وليد مرمر
أقل ما يُقال عن الانتخابات النيابية أنها أظهرت انقسامات حادة لم يسبق لها مثيل في المشهد السياسي اللبناني منذ الاستقلال وحتى الآن. فحتى خلال الحرب الأهلية وفي عز تفاقم الأزمات كان الخطاب السياسي في معظمه خطابا توفيقياً مهدئاً غير فتنوي يدعو إلى الوحدة والحوار. بل ولم تنقطع خلال تلك السنوات قنوات الحوار والتواصل بين «الجبهة اللبنانية» المتمثلة بمعظم أحزاب اليمين المسيحي وقتئذ، وبين «الحركة الوطنية» وحركة «أمل»، رغم كل جولات الحروب المتفرقة بينهما.
وبالمقارنة مع الخطاب السياسي الذي يصدر بين الفينة والأخرى من فلول ما كان يعرف بـ«14 آذار» وتحديداً «القوات اللبنانية» وحلفائها من «التغييريين» سيما بعد الانتخابات، يعجب المرء من حدة المواقف المتأزمة و«الإلغائية» بالمعنى السياسي، والتي ترفض أي شكل من أشكال الحوار بين المكونات الرئيسة على أمل إيجاد حلول ناجعة للأزمات التي أرهقت الوطن والمواطنين. بل ويعمد هذا الخطاب التخويني إلى تصويب سهامه نحو طائفة برمتها عبر التشكيك بولاءات نوابها الـ27 الذين اختارتهم لتمثيلها في البرلمان واتهامهم بالتبعية لسوريا حيناً ولإيران أحياناً.
وبغض النظر عن تحليل نتائج الانتخابات واختلاف القراءات لها، فإن الشيء الثابت هو أنها كانت سبباً لتفاقم حدة الانشقاقات السياسية مما لا يبشر بقرب الفرج لشتى الأزمات التي يعاني منها لبنان. وهنا لا بد من الوقوف عند بعض الملاحظات الهامة التي تمخّضت عنها الانتخابات.
حقد سياسي
قلما شهد لبنان وجود تيار سياسي يحظى بالتأييد الشعبي من جنوبه إلى شماله مروراً بالجبل والساحل والبقاع مثل تيار «المستقبل». فلقد لامس عدد نواب هذا التيار الممتد على مساحة لبنان، 40 عضواً في أحسن حالاته و20 في أسوئها. وتاريخياً كانت العائلات التي توالت على رئاسة الوزراء كاليافي والصلح وسلام والحص وكرامي تحظى بالتفاف لبناني حولها ولكنها لم تكن ذات امتداد انتخابي يتعدى مناطق زعاماتها باستثناء حالة واحدة ليس لها مثيل وهي «تيار المستقبل». فقد كان باستطاعة الحريري الأب (ومن بعده الابن)، ترشيح نواب من الهرمل وعكار إلى صيدا والبقاع الغربي مروراً ببيروت والشوف وراشيا وزحلة وطرابلس والضنية… لقد حظي تيار «المستقبل» بغطاء سني على امتداد الوطن ليس له سابقة، وكان من الممكن استثمار ذلك انتخابياً إلى أبعد الحدود في الاستحقاق الأخير.
لكن الجلف والصلف والحقد على الحريري الابن، أعمى بصيرة ولي العهد السعودي فكان كمن يبقر بطنه ليطعن خصمه الممسك به من الخلف. هكذا كان القرار باغتيال للحريري الابن سياسياً ما أدى إلى تشرذم الصوت السني في الانتخابات الأخيرة.
وعقب فرز صناديق الاقتراع، لم يستطع أي مرشح الادعاء بوراثة تركة «المستقبل» ولو حتى بجزء وازن منها، بل توزعت الأصوات بين «8» و«14 آذار» بالتساوي تقريباً فضلاً عن «المستقلين» و«التغييريين».
أحصنة طروادة
بدا واضحاً أن انكفاء الحريري، بأمر سعودي كان من أهدافه تأمين إيصال أكبر عدد ممكن من «القواتيين» إلى سدة البرلمان، وذلك بعدما أصبح متعذراً الجمع بين سعد والقوات انتخابياً بعد افتراقهما سياسياً نتيجة الخيانة التي تعرض لها رئيس الحكومة الأسبق من سمير جعجع لدى احتجازه في مملكة آل سعود.
