مخاوف من ارتفاع الأسعار على المستهلك الأميركي .. وتحذيرات من «تسونامي» يضرب الاقتصاد العالمي
واشنطن
تحت عنوان «لنجعل أميركا ثرية مجدداً»، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في خطاب بالبيت الأبيض يوم الأربعاء الماضي، فرض رسوم جمركية على الواردات إلى الولايات المتحدة من مختلف دول العالم وفقاً لقاعدة المعاملة بالمثل، مؤكداً أن سياساته ستنعش الصناعة المحلية وتخلق ملايين الوظائف.
ووصف ترامب يوم الثاني من نيسان (أبريل) 2025 بأنه «يوم تحرير الاقتصاد» و«أحد أهم الأيام في التاريخ الأميركي»، رغم المخاوف المحلية والدولية من ارتفاع الأسعار وإثارة حروب تجارية.
وقال ترامب في كلمته بـ«حديقة الورود» إن الولايات المتحدة «تتعرض للسلب والنهب» من جانب الدول الأخرى «منذ عقود»، مما أدى إلى فقدان ملايين الوظائف وإغلاق عشرات آلاف المصانع الأميركية، موضحاً أنه لا يلوم البلدان الأخرى التي فرضت رسوماً جمركية باهظة على الصادرات الأميركية، وإنما اللوم يقع على الإدارات الأميركية المتعاقبة التي سمحت بحدوث ذلك دون أن تحرك ساكناً.
وتنفيذاً لتعهده بإطلاق «العصر الذهبي» للولايات المتحدة، وقّع ترامب «أمراً تنفيذياً تاريخياً بفرض رسوم جمركية متبادلة على (الواردات من) دول العالم». وأضاف أنّ «الرسوم المتبادلة تعني: ما يفعلونه بنا نفعله بهم. إنه أمر بسيط للغاية. ولا يمكن أن يكون أبسط من ذلك».
وفي خطابه المطوّل الذي حضره سياسيون ومسؤولون حكوميون وعمال أميركيون، وصف ترامب قراره بأنه «إعلان استقلال اقتصادي» للولايات المتحدة، منتقداً سائر شركاء بلاده التجاريين «الخصوم والأصدقاء»، معتبرا أنّهم استغلوا الولايات المتحدة اقتصادياً.
وقال ترامب «على مدى سنوات طويلة اضطر المواطنون الأميركيون الذين يعملون بجد للبقاء على الهامش، في الوقت الذي تزداد فيه الدول الأخرى ثراء وقوة، وأغلبه على حسابنا. لكن الآن حان دورنا في الازدهار».
وخلال كلمته، عرض ترامب لوحة كبيرة تضمنت قائمة بنسب التعريفات الجمركية على بعض البلدان المشمولة بـ«الرسوم المتبادلة»، موضحاً أنه اكتفى بفرض رسوم تعادل تقريباً، نصف الرسوم التي تفرضها البلدان على الصادرات الأميركية، وذلك «لأننا لطيفون».
وأشار إلى أن سياسته ستزيد النمو الأميركي،، داعياً الزعماء الأجانب إلى إلغاء الرسوم الجمركية على المنتجات الأميركية، مؤكداً في الوقت نفسه أن إدارته «ستحاسب الدول التي تعاملنا بشكل سيء»، بما في ذلك العوائق غير النقدية والتلاعب بقيمة العملة.
وتتضمن الرسوم فرض تعريفات جمركية أساسية بنسبة 10 بالمئة على الواردات من جميع بلدان العالم، تضاف إليه رسوم أخرى على الدول بما يتناسب مع الرسوم التي تفرضها تلك البلدان على الصادرات الأميركية.
وأعلن ترامب رسوماً بقيمة 34 بالمئة على الصين التي تفرض رسوم تصل إلى 67 بالمئة على الصادرات الأميركية، و20 بالمئة على الاتحاد الأوروبي الذي يفرض رسوماً بنسبة 49 بالمئة على البضائع الأميركية.
وكشف أنه سيتم فرض رسوم جمركية بنسبة 46 بالمئة على الواردات من فيتنام، و30 بالمئة على جنوب أفريقيا، و31 بالمئة على سويسرا، و32 بالمئة على كل من تايوان وإندونيسيا، و49 بالمئة على كمبوديا، و24 بالمئة على اليابان. و25 بالمئة على كوريا الجنوبية و26 بالمئة على الهند.
