علي الهاشمي الشهير بـ «باربر آل» .. ابن عائلة عراقية مهاجرة يصنع اسماً لامعاً في عالم الحلاقة بميشيغن
ديربورن – إبتسام خنافر
تعتبر مهنة الحلاقة وتزيين الشعر من المزايا اللافتة للجالية العربية في منطقة ديترويت، إذ تنتشر الصالونات في جميع أرجاء ديربورن وجوارها وتلمع أسماء عربية أميركية بارزة في هذا المجال، ومن بينهم، علي الهاشمي الشهير باسم «باربر آل» الذي قرّرت حاكمة ميشيغن غريتشن ويتمر –مؤخراً– إعادة تعيينه في الهيئة التنظيمية المشرفة على مهنة الحلاقة في ولاية البحيرات العظمى.
الهاشمي الذي يشغل عضوية «مجلس فاحصي الحلاقة في ميشيغن» منذ تعيينه لأول مرة عام 2022، أكد لـ«صدى الوطن» رغبته بمواصلة الخدمة في الهيئة الحكومية التي تتولى تنظيم المهنة في الولاية وإصدار التراخيص والإشراف على مدارس الحلاقة وتزيين الشعر ومختلف المعايير التي تحكم هذا القطاع.
وبحسب قرار ويتمر، الذي مازال بحاجة إلى موافقة مجلس شيوخ ميشيغن، سيواصل الهاشمي خدمته في المجلس لولاية ثانية تبدأ في مطلع تشرين الأول (أكتوبر) 2026 وتنتهي في 30 أيلول (سبتمبر) 2030، علماً بأنه العضو العربي الأميركي الوحيد في المجلس المكوّن من ثمانية أعضاء.
وكان الهاشمي قد أسس صالون Uppercutz «أپركاتز» للحلاقة في ديربورن عام 2014، وسرعان ما اكتسب شهرة واسعة بفضل مهاراته التي جعلته الحلاق الخاص لأبرز نجوم الرياضة في ديترويت. كما أصبح لديه اليوم، أربعة فروع في ديربورن وديربورن هايتس وكانتون، فضلاً عن افتتاحه في العام الماضي لمدرسة تعليم الحلاقة على شارع تلغراف في ديربورن، باسم UC Barber School.
وبالنسبة للحلاق العراقي الأصل، فإن هذا المنصب لا يمثل مجرد موقع رسمي، بل فرصة حقيقية للتأثير في مهنة شكّلت حياته بالكامل. ويقول: «الحلاقة هي التي بنت كل ما أملكه اليوم، وهي التي منحتني الفرصة لبناء حياتي ومسيرتي، ولذلك فإن العمل في المجلس يمنحني فرصة لردّ الجميل لهذه المهنة».
تنظيم المهنة
يُعد مجلس فاحصي الحلاقة في ميشيغن، الجهة التنظيمية الأعلى لمهنة الحلاقة الرجالية والنسائية في الولاية، حيث يعمل على وضع القوانين واللوائح التي تنظم عمل الحلاقين ومصفّفي الشعر ومدارس تعليم المهنة، إضافة إلى الإشراف على منح التراخيص والتأكد من التزام العاملين في هذا المجال بالمعايير المهنية المطلوبة.
ومن خلال عضويته في المجلس الذي شغل منصب نائب الرئيس فيه، وهو ما يعكس الثقة التي حظي بها بين زملائه في المجلس، يشارك الهاشمي في اتخاذ القرارات التي تؤثر على مستقبل المهنة في الولاية، سواء من حيث تطوير برامج التعليم والتدريب أو تحسين آليات الترخيص.
وفي هذا الصدد، يؤكد الهاشمي أن قوة المجلس وأهمية دوره تنعكس بشكل مباشر على جودة القطاع، قائلاً: «عندما يكون المجلس قوياً ويهتم أعضاؤه بالمهنة حقاً، فإن ذلك ينعكس على الصناعة بأكملها».
وتُعد مسألة التراخيص المهنية من أبرز الملفات التي يعمل عليها مجلس الفاحصين. ففي ولاية ميشيغن، يتعيّن على أي شخص يرغب في ممارسة مهنة الحلاقة أن يُكمل 1,800 ساعة تدريب في مدرسة حلاقة معتمدة قبل التقدم للحصول على الرخصة المهنية. وبعد إتمام هذه الساعات، يتوجب على المتقدم اجتياز امتحانين، أحدهما نظري والآخر عملي، للتأكد من امتلاكه المهارات والمعرفة اللازمة لممارسة المهنة.
