ترامب يحتفل بالأول من نيسان
محمد العزير
حسناً فعل الرئيس دونالد ترامب باختياره يوم الأول من نيسان (أبريل)، اليوم العالمي للكذب، ليطل على الشعب الأميركي من البيت الأبيض متحدثاً عن الحرب التي يخوضها على إيران، بالتكافل والتضامن مع إسرائيل بقيادة الفاشي بنيامين نتنياهو. الكذب في قاموس ترامب ليس عيباً ولا عبئاً، بل وسيلة، والغاية تبرر الوسيلة، فماذا يكون الحال إذا كانت الوسيلة متأصلة في النفس وكأنها طبع لا تطبع.
ليس الكذب وحده من طبائع الرئيس المدان بجرائم الاحتيال، فإليه يتوازى التلفيق والتهويل والتسطيح ومدح الذات، ومعه تخجل النرجسية والغرور والأنانية، ليرتسم المصاب الذي حلّ بأميركا عشية احتفالها بذكرى استقلالها الـ250، والذي ينذر بعودة غير محمودة إلى ما قبل 1776، والى شخصيات أحطّ من جورج الثالث ملك بريطانيا في حينه.
شاعت تكهنات كثيرة عندما أعلن ترامب أنه سيخاطب الأمة، بين قائل بأنه سيعلن عن اتفاق مبدئي لوقف الحرب، إلى متوقع لإعلان انسحاب أميركي أحادي، إلى متحمّس لإعلان النصر، وصولاً إلى مترقّب لحدث صادم مثل التمكّن من العثور على اليورانيوم المخصب بدرجة عالية في ايران وإخراجه منها… لكن أمل كل هؤلاء، وكل الذين قرروا أن يحضروا خطاب ترامب، خاب، لأن ترامب أراد أن يثرثر، ولأنه رئيس أميركا تكون لثرثرته مكانة مرموقة في الأخبار والتغطيات، مع أن ذلك لا يقدم ولا يؤخر في الحياة اليومية لأميركيين أوصلوه إلى الرئاسة مرتين، وما زالوا مستعدين لدعمه، لا لسبب منطقي، بل لأنه أوقظ فيهم عواطف بدائية تبدو أنها أقرب إلى نفوسهم من المدنية المتعبة.
قاموس ترامب اللغوي ضحل وبائس، وهو ما يناسب نظرته للأمور. يحب ترامب الأشياء اللامعة لذلك يطلي كل شيء يمكنه بلون الذهب الأصفر، وحتى في شخصه يصبغ شعره بالأشقر الفاتح ويصبغ وجهه بلون برتقالي عجيب ولا يرى في ذلك معضلة، وهو في خطابه ميّال إلى التعابير البسيطة ذات الصدى الكبير، «لا أحد رأى لذلك مثيلاً من قبل»، «المرة الأولى على الإطلاق»، «لم يسبق ذلك أبداً»، «الأفضل إطلاقاً»، وهذه عبارات يكررها أكثر من مرة في خطاب واحد للتأكيد على ما يريد قوله، وهو ما فعله وهو يخاطب الأمة في عيد الكذب.
استهل ترامب خطابه بالقول: «حققت قواتنا المسلحة خلال الأسابيع الأربعة الماضية انتصارات سريعة وحاسمة وواضحة وساحقة على أرض المعركة، قليل من الناس رأوا مثل هذه الإنتصارات من قبل. لم يفند ترامب الانتصارات ولم يفصلّها، بل استرسل بالقول: «الليلة سلاح البحرية الإيراني انتهى، وسلاح الجو في حالة خراب ومعظم الذين قادوا النظام هم اليوم قتلى وقيادة الحرس الثوري أبيدت». إذاً لماذا أنت هناك بعد هزيمتهم؟ وفي تأكيده الأبله يقول: «لم يسبق في تاريخ البشرية أن عدواً لحقت به أضرار جسيمة وواسعة النطاق على هذا النحو خلال أسابيع».