واكتفى ترامب بفرض الحد الأدنى (10 بالمئة) على الواردات من كل من بريطانيا وسنغافورة والبرازيل، وهي أقل نسبة جمركية.
أما الدول العربية التي وردت في قائمة «الرسوم الجمركية المتبادلة» فتشمل كلا من الإمارات العربية المتحدة ومصر والمغرب والسعودية ولبنان واليمن بنسبة (10 بالمئة مقابل 10 بالمئة تفرضها تلك البلدان على الصادرات الأميركية، بالإضافة إلى تونس (28 بالمئة مقابل 55 بالمئة)، والأردن (20 بالمئة مقابل 40 بالمئة) والجزائر (30 بالمئة مقابل 59 بالمئة)، وسوريا (41 بالمئة مقابل 81 بالمئة).
كذلك، تواجه كندا والمكسيك، أكبر شريكين تجاريين للولايات المتحدة، بالفعل رسوماً جمركية بنسبة 25 بالمئة على العديد من السلع.
وإلى جانب «الرسوم المتبادلة»، أعلن ترامب أيضاً، فرض رسوم بنسبة 25 بالمئة على السيارات المستوردة، بالإضافة إلى رسوم بنسبة مماثلة كان قد فرضها سابقاً على جميع واردات الصلب والألمنيوم.
وأفاد البيت الأبيض في بيان لاحق، بأنّ الرسوم الجمركية الجديدة التي فرضها ترامب على واردات بلاده من دول العالم ستدخل حيّز التنفيذ على مرحلتين يومي 5 و9 أبريل الجاري. وقال مسؤول في البيت الأبيض للصحافيين إنّ الرسوم الجديدة ستدخل حيّز التنفيذ كالآتي: في 5 أبريل للتعريفة الأساسية البالغة نسبتها 10 بالمئة، على أن يبدأ تطبيق الرسوم الإضافية التي تزيد عن هذا الحدّ في 9 أبريل.
كما أشارت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، إلى أن من يصنع منتجاته في الولايات المتحدة «لن يدفع رسوماً».
ومن المتوقع أن يرد الشركاء التجاريون بتدابير مضادة قد تؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار كل شيء من الدراجات إلى النبيذ. وحذر خبراء اقتصاد من أن الرسوم قد تبطئ الاقتصاد العالمي، وتعزز احتمالات الركود، وتزيد تكاليف المعيشة للأسرة الأميركية العادية بآلاف الدولارات.
رسوم على السيارات المستوردة
يوم الخميس الماضي، وبعد ساعات من الإعلان عن «التعريفات المتبادلة»، دخلت الرسوم الجمركية على السيارات المستوردة إلى الولايات المتحدة، حيز التنفيذ، ما من شأنه تأجيج التوترات التجارية مع شركاء رئيسيين للبلاد وسط مخاوف متزايدة من ارتفاع أسعار السيارات الجديدة والمستعملة على حد سواء، يقابله تفاؤل بتحريك عجلة الإنتاج في مصانع السيارات وقطعها داخل الولايات المتحدة.
وبدأت السيارات المصنعة خارج الولايات المتحدة تخضع لرسوم إضافية نسبتها 25 بالمئة، فيما يمثل ضربة قاسية للصناعة العالمية، فيما ستدخل رسوم جمركية مماثلة على قطع الغيار حيز التنفيذ الشهر المقبل، ما سينعكس أيضاً على أسعار السيارات المستعملة.
وأظهر تحليل أجرته «رويترز» أن رسوم ترامب على السيارات المستوردة، يشمل واردات مركبات وقطع غيار سيارات تتجاوز قيمتها 460 مليار دولار سنوياً.
وتضمن تحديث إعلان ترامب بشأن الرسوم الجمركية على السيارات ما يقرب من 150 فئة من أجزاء السيارات التي ستفرض عليها الرسوم الجمركية اعتباراً من الثالث من أيار (مايو) القادم. وتشمل الرسوم، المحركات وناقلات الحركة وحواسيب السيارات وبطاريات الليثيوم أيون والمكونات الرئيسية الأخرى إلى جانب أجزاء أقل تكلفة، بما في ذلك الإطارات وأجزاء امتصاص الصدمات وأسلاك شمعات الاحتراق وخراطيم الفرامل.
