نبيل هيثم – «صدى الوطن»
يبدو واضحاً أن الجيش السوري وحلفاءه، مدعومين بسلاح الجو الروسي، على قاب قوسين أو أدنى من استعادة العاصمة الاقتصادية للبلاد، التي سقط شطرها الشرقي في أيدي المسلحين، بعد فترة قصيرة من بدء الأزمة السورية.
كل المؤشرات تشي بأن حسم معركة حلب لن ينتظر دخول الرئيس الجمهوري المنتخب للولايات المتحدة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، في مطلع العام 2017، فالتوقيت مثالي بالنسبة إلى الرئيس فلاديمير بوتين، في المرحلة الانتقالية الحساسة بين التسلم والتسليم، حيث لا مكان في أجندة باراك أوباما لمغامرات عسكرية غير محسوبة، على المشهد الإقليمي، أو على مسرح السياسة الدولية، ولا صلاحيات يملكها ترامب، المنشغل أصلاً في ترتيب البيت الداخلي الأميركي.
كل ذلك يؤكد أن ثمة قواعد اشتباك جديدة ستشهدها الحلبة السورية، حال استعادة الجيش السوري كامل الأحياء الشرقية من مدينة حلب، بعدما بات ما يقرب من نصفها تحت سيطرته المباشرة، والنصف الآخر تحت مرمى نيرانه.
ما بعد حلب
ومما لا شك فيه أن حسم معركة حلب سيسمح للرئيس بشار الأسد بالانتقال من مرحلة الدفاع – ليس بالمعنى العسكري فحسب وإنما بالمعنى الجيوسياسي – إلى مرحلة الهجوم، وفرض المعادلات، إذ ثمة قناعة راسخة لدى كافة الدوائر السياسية والعسكرية بأن السيطرة على حلب يعني، من الناحية العملية، فك الكثير من العقد التي كانت تكبّل النظام السوري، إن في ميدان المعارك أو في قاعات التفاوض.
ولا شك في أن معركة حلب أيضاً سيذكرها التاريخ العسكري كواحدة من أكثر المعارك تعقيداً في تاريخ النزاعات المسلحة. فهذه المعركة، التي تحمل بصمات المستشارين العسكريين الروس، تقارب في استراتيجيتها وتكتيكاتها، وحتى في نتائجها وتداعياتها، حرب الشيشان الثانية، ولا سيما معركتي غروزني وغوديرميز، اللتين أنهتا عملياً محاولات ضرب روسيا عبر الأدوات التكفيرية من بوابة القوقاز.
وبشهادة مراكز الدراسات الأميركية، فإن هجوم حلب قد تم التحضير له جيداً، وهو يظهر بوضوح، الاستراتيجية القائمة على إحداث جيوب أو عزل الخصم، تمهيداً لسحقه عبر قوة نارية كثيفة، من طيران ومدفعية، وهو تماماً ما قام به الجيش الروسي في حرب الشيشان الثانية.
وبموجب تكتيك القضم التدريجي، وعزل جيوب العدو، استكمل الجيش السوري وحلفاؤه المرحلة الأكثر صعوبة من عملية تحرير حلب، والمتمثلة بالسيطرة على الجزء الشمالي من أحياء حلب الشرقية، بعد إكمال تطويقها، حيث نجح الجيش السوري وحلفاؤه في غضون عشرة أيام في استعادة السيطرة على أحياء هنانو وجبل بدرو والصاخور والحيدرية وبعيدين وعين التل والهلّك وبستان الباشا، بالإضافة إلى محطة سليمان الحلبي، التي تعدّ المسؤولة عن ضخّ مياه الشرب إلى كل أحياء المدينة، فيما تتواصل العمليات لإنهاء ما تبقى من وجود المسلحين في الأحياء الجنوبية الشرقية.
بذلك، باتت كل القوى المعادية لسوريا تتعامل مع حلب على أنها ساقطة عسكرية في ايدي الجيش السوري، ما يعني أن السيطرة الكاملة على العاصمة الاقتصادية للبلاد ليست سوى مسألة وقت، إلا إذا حدث تدخل خارجي لتبديل الوضع القائم، علماً بأن لا مؤشرات جدية على تدخل كهذا، أو حتى على وجود خطة لتزويد المسلحين بأسلحة حساسة، ولا سيما تلك المضادة للطائرات.
