استياء شعبي وسياسي في منطقة ديترويت احتجاجاً على تهديدات ترامب بتدمير إيران
ديترويت
أثارت تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتدمير إيران ومحو حضارتها، موجة استياء عارمة في عموم الولايات المتحدة، بما فيها، منطقة ديترويت التي شهدت قبل ساعات من تراجع ترامب عن تهديداته، سلسلة فعاليات احتجاجية رفضاً للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
وكان ترامب قد فاجأ العالم بمنشور غير مسبوق على منصة «تروث سوشال» قال فيه إن «حضارة بأكملها ستفنى الليلة، ولن تعود أبداً» في حال لم توافق إيران على فتح مضيق هرمز.
وقفة احتجاجية
مع اقتراب الساعة التي ضربها سيد البيت الأبيض موعداً نهائياً لإبرام اتفاق مع طهران في الثامنة مساءً، احتشد العشرات من المحتجين أمام مبنى ماكنمارا الفدرالي بوسط مدينة ديترويت، مساء الثلاثاء الماضي، معربين عن مناهضتهم لخيار الحرب واستمرار العمليات العسكرية التي تستهدف المدنيين والمنشآت الحيوية.
وفي الإطار، أكد منظم الاحتجاج روس بيلانت أن ائتلافاً من عدة قوى مدنية يسارية تكتلوا لمواجهة ما وصفوه بـ«جرائم الحرب والانتهاكات الدستورية» وتهديد ترامب بتدمير الحضارة الإيرانية.
ووصف بيلانت الوضع بـ«غير المقبول»، مشدداً على ضرورة اتخاذ كافة الإجراءات لوقف هذا المنزلق، ومذكراً بلهجة مؤثرة بأن «القنابل لا تُطلق على الناس فحسب، بل تمزق الجثث»، وقال: «هذا أمر مروع، وعندما تقول (ترامب) إنك ستقصف لدرجة الجحيم، وهذا ما قاله (ترامب) حرفياً، فهذا شيء لم نرَ مثله في حياتنا».
من جانبه، أشار المشارك في تنظيم الفعالية الاحتجاجية، أبايومي أزيكيوي، إلى مفارقة تدهور الأوضاع المعيشية في الولايات المتحدة مقابل الإنفاق العسكري الضخم على العمليات العسكرية ضد إيران، لافتاً إلى أن المليارات التي تُرصد لخوض مواجهة مع الجمهورية الإسلامية تُقتطع من ميزانيات الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية الأساسية التي يحتاجها المواطنون الأميركيون.
ودعا أزيكيوي الجمهور إلى ضرورة التصدي لهذا التوجه العسكري، مؤكداً بأن الحرب لن تخدم الغالبية العظمى من الأميركيين بقدر ما ستعمّق أزماتهم، وقال: «على الناس أن يقفوا في وجه هذه الحرب التي لا تفيد غالبية الناس في هذا البلد.. علينا أن نتحدث ضد ذلك علناً، بأننا نرفض الإبادة الجماعية».
هنادي فحص التي حضرت مع عائلتها من مدينة ديربورن هايتس للمشاركة في الوقفة الاحتجاجية، قالت إنها تأمل أن يبحث الأميركيون عن مصادر إخبارية من جميع أنحاء العالم، وأن يأخذوا الوقت الكافي لتثقيف أنفسهم حول الحرب وكيف تؤثر على حياة الناس في منطقة الشرق الأوسط.
وقالت فحص لصحفيين احتشدوا في المكان: «نحن نقف ضد الحرب غير الشرعية وجرائم الحرب التي يرتكبها رئيسنا، ولا نريد أن نخوض حرباً من أجل إسرائيل»، موضحة بأن الرئيس لا يضع في اعتباره المصالح العليا للشعب أميركي.
مؤتمر صحفي
في اليوم السابق لموعد الدمار الموعود، وجهت مجموعة من الأئمة المسلمين في مؤتمر صحفي أمام «مكتبة مئوية هنري فورد» بمدينة ديربورن، الاثنين المنصرم، نقداً حاداً لسياسات الرئيس ترامب وخطابه التصعيدي ضد إيران، وكذلك تلميحاته الدينية التي تنمّ عن عدم احترامه لعقائدهم الدينية، مطالبين بضرورة الركون إلى السلام والالتزام بالقوانين الأميركية والشرعية الدولية.
واستنكر مجلس الأئمة ما كان ترامب قد نشره في وقت سابق عبر وسائل التواصل الاجتماعي من تهديدات بقصف محطات الطاقة والجسور الحيوية في الجمهورية الإسلامية، كما نددوا بلغة الوعيد التي يستخدمها في منشوراته مثل وصف الإيرانيين بـ«الأوغاد المجانين»، وتهديدهم بـ«جهنم» إذا لم ينصاعوا لمطالبه بشأن مضيق هرمز، قبل أن يختتم منشوره بعبارة «الحمد لله».
واعتبر الأئمة إيراد لفظة الجلالة «االله» في منشوره على هذا النحو توظيفاً مستهجناً للتعابير الدينية في سياق التلويح بالحرب والدمار.
وأوضح المشارك المؤسس في «مجلس الأئمة المسلمين بميشيغن»، ورئيس «المنظمة الإسلامية في أميركا الشمالية» (يونا)، الشيخ ستيف الترك بأن تصريحات ترامب التي تتضمن تهديدات بتدمير إيران وتستخدم لغة بذيئة وتحريضية، تمثل تصعيداً خطيراً يقوّض الاستقرار الدولي والنسيج الأخلاقي للخطاب العام.
