منذ تأسيسها قبل أكثر من ثلاثة عقود، هذه هي المرة الأولى التي تحجم فيها «صدى الوطن» عن دعم مرشح للرئاسة الأميركية، إذ لم يعد سراً أن الناخبين الأميركيين يواجهون -وعلى نحو غير مسبوق- خيارين، أحلاهما مرّ، بين الجمهوري دونالد ترامب والديمقراطية هيلاري كلينتون اللذين تتحفظ عليهما قطاعات واسعة من الشعب الأميركي رغم مصيرية المعركة الرئاسية المرتقبة وانعكاساتها المتوقعة على مستقبل الولايات المتحدة.
ترامب رغم الشعبية الجارفة التي يتمتع بها في أوساط الأميركيين البيض، يبقى بنظر الكثيرين غير لائق لمنصب الرئيس، وتنقصه الحكمة والخبرة السياسية لقيادة أقوى دولة في العالم، فيما تشكل منافسته كلينتون مثالاً على فساد الطبقة السياسية التي كانت على الدوام تنافق وتتوسل رضا المجموعات المتنفذة وأصحاب المصالح الذين لا يعيرون أي اهتمام لتطلعات الأميركيين.
وإذا كان وصول الملياردير النيويوركي إلى البيت الأبيض يبدو بمثابة كابوس مؤرق لكثير من الأميركيين، وفي مقدمتهم مجتمعات الأقليات من المهاجرين والعرب والمسلمين، الذين يتخوفون من تصاعد المشاعر المعادية للأجانب في البلاد، إلا أن البعض منهم مستعدون للمراهنة على وعود ترامب بالتخلص من الفساد السياسي، وعدم منح أصواتهم لكلينتون بسبب سجلها البائس كوزيرة للخارجية الأميركية حيث لا تزال المنطقة العربية تتخبط بالإرهاب نتيجة السياسات التي انتهجتها خلال خدمتها في إدارة الرئيس باراك أوباما.
كما أن سيرة كلينتون كسناتور في مجلس الشيوخ الأميركي ليست ناصعة، فقد كانت داعمة لغزو العراق عام 2003 كما أيّدت كوزيرة للخارجية تدخل حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ليبيا التي لا تزال تعاني من الإرهاب بعد أكثر من خمس سنوات على وعود الديمقراطية التي قُدمت قبل الإطاحة بنظام معمر القذافي.
كلينتون التي تصرّ الى اليوم على إقامة منطقة حظر جوي في شمال سوريا رغم مخاطر اندلاع مواجهة عسكرية مع روسيا، مسؤولة بطريقة أو بأخرى عن تنامي تنظيم «داعش» الإرهابي الأخطر في التاريخ الحديث.
وفي ما يخص الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فإن تصريحات كلينتون المتكررة في دعم إسرائيل تدعونا إلى التشكيك بحقيقة موقفها حول حل الدولتين الذي تدعي أنها تدعمه، دون تقديم دلائل على ذلك حتى الآن، فضلاً عن أنها تتغافل وتحجم عن إدانة توسع المستوطنات الإسرائيلية وتمددها داخل الأراضي الفلسطينية، إلا من خلال إشارات ضمنية خفية لا تغني ولا تسمن من جوع. وقد كشفت وثائق «ويكيليكس» الأخيرة أن كلينتون تفضل سلاماً وهمياً بين الفلسطينيين والإسرائيليين بدل الإبقاء على حالة الجمود القائمة في المفاوضات.
وقد قالت كلينتون في مقال نشر على موقع «فورورد.كوم» العام الماضي إنها تدافع عن إسرائيل وتحمي الدولة العبرية من مجرد الانتقاد، معتبرة ذلك بمثابة «التزام شخصي». وعندما تعرضت للضغط من قبل منافسها في الانتخابات التمهيدية بيرني ساندرز رفضت كلينتون الاعتراف بأن إسرائيل لجأت إلى استخدام القوة المفرطة في حربها ضد قطاع غزة عام 2014.
لا شك أننا نتفق مع كلينتون بشأن بعض القضايا الداخلية مثل إصلاح قوانين الهجرة ورفع الحد الأدنى للأجور وتمكين الأميركيين من التعليم الجامعي من خلال إعادة جدولة الديون الطلابية وهو ما من شأنه أن ينعش الاقتصاد، إلا أن العديد من مواقفها تشير الى أنها ستكون استمراراً لعهد الرئيس باراك أوباما بغض النظر عن مساوئه وفي مقدمتها قانون «أوباماكير» للرعاية الصحية الذي يلقى معارضة واسعة بين الأميركيين بسبب الارتفاع المضطرد في أقساط التأمين الى جانب تراجع الخدمات الطبية في البلاد.
وفي ما يخص الإسلاموفوبيا، فإن موقف المرشحة الديمقراطية المندد بهذه الظاهرة يستحق الشكر والامتنان، ولكن تصريحاتها المتصلة بهذا الشأن تعزز عن غير قصد التطابق بين المسلمين وبين الإرهاب، فقد وصفت خلال المناظرة الرئاسية الأخيرة المجتمعات الإسلامية بأنها «الجبهة المتقدمة لتحديد ومنع وقوع الهجمات الإرهابية».