هذا من الناحية العسكرية، أما من الناحية الجيوسياسية، فإن معركة حلب تبدو أقرب إلى معركة أكثر أهمية، فهي «معركة مصيرية وحاسمة بالنسبة لمستقبل سوريا والمنطقة كلها، وهو ما يجعلها تشبه، من حيث القيمة، معركة ستالينغراد الاسطورية»، والكلام هنا للمحلل السياسي الروسي البارز فلاديمير لبيخين، الذي يرى أن معركة حلب يمكن أن تغير الوضع الجيوسياسي في الشرق الأوسط والعالم، وهو ما دفع الرئيس الأسد نفسه إلى استخدام هذا التوصيف الستالينغرادي في برقية التهنئة التي وجهها إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في التاسع من أيار (مايو) الماضي بمناسبة «عيد النصر على الفاشية».
إذاً يدرك الجميع أن الانتصار الحلبي من شأنه أن يطوي الجزء الأكبر من الأزمة السورية، ويحوّل دمشق مجدداً ونهائياً الى مركز القرار، ويمنح الحل السياسي قاعدةً داخلية قوية وقد بدأت معالم هذا التحول في استمرار المصالحات في غوطة دمشق الغربية بخروج المسلحين من خان الشيح بعد داريا والمعضمية.
الميدان والسياسة
إن استعادة حلب ستشكل نقطة تحول في مسار الحرب في سوريا، اذ ستسمح للجيش السوري بالسيطرة على دمشق وحمص وحماة واللاذقية وحلب، أي المدن الخمس الكبرى. وقد تفتح السيطرة على مدينة حلب الطريق امام الحكومة السورية لاستعادة محافظة ادلب التي يسيطر عليها وبشكل شبه كامل، ائتلاف فصائل اسلامية في مقدمها جبهة «فتح الشام» («جبهة النصرة» سابقاً قبل فك ارتباطها المزعوم مع تنظيم «القاعدة»).
ومن الناحية السياسية، فسيكون النظام السوري قد أمسك بمفاتيح مفاوضات السلام المحتملة، بعد فشل ثلاث جولات حوار باشراف الأمم المتحدة، أي أن الوفد الرسمي السوري سيدخل قاعات الاجتماعات في جنيف أو غيرها من موقع قوة، ولن يكون لديه ميل كبير للرغبة في التفاوض، طالما أن المعطيات الميدانية، وحتى السياسية، تميل لمصلحته بشكل كبير.
وفي المقابل، فإن خسارة حلب تشكل تطوراً يتجاوز الانتكاسة، فيقترب من الهزيمة للفصائل المسلحة، فتأثير الدومينو في حلب، سيبعث برسالة إلى كل أرجاء البلاد بأن الدولة السورية جادة وقادرة على إسقاط كل معاقل المعارضة المسلحة من درعا وريف دمشق إلى إدلب، ومن ريفي حمص وحماة الى الرقة وديرالزور، لا سيما أن حلب تكتسب رمزية كبرى لدى الفصائل المعارضة منذ السيطرة عليها في العام 2012.
ومع الانجاز المنتظر بحسم معركة حلب، فإن ذلك يعني ان المعارضة لم تعد قادرة على تحقيق توازن ميداني على الصعيد العسكري مع الدولة السورية وحلفائها، كما يعني أنها فشلت في طرح نفسها كـ«بديل» عن نظام الرئيس بشار الأسد، فحلب التي كانت الأمل الأخير لـ«إقامة منطقة قابلة للاستمرار» بالنسبة لفصائل المعارضة، تكاد تصبح بيد الحكومة السورية لتسقط معها أحلام ومخططات إقليمية ودولية تصدى لها السوريون وحلفاؤهم بالغالي والرخيص.