وفي جملة ملتبسة، قال ترامب أن «أعداءنا يخسرون في أميركا كما حصل لخمس سنوات» من حكمه، وسارع إلى التذكير بغزوة كراكاس، شاكراً قواته التي أخذت فنزويلا خلال دقائق «مما أثار احترام العالم أجمع».
وامتدح ترامب نفسه للدور الذي لعبه فيما أسماه إعادة بناء القوات المسلحة في ولايته الأولى حين «أصبح لدينا أقوى جيش في العالم». ليقول بلا تناسق «الآن نعمل مع فنزويلا كشركاء في مشروع مشترك، وننسجم مع بعضنا بشكل رائع للغاية في إنتاج وتوزيع كميات هائلة من النفط من ثاني أكبر احتياط نفطي في العالم بعد الولايات المتحدة. هنا، طبعاً، يكذب لأن البنية التحتية المتهالكة في فنزويلا لا تسمح بإنتاج أية كميات مهمة في الوقت الحالي.
وفي معرض شرحه لأسباب الحرب على إيران أعاد ترامب التذكير بوعده الانتخابي يوم ترشح للرئاسة عام 2015، حين تعهد بعدم السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي. وقال إن النظام الإيراني يردّد منذ 47 عاماً شعار «الموت لأميركا الموت لإسرائيل». كما كرر ما أورده في خطاب الإعلان عن الحرب في اليوم الأخير من شباط (فبراير) الماضي، عن تنفيذ وكلاء إيران للهجمات على القواعد والأهداف الأميركية في لبنان والعراق واليمن وصولاً إلى عملية السابع من أكتوبر في غزة (التي لم يرَ الناس مثلها قط).
وادعى أن النظام الإيراني «المجرم» قتل 45 ألفاً من المدنيين خلال المواجهات الأخيرة في شوارع المدن الإيرانية، دون ذكر مصدر المعلومة. وأردف: «لذلك فإن حصول هؤلاء الإرهابيين على السلاح النووي سيكون خطراً لا يمكن التسامح معه». وتباهى باغتياله لقائد «فيلق القدس» في الحرس الثوري الجنرال قاسم سليماني (2020) الذي وصفه بأنه «عبقري شرير» و«أبو العبوات الناسفة»، وقال: «لو بقي على قيد الحياة لكنا نخوض نقاشاً مختلفاً الليلة».
كما ذكّر بأنه ألغى الاتفاق النووي الذي أبرمه «باراك حسين أوباما» والذي كان «كارثة». وادعى أن أوباما أرسل للإيرانيين 1.7 مليار دولار نقداً، متذمراً: «لقد أخذ هذا المبلغ من المصارف في فرجينيا وواشنطن العاصمة وماريلاند، أخذ كل ما لديهم من مال وأرسله إلى إيران بالطائرات ليشتري احترامهم وولاءهم لكن ذلك لم يحصل لأنهم ضحكوا على رئيسنا وواصلوا مهمتهم للحصول على سلاح نووي». وهذا كلام برمته غير مثبت لأن المبلغ الذي تم الإفراج عنه كان 600 مليون دولار، وكان من الأصول الإيرانية المجمدة في أميركا منذ 1979. وزيادة في التهويل قال ترامب: «لو بقي ذلك الاتفاق لكان لدى إيران ترسانة نووية هائلة منذ سنوات ولكان بإمكانهم استخدامها، وكان العالم سيكون مختلفاً عندها وبرأيي عندما لا يكون هناك شرق أوسط ولا إسرائيل!».
وهنّأ ترامب نفسه قائلاً: «أنا فخور بإلغاء الاتفاق وقد فعلت ما لم يفعله أي رئيس آخر فهم ارتكبوا الأخطاء وكان عليّ أن أصححها». كما تطرق إلى حرب حزيران العام الماضي وعملية «مطرقة منتصف الليل» (التي لم ير أحد مثلها على الإطلاق)، «حيث دمرت قاذفات «بي 52» «الجميلة»، المواقع النووية، لكن النظام سعى إلى إعادة بناء برنامجه النووي في مواقع أخرى ليوضحوا أنهم ليست لديهم النية للتخلي عن السعي لسلاح نووي، كذلك كانوا يعملون بسرعة على إنتاج مخزون كبير من الصواريخ الباليستية التقليدية وكان يمكنهم قريباً إنتاج صواريخ تطال أميركا وكل أوروبا وكل أنحاء العالم، وكانوا على عتبة إنتاج سلاح نووي لم ير أحد مثله في العالم!».