وبموجب قانون الولاية، يُعرَّف «الحلاق» بأنه الشخص الذي يقدم خدمات تشمل حلاقة أو تشذيب اللحية، وقص الشعر وتصفيفه وتلوينه، وتقديم تدليك الوجه وفروة الرأس، وغيرها من الخدمات الشخصية ضمن الأعراف المهنية.
ويشير الهاشمي إلى أن هذه المتطلبات تجعل رخصة الحلاقة في ميشيغن من أقوى التراخيص في الولايات المتحدة، إذ يمكن للحلاق الذي يحصل عليها العمل في معظم الولايات الأخرى بسهولة. ومع ذلك، يلفت إلى أن أحد التحديات التي تواجه المهنة هو ممارسة بعض الأشخاص للحلاقة دون ترخيص رسمي بسبب صعوبة الوصول إلى التعليم المهني، وهو ما يسعى إلى معالجته من خلال تشجيع التعليم وتوسيع فرص التدريب.
مدرسة حلاقة
إلى جانب عمله الحكومي وإشرافه على صالونات «أپركاتز»، يدير الهاشمي أيضاً مدرسة لتعليم الحلاقة تهدف إلى تدريب جيل جديد من الحلاقين وتزويدهم بالمهارات اللازمة لدخول هذا المجال.
وتعمل UC Barber School في ديربورن على توفير التدريب المطلوب للحصول على الترخيص في ميشيغن، كما تسعى إلى خلق فرص مهنية للشباب الذين يرغبون في بناء مستقبلهم في هذه المهنة.
ويشير الهاشمي إلى أن المدرسة تعمل على التعاون مع المدارس الثانوية حتى يتمكن الطلاب من تعلم أساسيات الحلاقة قبل التخرج، مما يمنحهم فرصة لبدء حياتهم المهنية مبكراً. ويقول إن هذا التعاون يهدف إلى مساعدة الشباب الذين قد لا يملكون رفاهية التفرغ للدراسة بعد الثانوية بسبب الحاجة إلى العمل.
كما يوضح أن بعض الطلاب الذين يلتحقون بالمدرسة كانوا يعملون حلاقين في بلدانهم الأصلية قبل قدومهم إلى الولايات المتحدة، لكنهم يحتاجون إلى الحصول على الترخيص الرسمي للعمل هنا وفق القوانين المحلية. ويضيف أن هؤلاء غالباً ما يكتشفون أن المهنة تتطور باستمرار وأن هناك دائماً مهارات وتقنيات جديدة يمكن تعلمها مهما كانت سنوات الخبرة طويلة.
ويذكر الهاشمي أن الطلاب بعد التخرج يمكن أن تتاح لهم فرصة العمل في فروعه أو في محلات حلاقة شريكة موثوقة، إلى جانب إمكانية بدء مشاريعهم الخاصة بعد الحصول على الترخيص.
قصة عائلة مهاجرة
الهاشمي هو ابن مهاجرين من العراق، وُلد في مدينة فينيكس بولاية أريزونا الأميركية، بعد أن وصلت عائلته إلى البلاد قادمة من مخيمات اللاجئين في المملكة العربية السعودية أوائل تسعينيات القرن الماضي. وبعد سنوات قليلة من ولادته، انتقلت العائلة إلى نيويورك لفترة قصيرة قبل أن تستقر في نهاية المطاف في مدينة ديربورن بولاية ميشيغن، التي تضم أحد أكبر التجمعات العربية في الولايات المتحدة.
ويتذكر الهاشمي تلك المرحلة قائلاً إن والدته أحبّت المدينة فور وصولها إليها بسبب وجود مجتمع عربي كبير فيها، وهو ما جعل العائلة تشعر بأن ديربورن يمكن أن تكون المكان الذي تعتبره وطناً.
وكان لوالد الهاشمي تأثير كبير في تشكيل شخصيته ونظرته للحياة. فقد كان والده حاصلاً على شهادة في المحاماة، لكنه لم يتمكن من العمل في هذا المجال بعد انتقال العائلة إلى الولايات المتحدة. ومثل كثير من المهاجرين، اضطر إلى العمل في مجالات أخرى لإعالة أسرته والتكيف مع متطلبات الحياة الجديدة.
غير أن اللحظة التي غيّرت حياة الهاشمي جاءت عندما توفي والده بينما كان لا يزال في المدرسة الثانوية. ويقول: «عندما توفي والدي كنت في الصف العاشر، واضطررت إلى العمل فوراً لأساعد في إعالة الأسرة».
ويضيف أن تلك المرحلة أجبرته على تحمل مسؤوليات كبيرة في سن مبكرة، الأمر الذي جعله يترك الدراسة رغم أنه التحق لفترة قصيرة بكلية محلية وأكمل فصلين دراسيين قبل أن يقرر التركيز على العمل لإعالة أسرته.
