تكلفة المشروع الملحق بـ«المجمع الإسلامي الثقافي» قاربت خمسة ملايين دولار
افتتاح مسجد «الرسول» في شرق ديربورن .. إقبال كبير يؤكّد حاجة المجتمع إلى الصرح الجديد
إبتسام خنافر – «صدى الوطن»
إن قصّة بناء جامع «الرسول» ص) الملحق( بـ«المجمع الإسلامي الثقافي»، ليست مجرّد قصّة نجاحٍ أخرى في إنشاء صرح معماري جميل ومميز في ديربورن، وإنما تعكس تجربةً مركّبة تتطابق مع كيفية تشكل المؤسسات في المهجر، وكيف تتحول الحاجة اليومية إلى قرار، والقرار إلى مشروع، والمشروع إلى واقع ملموس. وبين هذه المراحل، تتداخل التفاصيل الصغيرة مع التحوّلات الكبيرة، لتصنع في النهاية قصّة مسجدٍ لم يُبنَ فقط بالحجر، بل بالإرادة والجدية، وبالثقة التي تراكمت خطوةً بخطوة.
الافتتاح في رمضان
في ليلة الافتتاح الأولى خلال شهر رمضان الفائت، ومع أذان المغرب وبداية الإفطار الجماعي، كان المشهد يتشكّل بسرعةٍ لا تحتمل التأويل: تدفّق بشري متواصل، صفوف تتراصف وتكتمل بسرعة، حركة لا تهدأ، وفضاء يمتلئ دفعةً واحدة. يختصر إمام «المجمع الإسلامي الثقافي»، الشيخ الدكتور باقر بري، تلك اللحظة بالقول: «من أول ليلة… امتلأ المسجد بالكامل».
لم يكن الأمر تدريجياً، بل لحظة كاشفة سقطت فيها كل مبررات الحذر والقلق، وتحوّل فيها الحديث عن جدوى المسجد الجديد، من فكرةٍ قابلة للنقاش، إلى حاجة بديهية لا تقبل التأجيل.
يوماً بعد آخر كان الأمر يتأكد أكثر فأكثر، حيث بدا المسجد الجديد، على سعته، قاصراً عن استيعاب حشود المصلين خاصة في صلاة العشاء والنوافل خلال شهر رمضان، فيما شكّلت ليالي القدر ذروة هذا المشهد، حيث تجاوزت الأعداد حجم التوقعات واضطر بعض المصلين إلى الصلاة خارج المصلّى. أما صلاة الجمعة الأولى، فكانت بمثابة حكم نهائي على كل التردد السابق، حين كان يُسأل الشيخ بري: «هل نحن فعلاً بحاجة إلى هذا المكان؟».
حين يفيض المسجد
في قراءة أوسع قدّمها الشيخ بري، فإن الأزمة لم تكن لحظة طارئة، بل مسار ممتد من الضغط اليومي الذي اعتادت عليه الجالية. فالاكتظاظ لم يكن استثناءً، بل أصبح جزءاً من المشهد الأسبوعي، ما خلق حالة من «التكيّف مع الضيق»، قبل أن تتحول هذه الحالة إلى قناعة بأن الاستمرار بهذا الشكل لم يعد ممكناً.
لم تكن هذه اللحظة مفاجئة، بل نتيجة مسار طويل من الضغط. لسنوات، كان المصلّى في «المجمع الإسلامي الثقافي» عاجزاً عن استيعاب الأعداد، خصوصاً في أيام الجمعة وخلال شهر رمضان المبارك. الممرات تتحوّل إلى صفوف، والممرات إلى امتدادٍ اضطراري لصفوف المصلين، فيما كانت النساء يواجهن صعوبة أكبر في إيجاد مساحة مناسبة.
يقول الشيخ برّي لصحيفة «صدى الوطن»: «المجمع كان يقوم بدور أكبر من حجمه بكثير… وهو أمر لم يكن بإمكاننا الاستمرار به»، فالمشكلة لم تكن فقط في ضيق المساحات، بل في الفجوة بين الدور الذي يؤديه المجمع والإمكانات المتاحة.
الخطوة الأصعب
يشرح بري أن أصعب ما في المشروع لم يكن البناء نفسه، بل اتخاذ القرار نفسه. فالمشاريع الكبيرة لا تُقاس فقط بحجمها، بل بقدرة القائمين عليها في الاستمرارية، وهو ما جعل السؤال يتركز حول القدرة لا الرغبة.
ويضيف أن هذا النوع من التردد «الواعي» كان ضرورياً، لأنه يمنع الدخول في مشاريع غير محسوبة، ويجعل القرار أكثر نضجاً ومسؤولية.