ماذا عن الأكراد و«داعش» وتركيا.. وإسرائيل؟
ومع ذلك، فإن ثمة مطبات على الأرض لا بد من السلطات السورية التعامل معها بكثير من الحذر لاستعادة كامل سلطتها على أراضيها، والمقصود بذلك الأكراد، الذين يسمون شركاء اللحظة الأخيرة للنظام، والذين يتركز وجودهم في الشمال، حيث تجري عملية درع الفرات التركية، وبالتالي فإن التعقيدات اللاحقة للمعركة ستشمل من دون شك البحث في سبل التعامل مع المكوّن الكردي عبر آلية سياسية تسمح لهم بالشراكة الفعلية لا الظرفية.
ومن ناحية ثانية، فإن معركة حلب تحتم التعامل بشكل جديد في الصراع المفتوح ضد تنظيم «داعش»، الذي انحسر الى الرقة تحت ضربات القوى الكردية ومعها قوات «قسد»، بالإضافة الى القوات المدعومة من أنقرة الراغبة في السيطرة على مدينة الباب لحجز موقع لها في معركة تحرير الرقة وطاولة المفاوضات.
ولولا اتساع الغزو التركي للشمال السوري، وتحول الشرق السوري الى محور تحالف كردي–أميركي ومشروع فدرالي، وانتشار أربع قواعد أميركية على أطرافه، كان من الممكن أن تؤدي استعادة حلب إلى بداية العد التنازلي فوراً، للخروج من الأزمة في سوريا، لكن التعقيدات الداخلية والإقليمية ستفرض بطبيعة الحال رسم خطوط اشتباك جديدة، من شأنها أن تقود التحالف الروسي–السوري–الايراني إلى تحقيق النصر الكامل.
ولا شك في أن دمشق وموسكو استقبلتا بوضوح الحديث التركي المتجدد عن إسقاط الرئيس بشار الأسد، بوصفه رسالة مشفرة، مفادها: «نحن هنا… وعليكم التنسيق معنا بعد معركة حلب»، ولذلك لم تكن مفاجئة ردود الفعل الروسية العنيفة على ما قاله رجب طيب أردوغان في هذا الشأن، وهو ما أجبر القيادة التركية على احتواء الموقف، في اللقاء الذي عقده وزير خارجيتها مولود جاويش أوغلو ونظيره الروسي سيرغي لافروف، الذي صرحّ بعد اللقاء أن «لا تغيير في التفاهمات الروسية–التركية حيال سوريا».
وتدرك تركيا جيداً، بعد تجربة القطيعة المرّة مع روسيا، أن أي مغامرة غير محسوبة، ستدفع الكرملين إلى اعادة النظر في سياسة التقارب، التي سادت بعد المصالحة الشهيرة بين بوتين وأردوغان، ولا سيما أن سياسة التقارب تلك تتخذ منحى استراتيجياً على كافة المستويات السياسية والاقتصادية.
تركيا تلقت بوضوح الإشارة الميدانية التي وصلتها من الجيش السوري، بعدما تعرضت قواتها لقصف جوي، في واقعة هي الأولى من نوعها، منذ بدء عملية «درع الفرات» الهادفة الى إجهاض مشروع وصل الكانتونات الكردية في الشمال السوري.
وعلى خط آخر، فإن الغارة الإسرائيلية على طريق دمشق–بيروت بدت رسالة مباشرة مفادها أن إسرائيل معنية بما يجري في الشمال السوري، لا سيما أن تلك الغارة قد تزامنت مع تسريبات أمنية إسرائيلية مفادها أن الحرب في حلب لم تنته بعد، وأن السيطرة السورية على حلب تشكل نقطة تحول استراتيجي في المعركة كلها، لأن المدينة مهمة ليس فقط بسبب كبرها ومكانها الجغرافي الواقع على مفترق طرق حيوي بين سوريا وتركيا، بل لأن الانتصار فيها سيبدّل مسار الحرب السورية برمتها.
هي أيام الحسم الميداني التي ستفتح الطريق أمام تحديد أفق الحرب السورية لجهة تحديد قواعد الاشتباك هذه المرة من طرف واحد، ليصبح أمراً واقعاً على العنصر الغائب مؤقتاً من المعادلة، والمتمثل في الولايات المتحدة.
Leave a Reply