقترح الصفقة الذي سلّمه الوسطاء يوم 18 أغسطس الجاري بعد موافقة «حماس» عليه.
يأتي ذلك وسط صمت شبه مطبق من الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه العدوان الإسرائيلي، حيث اكتفى سيد البيت الأبيض، يوم الاثنين الماضي، بالتصريح عن رغبته بانتهاء الحرب في غضون أسابيع قليلة، قبل أن يعود في اليوم التالي ويتراجع عن هذا التصريح.
الضغط على لبنان
نزع السلاح أوّلاً… وبلا ضمانات، هذا ما أكده الوفد الأميركي الذي حلّ على بيروت، الأسبوع الماضي، عشية انتهاء المهلة التي حددتها حكومة نواف سلام لتسلُّم خطة الجيش لنزع سلاح «حزب الله»، والتي استبقها نتنياهو بالثناء على الحكومة معرباً عن استعداد إسرائيل لدعم لبنان في جهوده لنزع سلاح المقاومة، رابطاً أي تقليص لوجود جيش الاحتلال في لبنان بمدى نجاح جهود لبنان بانتزاع السلاح أولاً.
بدوره، أبدى رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري إحباطه من نتائج زيارة الوفد الأميركي، وقال في حديث لصحيفة “الشرق الأوسط» إن الأميركيين «أتونا بعكس ما وعدونا به»، في إشارة إلى ما كان يتوقع من رد إسرائيلي على سياسة «الخطوة بخطوة» التي تمسك بها الموفد الأميركي توم براك في تصريحاته، لكن مواقفه مع أعضاء الوفد الآخرين أتت معاكسة، من خلال التشديد على خطوة سحب سلاح «حزب الله» قبل البحث بأي خطوة إسرائيلية مقابلة تتعلق بالانسحاب من الأراضي اللبنانية ووقف الاعتداءات.
وأكد بري أن الوفد الأميركي الذي ضم ثلاثة مشرعين إلى جانب باراك والموفدة مورغان أورتاغوس، «لم يأت بأي شيء من إسرائيل، وبالتالي ذهبت الأمور نحو التعقيد مجدداً»، مكتفياً بالتشديد على أن الأمور «ليست سهلة».
وقال بري رداً على سؤال عن الاجتماع الحكومي المقرر في الثاني من سبتمبر المقبل والذي سيبحث في خطة الجيش لسحب سلاح «حزب الله» «إن كل أمر يؤدي إلى خلاف في البلد مستنكَر».
وفي مؤشر على صعوبة المطالب الأميركية، لم تتمكن السلطات اللبنانية حتى من تأمين جولة مقررة لبراك في جنوب لبنان، حيث اضطر الموفد الأميركي إلى إلغاء زيارته إلى مدينة صور وبلدة الخيام، تحت ضغط الشارع، علماً بأن الجولة كانت تهدف إلى تسويق وعود «وردية» بإنشاء منطقة «اقتصاديّة» على أنقاض القرى في جنوب لبنان، لجذب استثمارات وأنشطة تجارية وصناعية تجلب الازدهار لسكان المنطقة.
وجاءت الجولة الملغاة بعد يوم من إثارة براك موجة غضب عارم لدعوته الصحفيين اللبنانيين إلى التصرف «بطريقة متحضرة» لا «بطريقة حيوانية»، خلال مؤتمر صحفي عقده في القصر الجمهوري برفقة بقية أعضاء الوفد، الثلاثاء الماضي.
من جهته، يؤكد «حزب الله» رفضه تسليم السلاح محذراً من أنّ «إسرائيل قد تحتل وتدمّر وتقتل، لكننا سنواجهها دفاعاً وتضحية، كي لا تستقرّ ولا تحقق أهدافها»، بحسب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم.
وبينما يواصل «حزب الله» وحركة «أمل» سياسة ضبط النفس وعدم استخدام الشارع لمواجهة الضغوط الدولية والداخلية المتصاعدة، دعا قاسم، الحكومة إلى موقف شجاع والتراجع عن قرارها «الخطيئة» بسحب السلاح، مقدّماً لها خارطة طريق واضحة: «تبدأ بإخراج العدو من أرضنا وإيقاف العدوان والإفراج عن الأسرى والبدء بالإعمار، ثم بعد ذلك تعالوا إلى الاستراتيجية الدفاعية»، لافتاً إلى أنّ «استعادة السيادة هي الأولوية على ما عداها، لأن البديل عن المقاومة هو الاستسلام لإسرائيل والتخلّي عن إمكاناتكم وقدراتكم».
