إيران تخوض حرب استنزاف .. وترامب يرفض تحويلها إلى «حرب الطاقة»
التقرير الأسبوعي
تدخل الحرب الأميركية–الإسرائيلية ضدّ إيران أسبوعها الرابع دون تحقيق أي إنجاز يذكر على مستوى إخضاع الجمهورية الإسلامية، ودون ظهور أي أفق حقيقي لنهاية قريبة، وسط مخاوف متزايدة من اتساع تداعياتها وتزايد مخاطرها على المستويَين الإقليمي والدولي، فيما يبدو الرئيس الأميركي دونالد ترامب عاجزاً عن احتواء نتائج العدوان، وعلى رأسها الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز الذي يدفع أسعار الطاقة في مسار تصاعدي مستمر ومحرج لحزبه الجمهوري مع اقتراب انتخابات الكونغرس.
ورغم مواصلة الاغتيالات التي طالت ثلاثة من كبار القادة الإيرانيين خلال الأسبوع الماضي، وإقدام إسرائيل على قصف منشآت الغاز الإيرانية، لم تظهر طهران أي ضعف أو تراجع في مواجهة العدوان الذي يتخذ طابعاً خطيراً يمكن تسميته بـ«حرب منشآت الطاقة»، حيث لم تتوان القوات الإيرانية عن الرد بقصف منشآت نفطية في الخليج، وفي حيفا، راسمةً خطاً أحمر يصعب على ترامب تجاوزه رغم تحريض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يبدو –بدوره– أنه خفّض من سقف الطموحات بإسقاط النظام بالغارات الجوية بعدما أثبتت إيران توازنها وقدرتها على رد الصاع صاعين رغم آلاف الغارات الأميركية والإسرائيلية ورغم اغتيال كبار القادة، وعلى رأسهم المرشد آية الله السيد علي خامنئي، الذي خلفه نجله، مجتبى.
ورغم تصريحات ترامب المتكررة حول تدمير القوات البحرية والدفاع الجوي والقدرات الصاروخية الإيرانية، أظهرت طهران، إلى جانب مواصلتها قصف إسرائيل بالصواريخ الانشطارية والطائرات المسيّرة، قدرةً لافتة لديها في الدفاع الجوي، وذلك عبر إسقاط طائرة أميركية من طراز «أف 35» كانت تحلّق فوق أجوائها، الأربعاء الماضي، في تطوّر غير مسبوق يمكن أن يحدّ من حرية حركة الطيران المعادي في سماء الجمهورية الإسلامية.
واعترفت «القيادة المركزية الأميركية»، في بيان، بأن طائرة «أف 35» قامت بهبوط اضطراري في إحدى القواعد العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط، بعد إصابتها بنيران إيرانية، مشيرة إلى أن الطيار «في حالة مستقرة».
وكشفت مجريات الأسبوع الثالث من المواجهة، بأن مسار الحرب لا يمضي كما تشتهي سفن إسرائيل والولايات المتحدة، حيث لم تؤدِّ عمليات الاغتيال التي استهدفت المرشد الراحل وعدداً من القادة العسكريين والمسؤولين الإيرانيين الكبار، إلى انهيار النظام أو تغيير نهجه. كما أن الهجمات التي طالت منشآت ومقرات عسكرية لم تنجح في وقف الضربات الإيرانية ضدّ إسرائيل وأهداف في الخليج. وكذلك، لم تسفر الإجراءات الأمنية، بما فيها استهداف قوات الشرطة ونقاط التفتيش، عن إفراغ الشوارع من القاعدة الشعبية المؤيّدة للنظام أو عن تهيئة الظروف لاندلاع اضطرابات داخلية ضدّه.
وفي ظل الفشل الاستراتيجي للعدوان واستمرار الاغتيالات التي طالت –خلال الأسبوع المنصرم– أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني ووزير الاستخبارات إسماعيل خطيب ورئيس جهاز الباسيج غلام رضا سليماني وآخرين، تمضي إيران قدماً في حرب استنزاف ضاغطة تعوّل على أن تخلق معادلات جديدة، من خلال مواصلة سيطرتها على مضيق هرمز ومنع حركة الملاحة عبره من دون إذنها.