فرغم وضوح الحاجة إلى مساحات أوسع، لم يكن قرار البناء سهلاً. فالمشروع يتطلب –وفق التقديرات الأولية– ما بين 4 إلى 5 ملايين دولار، والتزامات طويلة الأمد تمتد لسنوات وربما عقود.
ويشير بري لـ«صدى الوطن» إلى أن السؤال لم يكن: هل نبني؟ وإنما: «هل نستطيع أن نكمل؟»، موضحاً أن هذا التردد لم يكن ضعفاً، بل تعبيراً عن وعي عميق بحجم الصعوبات والتحديات المالية المحتملة فضلاً عن الحاجة إلى تقييم فرص نجاح المشروع واستمراريته.
اللحظة التي غيّرت كل شيء
في خضم هذا التردّد، ظهرت فرصة مفاجئة لشراء المبنى الملاصق لمقر «المجمع الإسلامي الثقافي» على شارع شايفر في ديربورن. فالعقار المجاور لم يكن مطروحاً في خطط التوسع، لكنها بدت وكأنها الإجابة الشافية.
ويقول بري لـ«صدى الوطن»: «لم نكن نخطط لذلك… لكن عندما عُرض علينا، شعرنا أنها ليست صدفة».
فشراء المبنى لم يكن مجرد توسعة، بل نقطة تحوّل، أعادت تشكيل المشروع بالكامل، وربطت بين القديم والجديد ضمن رؤية موحدة.
وفي مفارقة تختصر روح المشروع، يشير برّي إلى زاوية في عقار المبنى القديم لم تكن ذات أهمية: «كنا نقول دائماً: لا نحتاجها». لكنها تحولت لاحقاً إلى الممر الأساسي الذي يربط المسجد الجديد بمنى المجمع الرئيسي الذي تم افتتاحه عام 1998.
علّق بري قائلاً: ما قد يبدو هامشياً في البداية، قد يتحول إلى أمر جوهري في نهاية المطاف.
أرقام تعكس التحوّل
اليوم، يتسع المسجد الجديد ذو القباب الزرق لنحو 600 مصلٍّ، مع إمكانية استيعاب 700 في أوقات الذروة.
تبلغ مساحة قاعة الصلاة نحو 6,600 قدم مربع، فيما تصل المساحة الإجمالية للمسجد إلى 11,400 قدم مربع. ويشير بري إلى أن طريق تخطيط السجاد ساهم في زيادة الكفاءة الاستيعابية، وتنظيم الصفوف، وهو ما يعكس أهمية كل تفصيل مدروس.
لم يُصمَّم المسجد كفضاء جمالي فقط، بل كنظام وظيفي متكامل: قاعة مفتوحة، صوت واضح، إضاءة متوازنة، ومسارات حركة مدروسة. وقد تولّى المهندس آلان عباس الإشراف الهندسي، بما حقق توازناً بين الهوية الإسلامية ومتطلبات البيئة الأميركية. فيما تولّى الخطاط «هاروت» تخطيط الآيات القرآنية داخل المسجد، بمشاركة خطّاطين لبنانيين آخرين.
أما إدارة المشروع والإشراف على تنفيذه، فتولاها فريقٌ ضم إلى جانب الشيخ بري والمهندس عباس كلّاً من المهندس شريف مكي، الحاج أكرم بزي، الدكتور علي بري، الحاج علي خلف، الحاج فؤاد بري، المهندس محمد جوني والحاج علي مقلد، في نموذج عمل جماعي يهدف إلى الحفاظ على استمرارية المشروع.
التمويل
في حديثه مع «صدى الوطن»، يلفت الشيخ بري إلى أن نجاح المشروع لم يكن مرتبطاً فقط بحجم التبرعات، بل بطبيعتها. فالفكرة لم تكن جمع المال بأي وسيلة، بل بناء علاقة بين الناس والمشروع، بحيث يشعر كل متبرع، حتى لو كان بمبلغ بسيط، أنه جزء من هذا البناء.
ويؤكد أن هذا النموذج هو ما أعطى المشروع استقراره الحقيقي، لأن التمويل لم يكن موسمياً، بل مستمراً، ومتجذراً في المجتمع نفسه.
بلغت تكلفة المشروع حوالي 5 ملايين دولار، لكن اللافت، بحسب بري، أن المشروع لم يعتمد على جهة تمويل واحدة، بل على الجالية بأكملها، عبر إقامة حملات تبرع، ومناسبات اجتماعية، ومساهمات فردية، وصولاً إلى الحصول على التزامات بتمويل طويل الأمد من خلال اشتراك شهري، وصفه الشيخ بأنه السر الحقيقي لنجاح المشروع.