وفي سياق متصل، اعتمد مجلس الأمن الدولي بالإجماع، الخميس الماضي، قراراً يمدّد ولاية قوات «اليونيفيل» في لبنان «للمرة الأخيرة» حتى 31 ديسمبر 2026.
ويتضمن قرار التمديد، دعوة إسرائيل إلى سحب قواتها من شمال الخط الأزرق و5 مواقع في الأراضي اللبنانية، بالإضافة إلى دعوة السلطات اللبنانية للانتشار في أي مواقع تخليها إسرائيل بدعم من الأمم المتحدة.
وأمل رئيس الجمهورية، جوزاف عون، أن تكون الأشهر الستة عشر المقبلة من عمل اليونيفيل «فرصة لإنقاذ الوضع اللبناني وتثبيت الاستقرار على حدودنا الجنوبية، وأن تكون السنة الإضافية للانسحاب المهلة الثابتة لتأكيد وتثبيت سيادة لبنان على كامل حدوده».
استباحة سوريا
تواصل إسرائيل تصعيدها الأمني والعسكري جنوبي سوريا، بالتوازي مع المفاوضات التي تجمعها مع السلطات السورية الانتقالية، بوساطة أميركية–فرنسية، في وقت تتابع فيه السويداء بناء إدارتها الذاتية، وسط دعوات مستمرّة إلى الانفصال بلغت الساحل السوري.
ورغم المكتسبات الكبيرة التي حققتها منذ وصوله إلى السلطة في ديسمبر 2024، تواصل إسرائيل الضغط على الشرع لانتزاع تنازلات كبرى في سوريا، مستخدمة الغارات والتهديد لتكريس واقع يخدم مشروعها على حساب وحدة البلاد.
وفي أحدث عملياتها، قامت القوات الإسرائيلية بتثبيت نقاط عسكرية في قرية رخلة الواقعة في جبل الشيخ، في خطوة تعكس أهمية السيطرة على هذا الموقع الاستراتيجي.
تطل رخلة على ثلاث طرق حيوية تربط دمشق ببعلبك وبيروت، ما يجعل السيطرة عليها إنجازاً غير مسبوق للقوات الإسرائيلية، التي باتت الآن على بعد 20 كيلومتراً من دمشق، و50 كيلومتراً من بعلبك، و60 كيلومتراً من بيروت. وتمنح السيطرة على هذه النقاط إسرائيل القدرة على تهديد الطرق الحيوية مثل المصنع–بيروت وزحلة–بيروت بنيران مدفعيتها المباشرة، ضمن ما يُعتقد أنه جزء من استراتيجية شاملة لمحاصرة «حزب الله».
وقتل 7 سوريين من بينهم 6 جنود في الجيش، الثلاثاء الماضي، بقصف إسرائيلي استهدف موقعين أحدهما قرب دمشق والثاني في جنوب البلاد.
وقال متحدث عسكري إسرائيلي إن قوات الاحتلال تجري نشاطات عملية روتينية في جنوب سوريا، لحماية أمنها ولما تعتبره «التزامها بحماية أفراد الأقلية الدرزية» في محافظة السويداء حيث تطغى دعوات الانفصال بعد المجازر التي ارتكبتها قوات الشرع وحلفاؤها من مسلحي العشائر بحق الأهالي الدروز.
وفي كلمة ألقاها في أثناء استقبال القائد الجديد لـ«حركة رجال الكرامة»، مزيد خداج، آخر الفصائل التي انضمّت إلى «الحرس الوطني» في السويداء، طالب الشيخ حكمت الهجري بـ«دعم إقليمي ودُولي وأممي» لإقامة «إقليم منفصل» في الجنوب السوري. وقال إنّ «ما شهدته محافظة السويداء في أثناء المدّة الماضية كان الهدف منه إبادة الطائفة الدرزية».
وجاءت تصريحات الهجري بعد يوم واحد من نشر تسجيل مصوّر له وهو يبارك تشكيل «الحرس الوطني»، الذي جرى الإعلان عنه قبل ثلاثة أيام، عبر دمج نحو 40 فصيلاً محلّياً. وفي كلمته، شكر الهجري «دول العالم التي وقفت معنا، وفي مقدّمهم الولايات المتحدة وإسرائيل»، مضيفاً أنّ تلك الدول «حمت كرامتنا ووجودنا، ولن تلقى منّا إلا الوفاء». كما تحدّث عن وجود علاقات متينة تربط السويداء بـ«قوات سوريا الديموقراطية» (قسد) والعلويين في الساحل.
