ترامب يمدّد «الغضب الملحمي» مهدّداً بإعادة إيران إلى العصر الحجري
التقرير الأسبوعي
في خطابٍ متلفز وجّهه إلى الشعب الأميركي في وقت الذروة مساء الأربعاء الماضي، اشترى الرئيس دونالد ترامب مزيداً من الوقت لمحاولة إنجاح عملية «الغضب الملحمي»، ملوّحاً بأسبوعين أو ثلاثة فقط من التصعيد الكفيل بإعادة إيران إلى «العصر الحجري» في حال عدم التوصل إلى اتفاق معه.
وفيما تواصل الجمهورية الإسلامية –بثبات– سياسة ردّ الصاع بالصاع للأسبوع الخامس على التوالي دون إظهار أيّة نيّة للتراجع أو الخضوع للعدوان، يتعمّق المأزق الداخلي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته المتشددة، مع استمرار موجات الصواريخ الإيرانية اليومية، وفشل جيش الاحتلال في السيطرة على جنوب لبنان حيث يواجه خسائر فادحة بمواجهة «حزب الله» الذي باغت القوات الغازية بحجم جهوزيته للمعركة البرية، فضلاً عن إمطار مستوطنات الشمال والعمق الإسرائيلي بالصواريخ والمسيرات بوتيرة يومية.
وبعد شهر على بداية الحرب، بات الاقتصاد الإسرائيلي، والجبهة الداخلية في الكيان، يرزحان تحت ضغوط قصوى، لكن ذلك لم يمنع الكنيست من تمرير قانون عنصري بإعدام الأسرى الفلسطينيين.
وبموجب القانون، فإن الأسرى الفلسطينيين المدانين بـ«القتل بدوافع إرهابية» من قبل المحاكم العسكرية في الأراضي المحتلة، سيواجهون عقوبة الإعدام شنقاً.
مسارات الحرب
خصّص ترامب القسم الأول من خطابه لإقناع الرأي العام الأميركي، بأسباب الهجوم على إيران، مجدّداً ادّعاءه بتدمير القدرات النووية والبحرية والصاروخية لطهران. ودون تحديد أهداف واضحة، أكد الرئيس الأميركي أن بلاده ستواصل هجماتها العسكرية على الجمهورية الإسلامية «لاستكمال الأهداف الأساسية والاستراتيجية للعملية»، مهدّداً بأنه في حال عدم التوصّل إلى اتفاق مع قادة إيران الجدد، فإن بلاده قد تستهدف منشآت النفط والطاقة الإيرانية، وتعيد الجمهورية الإسلامية إلى «العصر الحجري».
وجاء موقف ترامب التصعيدي، بعد تبادل رسائل بين طهران وواشنطن عبر أطراف وسيطة في المنطقة على رأسها باكستان، وقبل أيام معدودة من انتهاء مهلة السادس من نيسان (أبريل)، التي أعلنها ترامب مُسبقاً لفتح مضيق هرمز تحت طائلة استهداف بنى الطاقة.
في المقابل، تتمسك طهران بشروطها الخاصة لوقف الحرب، ومن ضمنها السيطرة على الممر المائي الاستراتيجي الذي تنصل ترامب من مسؤولية فتحه، تاركاً المهمة لحلفائه المتضرّرين «إن تحلّوا بالشجاعة الكافية».
وقد يُنظر إلى موقف ترامب من مضيق هرمز –الذي يستوجب تدخلاً برياً واسعاً قد يكون مكلفاً للغاية– بأنه تمهيد لإعلان نصر «من نوع ما» حتى في حال استمرار سيطرة الإيرانيين على المضيق، وذلك استجابة لمخاوف الأميركيين من اتّساع نطاق الحرب وتحوّلها إلى استنزاف طويل قد يكون له تأثيرات كارثية على الاقتصاد العالمي.