في هذا الصدد، يقول بري إن إحدى النساء أخبرته بأنها لا تستطيع التبرع بمبلغ كبير، فكان الجواب: يمكنك التبرع شهرياً.
هذا الجواب تحوّل إلى نموذج. وعلى مدار أربع سنوات، التزم كثيرون بدفع مبالغ شهرية، كلٌّ حسب قدرته.
ومن أكثر قصص التبرّع تأثيراً، قصة امرأة أرسلت شيكاً بقيمة ألف دولار. فلما تواصل معها الشيخ بري ليسألها عن سبب تبرعها السخي، قالت له إنها حلمت بأنها وأولادها في ضيق شديد فاستندوا إلى حائط مسجد وشعروا بالأمان. وأضافت: «شعرت أن هذا المسجد سيكون ملجأ للآخرين». عادت لاحقاً وتبرعت بمبلغ أكبر.
ويلفت إمام «المجمع» أيضاً إلى أن تمويل المشروع لم يكن حكراً على فئة معينة، بل شارك فيه أبناء الجالية بمختلف انتماءاتهم، «حتى من أهل السنة… ومنهم فلسطينيون»، ما أعطى المشروع بُعداً جامعاً انعكس داخل المسجد نفسه.
دور اجتماعي
يكشف الشيخ باقر بري لـ«صدى الوطن» أن أحد أبرز التحولات التي يسعى إليها المشروع هو نقل دور المسجد من الإطار التقليدي إلى مساحة أكثر شمولاً، تستجيب للتحديات المعاصرة التي يعيشها المسلم في أميركا.
فبحسب ما يشرح، لم يعد المسجد مكاناً للعبادة فقط، بل أصبح نقطة التقاء لمن يمرون بأزمات نفسية، أو ضغوط اجتماعية، أو حالات مرتبطة بالإدمان، حيث يجد هؤلاء في المسجد بيئة مختلفة، أقرب إلى الاحتواء منها إلى الحكم.
ويضيف أن هذه الحالات «لا تحتاج فقط إلى نصيحة، بل إلى مرافقة، وفهم، وإعادة دمج في المجتمع»، وهو ما يحاول المسجد أن يقوم به تدريجياً، بالتوازي مع دوره الديني.
كما يشير إلى أن دعم الفقراء وأصحاب الحاجات لا يزال في صلب العمل، لكنه اليوم يأخذ بعداً أوسع، يشمل المساعدة المادية وبناء شبكة دعم إنساني حقيقية.
وشدد بري على أن دور المسجد لا يقتصر على العبادة، بل يمتد إلى ما يسميه «العلاج المجتمعي».
فبعض الأشخاص يلجأون إلى المسجد وهم يعانون من أزمات نفسية أو ضغوط حياتية أو مشكلات مرتبطة بالإدمان، ويجدون فيه مساحة احتواء ومساندة.
ويضيف: «المسجد يجب أن يكون مكاناً يساعد الناس على الوقوف من جديد… لا مجرد مكان للصلاة».
رؤية بدأت في الثمانينيات
يؤكد الشيخ باقر بري لـ«صدى الوطن» أن ما تحقق اليوم هو امتداد لرؤية والده، الشيخ عبد اللطيف بري، الذي أسّس المجمع في ثمانينيات القرن الماضي، على قاعدة أن المسجد مركز لبناء الإنسان، لا مجرد مكان للعبادة.
ويشير إلى أن هذه الفكرة بقيت حاضرة في كل مراحل المشروع، من التردد إلى القرار، مروراً بالتنفيذ، ووصولاً إلى الافتتاحٍ الذي كشف، منذ الليلة الأولى، أن المسجد لم يكن فقط حاجة مكانية، بل ضرورة مجتمعية كاملة.
ورغم هذا الإنجاز، يوضح بري أن العمل لم يكتمل بعد، إذ لا تزال المرافق الخارجية، من مواقف وحدائق وخدمات، بحاجة إلى استكمال.
لكن، كما يظهر من التجربة، فإن المشروع الذي بُني على التزام الناس، مرشح لأن يكتمل بالطريقة نفسها، خطوةً خطوة، وبالروح ذاتها.
والجدير بالذكر أن المجمع الإسلامي الثقافي تأسّس عام 1983 بقيادة الإمام عبد اللطيف برّي. وكان مقره الأول على شارع وورن بمدينة ديربورن، قبل انتقاله في عام 1998 إلى مقره الحالي على العنوان 6345 شارع شايفر، والذي أضيفت إليه في عام 2001، «الأكاديمية الإسلامية الأميركية»، وهي مدرسة شاملة من الروضة وحتى الصف الثاني عشر، قبل أن يتوسع «المجمع» مجدداً بافتتاح مسجد «الرسول» في رمضان المنصرم.







Leave a Reply