وفي حين لم يتمكن ترامب من حشد أي دعم دولي لإعادة فتح المضيق بالقوة، يجد الرئيس الأميركي نفسه عاجزاً عن جذب حلفاء واشنطن للانخراط المباشر في المعركة، كما أنه يبدو غير قادر على «إعلان النصر» والانسحاب لإنهاء حالة «الاستنزاف» التي تفرضها إيران، لاسيما أن وقف العمليات في ظل إغلاق هرمز سيُفسَّر كهزيمة واضحة لواشنطن، خاصة وأن طهران لا تبدي أي انفتاح على التفاوض أو أية نية واضحة «لإنزال ترامب عن الشجرة».
وواصلت أسعار النفط والغاز صعودها خلال الأسبوع الماضي، خاصة بعد قيام إسرائيل بقصف منشآت غاز في حقل «فارس الجنوبي» في جنوبي إيران التي سارع إلى تحويل التهديد إلى فرصة، عبر استهداف منشآت الغاز القطرية في منطقة رأس لفان، قبل أن تستهدف مصافي النفط في حيفا، وهو ما أدّى إلى اشتعال النيران فيها وانقطاع الكهرباء عن أجزاء من المدينة.
وكتب وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، من جهته، على «إكس»، أن «ردّنا على هجمات إسرائيل على بنيتنا التحتية كان مجرد جزء من قوتنا. والسبب الوحيد لضبط النفس هذا كان احتراماً لطلبات خفض التصعيد» وأضاف: «إذا تكرّر الهجوم على بنيتنا التحتية، فلن يكون هناك أيّ ضبط للنفس بعد ذلك».
من جانبه، تنصل ترامب سريعاً من «حرب منشآت الطاقة» زاعماً بأنه لم يكن يعلم بالهجوم على حقل «فارس الجنوبي»، وهو ما أكده نتنياهو، الخميس الماضي، بقوله إن إسرائيل «تصرفت بمفردها» في قصفها الحقل الإيراني، مضيفاً أن الرئيس الأميركي «طلب منّا وقف مثل هذه الهجمات مستقبلاً».
وفي تطوّر لافت يعكس عمق مأزق واشنطن، أعلن وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسينت، أن الولايات المتحدة قد ترفع قريباً عقوبات عن كمية من النفط الإيراني لمدّة محدودة، في إجراء يستهدف تعزيز العرض في الأسواق.
وتتسم الحرب ضدّ إيران بتباين جوهري بين واشنطن وتل أبيب في تعريف «النصر» على إيران. وكما بات واضحاً فإن ترامب لم يكن ينوي خوض حرب طويلة، بل راهن على «عملية خاطفة» تمنحه انتصاراً استراتيجياً سريعاً كما في فنزويلا. وإذا كان بإمكان الولايات المتحدة الانسحاب وإعلان النصر بمجرد إيجاد مخرج ما لأزمة مضيق هرمز، لا يبدو أن هذا الخيار مقبول بالنسبة لإسرائيل. إذ يحتاج نتنياهو إلى نصر كامل واستسلام حقيقي من إيران، يشمل تخليها التام عن برنامجها الصاروخي والنووي، وإنهاء دعمها لقوى المقاومة في المنطقة.
ولكن بعد ثلاثة أسابيع من الغارات المكثفة على الجمهورية الإسلامية، والتعرض في المقابل للصواريخ والمسيرات اليومية من إيران ولبنان، بدأ نتنياهو يتحدث عن ضرورة استخدام «عنصر أرضي» لتحقيق هدف إسقاط النظام الإيراني، مشككاً بفعالية الغارات الجوية في الوصول إلى هذه النتيجة التي وضعتها حكومته هدفاً للحرب.
وقال نتنياهو، في مؤتمر صحافي عبر الإنترنت، إنه «لا يمكن إحداث ثورة من الجو، بل يجب وجود عنصر أرضي أيضاً»، مضيفاً أنه «من السابق لأوانه معرفة ما إذا كان الإيرانيون سينزلون إلى الشوارع للاحتجاج»، و«أن الأمر متروك للشعب الإيراني ليُظهر ذلك، وأن يختار اللحظة المناسبة ويستجيب لها».