وبعد لأيٍ، حدّد ترامب أهداف الحرب في تفكيك قدرة النظام على تهديد أميركا، أو استخدام قوته خارج حدود إيران، من خلال تدمير البحرية والطيران والصواريخ وقاعدة الإنتاج الحربي، وأن الأهداف الرئيسية للحملة شارفت على الانتهاء، لكنه في الوقت نفسه أشار إلى أن الأمر يحتاج إلى المزيد من الغارات لأسبوعين أو ثلاثة! دون أن يقول ما هو الممكن تحقيقه خلال تلك الفترة سوى «إعادتهم إلى العصر الحجري حيث ينتمون». وعندما أشار إلى ارتفاع أسعار المحروقات، حمّل إيران المسؤولية لأنها أغلقت مضيق هرمز دون أن تكون له علاقة بأي شيء، كيف يمكن لجملة كهذه أن تقال؟ هل يعتقد الرئيس المدلل أن إيران ستترك حرية الملاحة في مضيق هرمز دون إزعاج وهو يتهمها بنية تدمير العالم؟
وعندما وصل ترامب إلى الشق الداخلي من الخطاب امتشق الكذب سيفاً وقال: «لقد بنينا أقوى اقتصاد في التاريخ خلال سنة واحدة… أخذنا بلداً ميتاً من الإدارة السابقة وحولناه إلى أكثر بقعة ازدهاراً في العالم، لا تضخم، واستثمارات قياسية قادمة الينا بقيمة 18 تريليون دولار، وأعلى سوق أسهم على الإطلاق. تحت قيادتي نحن الآن البلد الأكثر إنتاجاً للنفط في العالم…ننتج أكثر من السعودية وروسيا مجتمعتين.
أولاً الاقتصاد الأميركي وحتى قبل الحرب على إيران، يعاني، فالبطالة مستفحلة والتضخم غير مقيد والناس يعانون من تزايد الأسعار، وفي هذه الحال سوق الأسهم، والتي تضررت بسبب الحرب ليست المقياس، ثم أن أميركا لا تنتج من النفط أكثر من السعودية وروسيا، كما أنها أصبحت أكبر منتج للنفط في عهد أوباما أيضاً.
وفي حركة مكشوفة يتنصل ترامب من تعهده بفتح مضيق هرمز بالقوة ويحيله إلى غيره قائلاً: «على الدول التي تحتاج النفط عن طريق مضيق هرمز الاهتمام بهذا المعبر، عليهم حماية مرور النفط، نحن سنساعد لكن عليهم أن يتولوا القيادة، هذا الأمر سهل الآن بعد أن قضينا على القوة الإيرانية. ونصح تلك الدول بأن تشتري النفط من أميركا أو أن تمتلك الشجاعة ولو متأخرة وتذهب إلى المضيق وتأخذه وتحميه.
إذا كان الأمر كذلك فلماذا لا يقوم ترامب بالمهمة ويحقق الإعجاب العالمي غير المنقوص؟
يؤدي ترامب دور الرئاسة في أميركا وكأنه نجم في تلفزيون الواقع، لكن الفارق بين ولايته الأولى وولايته الثانية واضح، ففي الأولى، كان ضيوف البيت الأبيض أمثال كيم كاردشيان وبعلها السابق كانييه وست وصانع المخدات مايك ليندل ونجم الغناء العنصري كيد روك، أما اليوم فالخوف يخيم على واشنطن من رئيس تعميه نرجسيته عما هي أميركا أصلاً. أميركا التي نشأت، رغم كل شوائبها، لتكون وعداً لإنسانية تقوم على مبادئ العدل والحرية وتقرير المصير.







Leave a Reply