وفي إطار الدعوات الانفصالية أيضاً، أصدر المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا، بيانه التأسيسي، مؤكداً رفض «حكومة اللون الواحد التي شكلتها سلطة الأمر الواقع على أسس دينية طائفية إقصائية».
ويضم المجلس، وفقاً للبيان، «اللاذقية وطرطوس وحمص وأجزاء من أرياف حماة بما فيها سهل الغاب، على أساس جغرافي ومدني علماني وقانوني عادل، مع الأخذ بعين الاعتبار الاستفادة من تجارب مماثلة لما حدث في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، ومناطق الأقليات المتفرقة في دمشق وسواها».
وبالنسبة إلى طرق تحقيق العدالة الانتقالية، يطالب المجلس بـ«إحالة جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب إلى المحكمة الجنائية الدولية»، وتأسيس محكمة دولية خاصة بسوريا. وطالب البيان التأسيسي «الأمم المتحدة باعتبار المناطق التي تعرضت لحملات التدمير الممنهج والمجازر والحرائق في وسط وغرب سوريا مناطق منكوبة وتقديم إغاثة عاجلة لها».
وتمثّل أول القرارات الاقتصادية لحكومة تصريف الأعمال عقب سيطرة الفصائل المسلحة على دمشق، في رفع سعر ربطة الخبز المدعوم بنسبة 900 بالمئة، وتحرير أسعار جميع المشتقات النفطية بشكل كامل، أي إلغاء أحد أهمّ بنود الدعم الاجتماعي الحكومي المستمرّ منذ ما يزيد على خمسة عقود. ووفقاً للبيانات الأممية، فإن أزمة غذاء تهدّد ثلاثة ملايين مواطن سوري بالجوع الشديد في ظلّ انخفاض إنتاج البلاد من القمح، فيما يعاني أكثر من نصف السكان البالغ عددهم نحو 25.6 مليون نسمة، من انعدام الأمن الغذائي حالياً.
جبهة اليمن
في سياق اعتداءاته المتواصلة على اليمن، بسبب إسناده لغزة، استهدف الكيان الإسرائيلي، الخميس الماضي، العاصمة صنعاء بعدوان جديد، فيما نفت قيادة حركة أنصار الله مزاعم إسرائيلية بوقوع عمليات اغتيال.
وترامن العدوان الإسرائيلي مع الخطاب الأسبوعي، لقائد حركة «أنصار الله»، السيد عبدالملك الحوثي، الذي جدّد التأكيد على أن «موقف بلدنا مستمر رسمياً وشعبياً وفق مساره الهادف إلى فعل ما هو أقوى، ما هو أكبر، إلى تطوير القدرات العسكرية أكثر وأكثر».
وقال الحوثي: «القوات الصاروخية زفت لنا البشرى بالإنجاز النوعي الذي أقلق الأعداء الصهاينة في صناعة الرؤوس الانشطارية لصواريخ فلسطين 2»، موضحاً أن الرؤوس الانشطارية لتلك الصواريخ «تنقسم إلى عدة رؤوس حربية وهذا إنجاز نوعي مهم جداً أقلق الأعداء الصهاينة».
وأكد أن «العدوان الإسرائيلي على بلدنا هو عدوان فاشل واستهدافه لمحطة شركة النفط، واستهدافه أيضاً للمحطات الكهربائية عدوان فاشل»، لافتاً إلى أن العدو الإسرائيلي يستهدف منشآت تقدم الخدمة لكل الشعب ليقول للشعب أنا أستهدفكم جميعاً لا أفرق بين هذا وذاك».
وكانت وسائل إعلام إسرائيلية أعلنت أن المنظومات الدفاعية اعترضت بنجاح صاروخاً انشطارياً أطلق من اليمن، في حين علقت الملاحة في مطار بن غوريون إثر رصد الصاروخ.
ويأتي استمرار الهجمات اليمنية بالصواريخ والمسيرات مترافقاً مع استمرار صنعاء بعملياتها البحرية ضد إسرائيل عبر استهداف جميع السفن التابعة لأي شركة تتعامل مع الموانئ الإسرائيلية بغض النظر عن جنسيتها، وهو ما أدى إلى إخراج مرفأ إيلات من الخدمة، بينما تعوض إسرائيل حصارها البحري عبر خطوط إمداد برية تمر عبر دول الخليج والأردن إلى داخل الأراضي المحتلة.
Leave a Reply