وأضاف الترك بأن ما يثير القلق أيضأ هو الاستهزاء بعبارة «الحمد لله» المقدسة وإساءة استخدامها، لافتاً مع غيره من الأئمة الآخرين إلى أن بعض العبارات، مثل عبارتي «الحمد لله» و«الله أكبر»، تُتلى خلال أداء الصلوات اليومية للمسلمين، وتُقال في لحظات الفرح والشدائد للتذكير بأن الله أعظم من كل شيء.
إمام «دار الحكمة الإسلامية» بمدينة ديربورن هايتس، والرئيس المشارك في «مجلس الأئمة المسلمين بميشيغن»، الشيخ محمد علي إلهي، وصف استخدام ترامب للعبارة الدينية آنفة الذكر، وكذلك تهديده بتدمير البنى التحتية في إيران، بالسلوك «غير الأخلاقي وغير القانوني».
إلهي الذي يتحدر من أصول إيرانية، أكد بأن استعمال ترمب للألفاظ النابية وتحدثه العلني عن جرائم الحرب هي سلوكيات غير أخلاقية، وقال: «لا يمكن تبرير هذه الحرب بأي شكل من الأشكال.. إنها من أكثر الحروب غير الشعبية وغير القانونية والمخالفة للدستور في تاريخ أمتنا».
ولفت المدير التنفيذي لـ«برنامج إثراء المسلمين»، الشيخ سليم خالد، إلى أن الفعاليات الإسلامية اجتمعت انطلاقاً من حرصها على العدالة والأخلاق والحقيقة، وقال: «نرى في هذا العمل الذي تقوم به أميركا منعطفاً مظلماً آخر في تاريخ البشرية، وهذه ليست قصة جديدة، فالتاريخ يعيد نفسه بطريقة غريبة».
واستشهد خالد بعبارة لأيقونة الحقوق المدنية القس مارتن لوثر كينغ تقول: «إننا نعيش زمن الازدواجية في الخطاب، حيث يعاني أصحاب المناصب العليا من تضخم في البلاغة الخادعة، يقابله فقر دم حاد في الإنجاز الملموس».
وأعاد الشيخ أيهم مشمشان، التذكير بتصويت العرب الأميركيين في منطقة ديترويت لترامب خلال حملته الرئاسية عام 2024، لافتاً إلى أن هؤلاء الناخبين وضعوا ثقتهم في الرئيس الجمهوري بناءً على الوعود التي قطعها لهم بإحلال السلام، وقال: «نحن جميعاً ننشد السلام والمحبة، ونسعى لعظمة أميركا بدافع حبنا لبلدنا ودعمنا له، وإنني أقف اليوم في مدينة منحتك أصواتها سابقاً لأنك وعدت بالسلام؛ لذا ندعوك يا سيادة الرئيس للوفاء بوعدك».
ويوم الثلاثاء الماضي، شهد تقاطع شارعي فورد وشايفر في مدينة ديربورن وقفة احتجاجية أخرى، حيث تجمع عدد من المتظاهرين للمطالبة بوقف الحرب على إيران رافعين لافتات تعبّر عن رفضهم للتصعيد العسكري، وسط تفاعل من السائقين المارين الذين أطلقوا أبواق سياراتهم تضامناً مع المحتجين، في محاولة لإيصال رسالة تدعو إلى السلام ووقف الحرب في منطقة الشرق الأوسط.
معارضة سياسية
سياسياً، انضم النائبان عن منطقة ديترويت في الكونغرس الأميركي، رشيدة طليب وشري تانيدار إلى عدد متزايد من زملائهم الديمقراطيين الراغبين بعزل الرئيس ترامب من منصبه؛ وذلك بعد أن هدد بأن «حضارة بأكملها ستفنى الليلة».
وفي تصريحات منفصلة، صرحت طليب وتانيدار، بأن الوقت قد حان لاستخدام التعديل الخامس والعشرين من الدستور لعزل ترامب من منصبه؛ وهو إجراء دستوري يُلجأ إليه في حالة عجز الرئيس عن أداء مهامه.
وكتبت طليب عبر وسائل التواصل الاجتماعي قائلة: «بعد قصف مدرسة وارتكاب مجزرة بحق فتيات صغيرات، يهدد مجرم الحرب القابع في البيت الأبيض بارتكاب إبادة جماعية. يجب عزل هذا المختل عقلياً من منصبه».
وخلال فعالية انتخابية حضرها مئات الطلبة بجامعة «ميشيغن ستايت»، يوم الثلاثاء الماضي، أكد المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية ميشيغن، عبدول السيد، التزامه بمناهضة الجرائم الإسرائيلية والحرب على إيران رافضاً الانتقادات الموجهة إليه من كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري، بسبب قيامه بسلسلة من الجولات الانتخابية برفقة المعلق السياسي التقدمي حسن پايكر.
وطغت الأجواء الحماسية على التجمع الانتخابي الذي حضره پايكر، حيث وجه السيد انتقادات حادة للرئيس ترامب، متهماً إدارته بالانسياق وراء أجندات تصعيدية يقودها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وأوضح السيد بأن نتنياهو كان يرغب منذ وقت طويل بشن الحرب على إيران، إلى أن وجد أحمقاً مغفلاً وبما يكفي لفعل ذلك، في إشارة إلى ترامب.
وأضاف: «كلنا نحب جيراننا اليهود ونحترمهم… كما أننا نحترم اليهودية، ولأننا نحب الناس ونحترمهم لن نقف مكتوفي الأيدي بينما تُستخدم أموال دافعي الضرائب لتمويل إبادة جماعية نيابةً عن حكومة أجنبية».
من جانبه، خاطب پايكر الحضور قائلاً إن كل دولار يُنفق على تفجير مدرسة أو جسر في الخارج هو دولار «مسروق منكم»، مضيفاً: «هذه سرقة حقيقية، ونحن نقول كفى يعني كفى!».







Leave a Reply