وفي رد فوري، صرح رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يوم الخميس الماضي بأن كندا ستُعادل رسوم ترامب الجمركية البالغة 25 بالمئة على السيارات المصنوعة في كندا برسوم مماثلة على المركبات المستوردة من الولايات المتحدة. وأضاف كارني أن كندا لن تفرض رسوماً جمركية على قطع غيار السيارات كما فعل ترامب، «لأن الكنديين يدركون فوائد قطاع السيارات المتكامل، حيث يمكن للقطع أن تنتقل ذهاباً وإياباً عبر الحدود عدة مرات قبل أن يتم تجميعها بالكامل في أونتاريو أو ميشيغن».
تسونامي اقتصادي
في حين يأمل ترامب بأن تساهم رسومه الجمركية في تنشيط الإنتاج المحلي وضخ مئات مليارات الدولارات سنوياً في خزينة الدولة، تزداد المخاوف –في المقابل– من حرب تجارية عالمية مع توجه بعض البلدان لاتخاذ تدابير انتقامية، فضلاً عن حالة الفوضى وارتفاع الأسعار، لاسيما مع عدم منح الشركات مهلة كافية لتعديل سلاسل التوريد الخاصة بها،.
ويحذّر الخبراء من أن رسوم ترامب ستضعف قوة الاقتصاد العالمي الذي تعافى بالكاد من ارتفاع التضخم بعد الجائحة، والمثقل بالديون، والذي يواجه مخاطر الصراعات الجيوسياسية، وستتضح آثارها في الأشهر المقبلة من ارتفاع الأسعار على آلاف السلع التي يشتريها ويبيعها المستهلكون والشركات حول العالم.
وعلى إثر الإعلان عن خطة ترامب، تراجعت أسعار الذهب والنفط، وانخفضت عوائد سندات الخزانة الأميركية والدولار، كما تعرضت الأسهم لضغوط حادة دفعت المؤشرات الرئيسية إلى الدخول في نطاق التصحيح.
وقال أولو سونولا، رئيس قسم الأبحاث الاقتصادية الأميركية لدى «فيتش»، إن رسوم ترامب ستُحدث تغييراً جذرياً ليس فقط للاقتصاد الأميركي بل للعالم أجمع، متوقعاً أن تدخل العديد من الدول في حالة ركود.
وستتأثر الاقتصادات الآسيوية أكثر من غيرها بالتعريفات الجمركية الأميركية المتبادلة، لأنها لا تواجه تعريفات أعلى من غيرها فحسب، بل أيضاً لأنها أكثر اعتماداً على الطلب الأميركي.
أما تأثير خطة الرسوم على الاقتصاد الأميركي فسيعتمد على كيفية إنفاق الإيرادات الإضافية، ففي حال أعيدت للمستهلكين عبر تخفيضات ضريبية فقد لا يتأثر النمو كثيراً.
ويرى المحللون أن تصعيد الحرب التجارية من المرجح أن يؤدي لارتفاع الأسعار بالنسبة للأميركيين، وتباطؤ النمو في الولايات المتحدة، وربما تنزلق بعض البلدان نحو الركود،.
وبينما يصف خبراء اقتصاديون خطة ترامب للتعريفات الجمركية أنها بمثابة «تسونامي سيضرب الاقتصاد العالمي» وسيكون له تداعيات يصعب قياسها، وخاصة في حال استمرارها واتخاذ الدول الأخرى تدابير قاسية انتقامية، اعتبر ترامب أن استجابة الأسواق لخطته «تسير على ما يرام» رغم الهبوط الحاد في سوق الأسهم الأميركية الخميس الماضي.
وأقر ترامب بالصدمة التي أحدثتها قراراته الأخيرة بشأن الرسوم الجمركية، لكنه أوضح أن الاقتصاد الأميركي سيخرج أقوى بكثير، حتى في ظل تراجع الأسواق العالمية.
وذكر في تصريحات مقتضبة للصحفيين في البيت الأبيض: «الأسواق ستزدهر، والأسهم ستزدهر، والبلاد ستزدهر.. يريد بقية العالم أن يرى، هل هناك أي سبيل للتوصل إلى اتفاق؟».
وأشار ترامب إلى تعهدات استثمارية ضخمة قطعتها بعض الشركات في الأسابيع الأخيرة، لافتاً إلى أن الرسوم ستدر ما يقارب 7 تريليونات دولار على خزينة الولايات المتحدة، وقال: «سترون كيف ستسير الأمور، بلادنا ستزدهر».
Leave a Reply