وفي محاولة لتظهير إنجازات الحرب، اعتبر نتنياهو أن إيران لم تعد قادرة على تخصيب اليورانيوم أو تصنيع الصواريخ الباليستية. وقال: «نحن ننتصر، وإيران تدمر»، مشيراً إلى أن ترسانة إيران من الصواريخ والطائرات المسيرة تتراجع بشكل كبير وسيتم تدميرها. وأضاف: «ما ندمره حالياً هو المصانع التي تُنتج مكونات هذه الصواريخ والأسلحة النووية التي يحاولون إنتاجها».
وبشأن مضيق هرمز، أكد رئيس الوزراء الاسرائيلي أن محاولات ايران «ابتزاز» العالم بأسره عبر اغلاق مضيق هرمز «آيلة إلى الفشل». وقال إن القيادة في ايران «تحاول ابتزاز العالم عبر إغلاق ممر مائي دولي حيوي هو مضيق هرمز. لكن ذلك لن يجدي».
وفي ظل تزايد الضغوط الداخلية على ترامب واتهامه بالانجرار إلى الحرب لمصلحة إسرائيل، نفى نتنياهو ذلك، متسائلاً: «هل يعتقد أحد حقّاً أن بإمكان أي شخص أن يُملي على الرئيس دونالد ترامب ما يجب فعله؟».
من جانبه، صرح ترامب بأنه لن ينشر جنوداً في إيران. وخلال اجتماع مع رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، الخميس الماضي، قال: «إن كنت سأقوم بذلك، فلن أقوله لكم بالطبع. لكنني لن أنشر قوات».
وكانت وكالة «رويترز» نقلت عن مصادر أن إدارة ترامب تدرس نشر الآلاف من القوات الأميركية الإضافية في الشرق الأوسط بينما تدرس الخطوات التالية تجاه إيران.
وكرر ترامب تصريحاته عن أنه «تم القضاء على القيادة الإيرانية»، مضيفاً: «إنهم يبحثون عن قادة جدد مرة أخرى». وأعاد الرئيس الأميركي التأكيد أنه أبلغ نتنياهو ألا يهاجم حقول الطاقة في إيران، مضيفاً أن نتنياهو وافق على ذلك. وقال: «قلت له: لا تفعل ذلك، ولن يفعل ذلك مجدداً».
وفي ما يخص مضيق هرمز، قال إن واشنطن تدافع عنه نيابة عن الجميع رغم أنها الأقل استفادة منه، وأضاف: «لا نحتاج مساعدة من أحد وإيران على وشك الدمار لكنهم ينشرون الألغام في كل مكان.. ودول حلف شمال الأطلسي لا ترغب في مساعدتنا لكنها أصبحت أكثر مرونة لأنها عرفت موقفي».
وقال الرئيس الأميركي إن إسرائيل هي من نفذت الهجوم على حقل غاز «فارس الجنوبي» وإن الولايات المتحدة وقطر لم تشاركا فيه. وكتب على منصة تروث سوشال: «لم تكن الولايات المتحدة على علم بهذا الهجوم تحديداً، ولم تكن قطر متورطة فيه بأي شكل من الأشكال، ولم تكن لديها أي فكرة مسبقة عن وقوعه». وهدد قائلاً: «إذا تعرضت مرافق الغاز الطبيعي المسال القطرية لهجوم مرة أخرى فلن أتردد في القيام بذلك (مهاجمة منشآت إيران)».
وزعم مسؤولون في إدارة ترامب إلى أنهم يشهدون انشقاقات كبيرة على جميع المستويات في النظام الإيراني، مؤكدين هدف ترامب هو «الضغط على النظام ومحاولة زعزعة استقراره».
ولاقى طلب الجيش الأميركي الحصول على تمويل إضافي بقيمة 200 مليار دولار لتمويل الحرب على إيران معارضة شديدة في الكونغرس الخميس الماضي، حيث شكك الديمقراطيون، وحتى بعض الجمهوريين، في الحاجة إلى هذه الأموال بعد المخصصات الضخمة التي قدمت للدفاع العام الماضي.