من الحلاقة إلى ريادة الأعمال
مع مرور السنوات، استطاع الهاشمي تحويل عمله في الحلاقة إلى مشروع تجاري ناجح. فقد أسس عبر شركته عدة صالونات حلاقة في ضواحي ديترويت، بينما يجري العمل على افتتاح فرع إضافي في ليفونيا قريباً، كما أطلق الهاشمي علامة لمنتجات العناية بالشعر واللحية تُعرف باسم The Groomed Man، موسعاً نشاطه في مجال ريادة الأعمال ضمن قطاع العناية الشخصية.
ولم يقتصر نشاط الهاشمي على الأعمال التجارية فقط، بل ألّف أيضاً كتاباً بعنوان The Barber Al Story يروي فيه قصة حياته والتحديات التي واجهها منذ طفولته وحتى بناء مسيرته المهنية، بما في ذلك تجربته مع الهجرة والظروف الصعبة التي مر بها بعد وفاة والده، وكيف تمكن من تحويل تلك التحديات إلى دافع لتحقيق النجاح.
واكتسب الهاشمي شهرة واسعة من خلال جذبه لنجوم الرياضة في ديترويت، حيث بات يقصده لاعبو الفرق الكبرى مثل «ديترويت ليونز» و«ديترويت بيستونز» و«ديترويت ريد وينغز».
وحول ذلك، يشرح الهاشمي أن الفرصة أتيحت له من خلال أحد اللاعبين الذي كان يزور صالونه بانتظام ويبدي إعجابه بعمله، موضحاً أن اللاعب نفسه أذاع الخبر بين زملائه في الفريق. ومع مرور الوقت أصبح «باربر آل» معروفاً في أوساط الرياضيين المحترفين في ديترويت.
ويلفت مبتسماً إلى أن الأمر لم يعد يقتصر عليه شخصياً، إذ أصبح فريق الحلاقين الذين يعملون معه يشاركون في تقديم هذه الخدمة لنجوم الرياضة، وهو ما يعتبره دليلاً على نجاح رؤيته.
ديربورن على خريطة الحلاقة
يرى الهاشمي أن مدينة ديربورن لم تكن في السابق معروفة كمركز للحلاقة، لكن الأمور تغيرت في السنوات الأخيرة، وبات الزبائن يقصدونها بانتظام من جميع أنحاء ميشيغن.
ويقول إن العمل الذي قام به هو وفريقه ساهم في خلق معيار جديد في هذا المجال، حيث أصبحت ديربورن اليوم مقصداً للكثير من الأشخاص الذين يبحثون عن قصات شعر مميزة.
كما يشير إلى أن مهنة الحلاقة تشهد نمواً متسارعاً، موضحاً أن عدد الحلاقين اليوم أصبح ثلاثة أضعاف ما كان عليه قبل عشر سنوات، وهو ما يجعل الدور التنظيمي للمجلس الذي يعمل فيه أكثر أهمية من أي وقت مضى.
ووفقاً للهاشمي، فإنه رغم كثرة الصالونات في ديربورن، يعاني الحلاقون من صعوبة في تلبية الأعداد الهائلة للزبائن لاسيما في مواسم الأعياد، موضحاً أن عيد الفطر يُعد من أكثر الفترات ازدحاماً.
وأردف بأن هذه المناسبة تشبه إلى حد كبير مواسم الأعياد الأخرى من حيث الضغط على العمل، حيث يعمل الحلاقون لساعات إضافية لتلبية الطلب الكبير من الزبائن. وقال: «عيد الفطر من أكثر الأوقات ازدحاماً خلال السنة. كثير من الحلاقين يعملون لساعات طويلة، وأحياناً يبدأ العمل بعد صلاة الفجر ويستمر حتى وقت متأخر من الليل، لأن الجميع يريد أن يظهر بأفضل مظهر في العيد».
درس من رحلة طويلة
ورغم النجاحات التي حققها، لا يزال الهاشمي يؤكد أن الطريق لم يكن سهلاً، وأن التجارب الصعبة التي مر بها في حياته كانت جزءاً أساسياً من مسيرته، مستدركاً بأن أهم الدروس التي تعلمها هي أن «الأخطاء يمكن أن تكون مصدراً للتعلم والتطور».
وأضاف: «الأخطاء تعطي أفضل الدروس، لكن المهم ألا نكرّر الخطأ نفسه مرتين».
وبالنسبة له، فإن قصته ليست مجرد قصة نجاح فردية، بل مثال على ما يمكن أن يحققه الإصرار والعمل الجاد، خاصة عندما يقترن ذلك بالرغبة في ردّ الجميل للمجتمع والمهنة التي صنعت هذا النجاح.









Leave a Reply