تجدر الإشارة إلى أن حملة كلينتون قد بذلت جهوداً مكثفة لحشد تأييد لها في الجالية العربية في ولاية ميشيغن وعلى المستوى الوطني، كما أن حملتها وظفت عدداً من النشطاء العرب والمسلمين لهذا الغرض، ولكن الحملة فشلت في مقاربة القضايا الأساسية التي تهم العرب الأميركيين الذين يتعرض الكثير منهم إلى المضايقات على المعابر والمنافذ الحدودية وفي المطارات، كما أن الآلاف منهم موضوعون على «قائمة حظر السفر جواً»، ولقد حاولنا في «صدى الوطن» التواصل مع مسؤولي حملة كلينتون لمعرفة موقفها من هذه المسائل، ولم نتلق أية إجابات مقنعة حولها، خلا بعض الوعود الشفهية والمماطلات التي لا تقدم ولا تؤخر.
أما ترامب، فهو يبدو للكثيرين بأنه الخيار الرئاسي الأكثر كارثية بالنسبة للمجتمع الاميركي، فيما يعتبره آخرون مرشح التغيير والانقلاب على فساد الطبقة السياسية المتحكمة في البلاد منذ عقود طويلة.
غير أن مقترح مرشح الحزب الجمهوري لحظر دخول المسلمين إلى البلاد، يعتبر خطأ لا يغتفر لرجل يطمح لرئاسة الولايات المتحدة، ورغم تعديل اقتراحه حول هذا الامر، إلا ان خطته بترحيل المهاجرين غير الشرعيين تبدو غير عملية وغير إنسانية وسوف يكون لها تأثيرات سلبية على البلاد.
وعلى الرغم من أن شكواه الدائمة حول التجارة تبدو مشروعة، إلا أن الحلول التي يقترحها تبدو تبسيطية للغاية، ولا يمكن تطبيقها بسهولة، فإلغاء الصفقات التجارية القائمة لن يكون بالأمر السهل، كما أن التعديلات الاقتصادية الجذرية التي يقترحها قد يكون لها تبعات كارثية على البلاد.
في ظل هذه الظروف التي يظهر فيها الكثيرون غير راضين عن مرشحي كلا الحزبين، قامت بعض الصحف الأميركية بدعم المرشح غاري جونسون، الذي توصف حملته الانتخابية بـ«لحظة حلب»، في إشارة إلى أنه لا يعرف ما إسم المدينة السورية التي دمرتها الحرب. وتهدد طروحات جونسون بشأن تقليص الحكومة الفدرالية بشل المجتمع الأميركي، وتعطيل حياة ملايين الناس الذين يعتمدون على البرامج الحكومية في جميع أنحاء البلاد.
وأما مرشحة حزب الخضر جيل ستاين فهي تطرح بعض الأفكار التقدمية، ومع ذلك فإن نتائج الاستطلاعات تظهر أنها لا تستقطب أكثر من 3 بالمئة من الناخبين.
في هذه الانتخابات تبدو الولايات المتحدة أمام مفترق طرق خطير، وسط مرشحين يقفون على طرفي نقيض، ولهذا فقد أحجمت «صدى الوطن» عن دعم أي منهما، ولكن لا يعني أننا ندعو العرب الأميركيين إلى الإحجام على التصويت في هذه الانتخابات التاريخية التي سترسم مستقبل البلاد لسنوات قادمة.
وفي السباقات الأخرى التي ستقام خلال انتخابات الثامن من تشرين الثاني (نوفمبر)، تتبنى «صدى الوطن» دعم ٢٧ مرشحاً لمناصب تنفيذية وتشريعية وقضائية وتربوية على المستوى الوطني والمحلي (المدن والمقاطعات والولاية)، وتتطابق قائمة المرشحين المدعومين من «صدى الوطن» مع قائمة اللجنة العربية الأميركية للعمل السياسي (أيباك)، باستثناء سباقي محكمة مقاطعة وين (المحكمة ٣) ومجلس ديربورن التربوي، ومحكمة مدينة ديربورن (المحكمة ١٩)،
حيث قررت «صدى الوطن» دعم ترشيح المحامي جين هانت لخلافة القاضي المتقاعد وليام هالتغرين، وذلك انطلاقاً من كونه المرشح الأكثر تأهيلاً وكفاءة لشغل هذا المعقد القضائي في المحكمة الـ19، في حين امتنعت «أيباك» عن دعم أي من المرشحين.
وقد بينت نتائج الانتخابات التمهيدية مدى القبول الواسع الذي يتمتع به هانت في مدينة ديربورن، فقد حاز على أكثر من 50 بالمئة من أصوات الناخبين في المدينة، ولا تعتبر هذه النتيجة مفاجئة عند النظر إلى تاريخ المحامي الذي بدأ مسيرته المهنية في ديربورن قبل ثلاثة عقود، ترافع خلالها عن أكثر من 10 آلاف قضية، وكان أكثر من نصف موكليه فيها من العرب الأميركيين غير القادرين على تكليف محام خاص للدفاع عنهم.
كما تدعم «صدى الوطن» في سباق مجلس ديربورن التربوي كل من العضو الحالية فدوى حمود والعضو السابق في المجلس التربوي حسين بري، في حين اكتفت «أيباك» بدعم حمود.
وفي سباق محكمة مقاطعة وين (المحكمة ٣)، تتبنى «صدى الوطن» دعم محافظ المقاطعة السابق روبرت فيكانو، الى جانب كل من براين مورو وميليسا كوكس وريدجينا توماس.
الى حين حلول موعد الانتخابات، ندعوكم الى مراجعة سير المرشحين المدعومين (ص ٥-٨)، والادلاء بأصواتكم بكثافة يوم الاقتراع.
أصواتكم مهمّة..
Leave a Reply