لا يمكن وصف الجدار الذي قررت السلطات اللبنانية بناءه بإشراف الجيش اللبناني حول «مخيم عين الحلوة الفلسطيني» في مدينة صيدا جنوبي لبنان– بأقل من «جدار عار»، وذلك تأكيداً وتضامناً مع توصيف أبناء المخيم أنفسهم لهذا الجدار الذي وجدوا أنفسهم وجها لوجه معه في مشروع غامض الملامح والدوافع سيحولهم إلى نزلاء سجن كبير.
وكأن الفلسطينيين في لبنان يحتاجون جحيما آخر في حياتهم، أو بمعنى آخر جداراً غير الجدران الكثيرة غير المرئية التي عزلتهم عبر عقود من الزمن عن الاندماج في الحياة اللبنانية العامة تحت ذرائع ومخاوف وحسابات سياسية لا تقيم للكرامة الإنسانية أدنى اعتبار.
«جدار العار اللبناني» لا يقل بشاعة وإهانة وعنصرية عن «جدار الفصل» الإسرائيلي حول مناطق الضفة الغربية في فلسطين المحتلة، وكأن «الأشقاء» يقتدون بـ«الأعداء» في معاقبة الفلسطينيين. وهذا مصدر ألم إضافي لا تبرره أية دعاوى أو ذرائع أمنية.
لقد آن الأوان لحل التناقض السام والمنتشر في كثير من الأدبيات اللبنانية الرسمية والحزبية والمناطقية، المعلنة منها أو الخفية، إذ لا يمكن أن نكون محبين لفلسطين وكارهين للفلسطينيين في آن، ولا يمكن أن تكون دعوتنا لتحرير الأراضي المحتلة صادقة إذا لم ندافع عن حرية الفلسطينيين وحقوقهم الأساسية في العمل والعيش بكرامة!
إننا في «صدى الوطن» ندين بناء هذا الجدار المشبوه، لا من منطلق أخلاقي وإنساني فقط، وإنما أيضاً من منطلق وطني وقومي بالدرجة الأولى، وذلك بغض النظر عن المسوغات والذرائع المطروحة في هذا السياق، كالتخوف من التهديدات الأمنية الافتراضية من المخيم الذي تنشط فيه بعض القوى الإسلامية المتشددة.
إن تقارير عديدة قد أشارت إلى أن الدوافع الحقيقية وراء هذا المشروع تبدو مريبة ويشوبها الكثير من الغموض والمصالح غير المعلنة التي تتخفى وراء العناوين الأمنية، فالتقارير ذاتها ألمحت إلى تدخل الإرادات الخارجية وضغوطها على الحكومة اللبنانية لتأمين الطريق الساحلية التي تربط صيدا بالجنوب والتي تسلكها قوافل «قوات اليونيفيل»، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، لضمان نجاح عمل الشركات الأجنبية والدولية في التنقيب عن النفط، والتي من المرجح أن تبدأ نشاطها في المستقبل القريب.
إننا نفهم أن الوجود الفلسطيني في لبنان قد تسبب بكثير من الندوب والتشققات في الجسم السياسي والشعبي اللبناني، منذ بداية سبعينات القرن الماضي. أما وقد مر على نهاية الحرب الأهلية اللبنانية –التي كان الفلسطينيون طرفا أساسيا فيها– حوالي ثلاثة عقود من الزمن، فمن غير المعقول والمقبول الاستمرار في تصوير المخيمات الفلسطينية كـ«فزاعات» و«أوراق لعب ومساومة» في المعادلات السياسية والحزبية الداخلية، والمعادلات الخارجية ذات الصلة بلبنان.
إن حوالي نصف مليون من الفلسطينيين اللاجئين في لبنان، ومعظمهم لجأ في أعقاب النكبة عام 1948، ما زالوا يفتقدون لأبسط الحقوق الإنسانية والحياتية التي تؤمن لهم العيش الكريم.. وإلا ما معنى أن يحظر على الفلسطينيين المقيمين في لبنان –وبموجب قوانين عمل تمييزية وسياسات متحيزة– مزاولة عشرات المهن المحترمة والنظيفة، ومن ضمنها جميع المهن الحرة التي تتطلب مزاولتها الانتساب إلى نقابات، إضافة إلى عدد من المهن اليدوية والمكتبية الأخرى، والتي يتراوح عددها بين خمسين وسبعين مهنة، تتغير بين فترة وأخرى؟!
فتحت شعار «رفض التوطين»، ما يزال اللاجئون الفلسطينيون يخضعون لقانون عمل الأجانب الصادر عام 1962، وهو قانون يشترط أن يحصل الأجنبي على إذن بالعمل كي يتمكن من مزاولة عمله، دون أي معاملة خاصة للفلسطينيين الذين لم يختاروا الإقامة والعمل في لبنان بملء إرادتهم.
ومثل هذه القوانين شكلت على مدى نصف قرن جداراً غير مرئي حوّل الفلسطينيين إلى «سجناء مقنعين»، وملأ نفوسهم بالمرارة والشعور بالتمييز ضدهم، فانكفأوا على أنفسهم ليعيشوا ضمن تجمعات ومخيمات ذات كثافة عالية، فمخيم عين الحلوة الذي لا تزيد مساحته عن 1 كم مربع يعيش فيه أكثر من 80 ألف نسمة!.
لقد جاء بناء الجدار حول مخيم عين الحلوة في أكثر الأوقات حلكة وحرجا، في وقت تفور فيه المنطقة العربية ببراكين لاهبة وزلازل مدمرة على كل صعيد، سواء على مستويات التنظير أو الممارسة، وإننا في هذا الوقت نكرر بأننا كمجتمعات عربية بأمس الحاجة لنزع فتيل الأزمات، لا النفخ فيها وتفخيخها من جديد.
ما نريده، وما نحن بأمس الحاجة إليه الآن، هو مد الجسور بين مختلف المكونات في الوطن الواحد، وكذلك بين الأوطان، لا بناء الجدران. ومن هذا المنطلق، فإننا ندعو جميع الفعاليات السياسية والشعبية في لبنان إلى التنديد ببناء «جدار العار» حول مخيم عين الحلوة، دون الخوف من المخاطر الأمنية التي يحاول الكثيرون إلصاقها بالوجود الفلسطيني.. الذي إذا زاد التضييق عليه، فسوف تزداد خطورة انفجاره.
Leave a Reply