اقتضى المشروع السعودي إيجاد مرشحين سنة «تغييريين» يتحالفون سرا أو جهرا مع «القوات» و«الحزب التقدمي الاشتراكي» وفلول «14 آذار». وبالنتيجة تم رفد مرشحي «القوات» في جزين بآلاف الأصوات من الجماعة الإسلامية (الإخوان المسلمون)، وبالمقابل صوت «القواتيون» لمرشحي الجماعة الذين فاز منهم عماد الحوت في بيروت والذي أعلن منذ أيام قليلة رغبته بالتحالف مع أبرز الأصوات المستجدة ضد المقاومة، فؤاد مخزومي! وإذا لم يكن أمراً مستغرباً تحالف «القوات» مع «إخوان» لبنان بعد مقولة رئيسها الشهيرة «فليحكم الإخوان»، فإن تحالفها من دواعش ربطات العنق في طرابلس وعكار أشرف ريفي وخالد الضاهر ليس أمراً هجيناً هو الآخر لاجتماعهم على هدف واحد وهو مقارعة المقاومة وحلفائها.
وبدوره عمد وليد جنبلاط إلى استيعاب نبض الشارع التغييري فانهالت أصوات الاشتراكيين «التغييرية» بكثافة لصالح فراس حمدان في حاصبيا (منقلباً على تحالفه مع الثنائي) وحليمة القعقور في الشوف ومارك ضو في عاليه (في معركة غير معلنة مع طلال أرسلان).
هل أصيبت «8 آذار» بنكسة؟
الجواب المباشر، نعم ولكنها مجرد انتكاسة وليست هزيمة. فلقد استطاع المندوب السامي السعودي، السفير وليد البخاري، إيجاد تحالف سري بين «14 آذار» و«التغييريين» ضد قوى «8 آذار» التي منيت بتراجع ملحوظ في عدد مقاعدها، في ظل الإمكانيات المحدودة للمقاومة وحلفائها بمواجهة السعودية التي ضخت الأموال وجيّرت وسائل الإعلام لخدمة مآربها واستفادت من «البلوكات» الانتخابية الاغترابية التي نأت بنفسها عن التصويت لحلفاء المقاومة حفاظاً على أوضاعها في الخارج.
في المقابل، حاول «السياديون» مع «التغييريين»، تحقيق خرق واحد في المقاعد الشيعية، ولكن محاولاتهم ذهبت أدراج الرياح بتمكن ثنائي «أمل»–«حزب الله» من إيصال جميع مرشحيهم الشيعة إلى البرلمان. ولو استطاعت القوى المناهضة للمقاومة إنجاح أحد المرشحين الشيعة من خارج «الثنائي» –كما كان يراهن البعض– لكان ذلك المرشح، اليوم، يتصدر نشرات الأخبار وعناوين الصحف بوصفه المرشح المفضل لرئاسة مجلس النواب، بدلاً من نبيه بري.
استحقاقات
بعدما حسمت الإرداة الشعبية، معركة رئاسة المجلس النيابي قبل أن تبدأ، سيُفتح البازار السياسي عملياً حول اسم نائب رئيس المجلس. وفيما يبدو أن «التيار الوطني الحر» سيرشح بيار بو صعب أو جورج عطالله للمنصب، فالظاهر أن «القوات اللبنانية» ستعمد إلى ترشيح غسان حاصباني بينما سيسمي «التغييريون» ملحم خلف. وإذا لم يتم الاتفاق على تسوية بين الفرقاء فسيكون هذا الاستحقاق المطب الأول الذي سيواجه المجلس الجديد. وإذا ذهبت الأمور نحو المواجهة بالتصويت، فإن اسم الفائز والتحالفات التي ستفرزها المعركة، ستشكل مؤشراً حاسماً على من سيملك الكلمة الفصل في السنوات الأربع المقبلة داخل البرلمان.
أما مسار التكليف والتأليف الحكومي، فهو الآخر سيكون مليئاً بالعراقيل والصعوبات لناحية التوافق على اسم رئيس الوزراء المقبل، بل قد يكون من المستحيلات التفاهم على شخصية تحظى برضى المكونات الأساسية، لذا فإن كل المعطيات تشير الى أن حكومة تصريف الأعمال يرئاسة نجيب ميقاتي ستكون الأوفر حظاً للاستمرار إلى حين الاستحقاق الرئاسي، بل وربما إلى ما بعده إذا لم يتم التوافق على اسم لرئيس الجمهورية المقبل أيضاً.
وفيما لامس سعر صرف الدولار الأميركي عتبة 40 ألف ليرة ليلة الخميس الماضي، ومع تتابع الانهيارات على كافة المستويات، يبدو أن الهم الأول لبعض الأفرقاء سيظل اختلاق العناوين الأيديولوجية الفضفاضة، مُسَعّرين حدة التجاذبات السياسية، غير آبهين بمشاكل الناس الحياتية، رافضين للحوار والتلاقي من أجل مصلحة الوطن، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
Walidmarmar@gmail.com
Leave a Reply