ويبدو أن مستوى انعدام الثقة المرتفع، والفجوة الواسعة بين مطالب الطرفين، يصعّبان إلى حدّ بعيد، الوصول إلى تسوية. فالولايات المتحدة ما زالت تصرّ على مطالبها القصوى، المتمثّلة في الإغلاق الكامل للبرنامج النووي الإيراني، وفرض قيود على البرنامج الصاروخي، وإنهاء دعم إيران لفصائل المقاومة، إضافة إلى إعادة فتح مضيق هرمز. وفي المقابل، تشدّد إيران على ضرورة الوقف الكامل للحرب –لا مجرّد إرساء هدنة مؤقّتة– والحصول على تعهّد بعدم الاعتداء، ودفع تعويضات.
من جانبه، ردّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، على تهديدات ترامب بأن «استهداف البُنى التحتية المدنية لن يدفع الإيرانيين إلى الاستسلام». وأضاف عبر منصة «أكس» أن هذه الهجمات «ليست سوى دليل على الهزيمة والانهيار الأخلاقي للعدوّ الذي بات يعاني الارتباك واليأس»، في إشارة إلى استهداف جسر «بي–1» في مدينة كرج غرب طهران.
وأكد عراقجي أن «كل جسر وكل مبنى سيُعاد بناؤه من جديد، وهذه المرة بشكل أكثر متانة؛ لكن ما لن يُرمَّم أبداً هو الضرر الذي لحق بمكانة الولايات المتحدة وسمعتها والثقة بها». كما لفت إلى أنه «لم يكن هناك نفط أو غاز يُستخرج في الشرق الأوسط في العصر الحجري»، متسائلاً: «هل رئيس الولايات المتحدة والأميركيون الذين أوصلوه إلى السلطة متأكدون أنهم يريدون إعادة عقارب الساعة إلى الوراء؟.
وكان ترامب، الذي يشهد تصدعات متزايدة داخل إدارته على خلفية الحرب، منها استقالة رئيس الأركان راندي جورج، قد أشاد بقصف جسر رئيسي ما زال قيد الانشاء في مدينة كرج الواقعة الى الغرب من طهران، مجددا دعوة إيران الى إبرام اتفاق «قبل فوات الأوان». وكتب ترامب عبر منصته تروث سوشال تعليقاً على مقطع مصوّر يُظهر قسماً من جسر معلق ينهار وسط تصاعد سحابة من الدخان «أكبر جسر في إيران ينهار ولن يستخدم مجدداً أبداً».
وأمام هذا الواقع، يخشى المراقبون أن تتوسّع الهجمات الأميركية‑الإسرائيلية بشكل كبير، خلال الأسبوعين المقبلين، بحيث قد تشمل استهداف البنى التحتية الحيوية في إيران، بما في ذلك منشآت النفط والغاز والكهرباء، وربّما تنفيذ هجوم بري محدود على الأراضي الإيرانية. وفي إطار هذا السيناريو، تأمل الولايات المتحدة وإسرائيل أن يؤدّي فرض كلفة باهظة على إيران إلى دفعها نحو إعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء القتال. وبعد إيقاع هذه الخسائر، قد تعلن واشنطن انتهاء الحرب بدعوى تحقيق أهدافها، حتى من دون التوصّل إلى اتفاق رسمي.
وبالفعل، ثمّة مؤشرات عديدة إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل قد فقدتا الأمل في إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية أو القضاء الكامل على قدراته العسكرية؛ ولذلك، تتّجهان نحو توجيه ضربات إلى البنى التحتية الحيوية والتنموية في إيران بهدف دفع الأخيرة نحو التحوّل إلى دولة مُنهكة أو مفلسة، إذ في ظلّ التداعيات المتوقّعة للحرب، ومع استمرار العقوبات، لن تتمكّن إيران بعد الحرب –بحسب الافتراض الأميركي الإسرائيلي– من إعادة بناء قدراتها الاقتصادية والعسكرية، وهو ما قد يؤدّي أيضاً إلى تصاعد مستويات السخط الشعبي على نظامها.