وجاء في تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» أن وزارة الدفاع طلبت من البيت الأبيض الموافقة على طلب موجه إلى الكونغرس بقيمة تزيد على 200 مليار دولار لتمويل الحرب على إيران. ولم يرسل الرئيس ترامب بعد طلباً إلى مجلس الشيوخ ومجلس النواب للموافقة على هذا المبلغ الضخم، وأوضحت إدارته أن الرقم قد يتغير.
جبهة لبنان
رغم الحشود الهائلة على الحدود اللبنانية، والحديث المستمر عن اجتياح إسرائيلي وشيك، فشلت قوات الاحتلال في تحقيق أي تقدم ميداني حيث تحوّلت قرى الحافة الأمامية إلى منطقة استنزاف للإسرائيليين تحت وطأة عمليات المقاومة التي تنوّعت بين التصدي البري، واستهداف مواقع الاحتلال وقواعده ومستعمراته في شمال فلسطين المحتلة، وصولاً إلى إطلاق صواريخ بعيدة المدى طالت حتى غلاف غزة جنوباً.
وفي أحدث المواجهات البرية، نفّذ المقاومون عمليات نوعية متتالية في بلدة الطيبة الجنوبية، حيث أعطبوا ست دبابات «ميركافا» معادية ضمن كمين محكم، إثر محاولة تقدّم نفذتها قوات الاحتلال باتجاه نهر الليطاني، فيما أقرت وسائل إعلام عبرية بوقوع «حدث أمني صعب» في جنوب لبنان، بينما تفرض الرقابة العسكرية حظراً مشدداً على نشر التفاصيل.
ولا يقتصر أداء المقاومة على الدفاع بالنار عند الحدود، بل يتعداه إلى تنفيذ دفاع نشط يطال عمق إسرائيل (حيفا، صفد، الجولان)، مكرّسة معادلة مفادها أن استباحة لبنان تقابلها استباحة لأمن الكيان وتحديداً المستوطنات الشمالية التي لا يزال يعيش فيها أقل من 15 بالمئة من السكان مقارنة بعشية اندلاع الحرب.
وبينما تجاوز عدد النازحين في لبنان عتبة مليون نسمة وأكثر من ألف شهيد من جراء الغارات اليومية على بيئة المقاومة في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، وصولاً إلى قلب بيروت، يبدو أن أهداف إسرائيل لم تعد تقتصر على إضعاف «حزب الله» عسكرياً، بل تتجاوز ذلك إلى محاولة تعميق الانقسامات الداخلية في لبنان، ودفع مؤسساته الرسمية إلى مواجهة مباشرة مع الحزب. وتكمن خطورة هذا المسار في أن أي ترجمة عملية له قد تنقل المواجهة إلى الداخل، وتفتح الباب أمام صراع أهلي.
وبينما اختارت حكومة لبنان المضي في مسار التفاوض المباشر مع دولة الاحتلال، سجّل رئيس الجمهورية جوزاف عون تراجعاً عن مواقفه السابقة، مبدياً حذراً واضحاً من انفجار الوضع الداخلي. فأكد تمسّكه بمبادرته لوقف الحرب، لكنه شدّد على ضرورة تأمين مظلة توافقية داخلية لها، قائلاً في مقابلة مع قناة «الحدث»: «أنا متمسك بمبادرتي، وحريص على التوافق الداخلي حولها قبل أي شيء».
وبحسب المراقبين، يرتبط هذا التحوّل بعاملين أساسيين. الأول، تمسّك رئيس البرلمان نبيه بري بموقفه الرافض لأي تفاوض قبل وقف إطلاق النار، وإصراره على اعتماد «لجنة الميكانيزم» كإطار للتفاوض، ما دفع عون إلى إدراك أن مبادرته ستواجه الفشل إذا أصر على تجاوز المكون الشيعي.
أما العامل الثاني، فيتصل بالتحذيرات التي تلقاها من قادة الأجهزة الأمنية وشخصيات سياسية، إضافة إلى زوار القصر الجمهوري، والتي أفادت بأن مواقفه الأخيرة أثارت «سخطاً واستياءً واسعَين لدى شريحة كبيرة من اللبنانيين، ولا سيما في البيئة الشيعية»، في وقت تستثمر فيه قوى سياسية معادية للمقاومة هذه المواقف لتفجير الوضع الداخلي بشكل يهدد العهد بالسقوط.







Leave a Reply