لكن في المقابل، قد تردّ إيران على ذلك بهجمات واسعة تطال البنى التحتية في إسرائيل وبعض دول المنطقة، ما قد يفضي إلى حالة من التوازن القائم على تبادل الكلفة.
الجبهة اللبنانية
بمواجهة مقاومة عنيفة من «حزب الله»، يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي محاولاته للتقدم على عدة محاور في جنوب لبنان، مستهدفاً تطويق مدينة بنت جبيل بعد انسحاب الجيش اللبناني من قرى محيطة بها، فضلاً عن التوغل على عدة محاور أخرى من البياضة غرباً إلى الخيام شرقاً، وسط عجزه عن التثبيت والتموضع بسبب استهداف المقاومة لقواته.
في العموم، ومع دخول العدوان على لبنان شهره الثاني، يعجز جيش الاحتلال عن تحقيق أهدافه المعلنة في القطاع الشرقي. فمحاولاته المتكررة للسيطرة الكاملة على مدينة الخيام أو بلوغ نهر الليطاني لم تُترجم إلى إنجازات فعلية على الأرض. وفي القرى الحدودية، لم يستطع العدو تثبيت نقاط آمنة لجنوده بعيدة عن نيران المقاومة المتواصلة، باستثناء حركة مرنة نسبياً في مركبا والعديسة ورب ثلاثين، وهي مناطق تسمح طبيعتها الجغرافية بذلك.
إزاء التطورات الميدانية وترجيح خيار الأرض المحروقة بدلاً من الاحتلال العسكري، توقع تقدير صادر عن «معهد القدس للاستراتيجيا والأمن» أن يبقى لبنان ساحة ثانوية في مسار المواجهة، وارتباط مساره المباشر بنتائج الحرب على إيران.
وأشار التقرير إلى أن هدف نزع سلاح «حزب الله» لا يزال بعيد المنال، إذ يُعد تحقيقه الكامل منخفض الاحتمال في المرحلة الحالية. وفي حين يطرح سيناريو ضعيف يتمثل في توظيف الضغوط العسكرية والإنسانية لدفع الحكومة اللبنانية إلى تكليف الجيش بمواجهة الحزب، مع ما يحمله ذلك من احتمالات نجاح أو فوضى، فإن السيناريو الأرجح يتمثل في استمرار تردّد الحكومة وتواصل تبادل إطلاق النار لمدة طويلة.
وخلص التقرير إلى أن فرص إضعاف حزب الله قد ترتفع نسبياً فقط في حال تراجع قوة إيران، من دون أن يعني ذلك إمكانية حسم ملف سلاحه بالكامل.
ونفذت المقاومة خلال شهر آذار الفائت، 1090 عملية عسكرية، بمعدل نحو 39 عملية يومياً، وأكثر من نصفها في الأيام العشرة الأخيرة فقط، في دلالة على احتدام المواجهات مع قوات الاحتلال الإسرائيلي.
وكانت العمليات قد تصاعدت من 119 عملية في الأسبوع الأول إلى 490 عملية في الأسبوع الرابع، بنسبة تصعيد إجمالية تجاوزت 300 بالمئة. أما الذروة، فقد كانت في 26 آذار الفائت، مع تنفيذ 96 عملية في يوم واحد.
وبنتيجة ضربات المقاومة، تمّ تحييد أكثر من 130 دبابة وآلية مدرعة، وإسقاط أكثر من مسيّرة «هيرمز 450». وقد وثقت المقاومة 80 إصابة مباشرة، مع الإشارة إلى أن هذه الأرقام تمثل الحد الأدنى فقط، نظراً لعدم القدرة على توثيق جميع العمليات المنفذة. في المقابل اعترفت إسرائيل فقط بمقتل عشرة ضباط وجنود داخل لبنان.







Leave a Reply