التقرير الأسبوعي
أتمّ العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران أسبوعه الثاني، دون تحقيق أي من النتائج المرجوة في واشنطن وتل أبيب، حيث أظهر النظام الإيراني، قوة وصلابة فاقت التقديرات مع استمراره باستهداف العمق الإسرائيلي والقواعد الأميركية في منطقة الشرق الأوسط فضلاً عن إغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي الذي بدأ يرخي بظلاله على أسعار الطاقة عالمياً، ناهيك عن انتخاب مرشد جديد للثورة، السيد مجتبى خامنئي، الذي لم يبد أي تردد في مواصلة الحرب أو حتى توسيع رقعتها.
وأمام الصمود العسكري لإيران ومواصلتها قصف الأهداف الأميركية والإسرائيلية في المنطقة، وبينما يظهر الرئيس الأميركي تردداً في مواصلة العمليات العسكرية، تبنى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قراراً يدين الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة على عدة دول خليجية، وسط مخاوف من اندلاع مواجهة إقليمية أوسع وصدمة اقتصادية عالمية.
وطالب القرار، الذي تم تبنيه بأغلبية 13 صوتاً مؤيداً، وامتناع روسيا والصين عن التصويت، إيران بالوقف الفوري لهجماتها على الدول المجاورة، والكفّ عن تهديد حركة الملاحة الدولية عبر مضيق هرمز.
إلا أن القرار الذي طرحته البحرين نيابة عن مجلس التعاون الخليجي، بالاشتراك مع الأردن، لم يأت تحت الفصل السابع، وقوبل بانتقاد روسي–صيني لتركيزه بشكل شبه كامل على الرد الانتقامي الإيراني، بينما تجاهل «السبب الجذري» للأزمة؛ ألا وهو الضربات العسكرية الإسرائيلية والأميركية على الأراضي الإيرانية التي أطلقت شرارة التصعيد الحالي باغتيال المرشد السيد علي خامنئي وعدد من كبار القيادة صباح 28 شباط (فبراير) الماضي.
ووجهت طهران انتقاداً لاذعاً للقرار، متهمةً مجلس الأمن بتجاهل ما وصفته بـ«العدوان على السيادة الإيرانية».
وأكد المسؤولون الإيرانيون أن هجماتهم الصاروخية وهجمات الطائرات المسيرة تأتي في إطار رد انتقامي أوسع نطاقاً على الضربات الجوية التي أودت بحياة العديد من القادة الإيرانيين ودمرت منشآت عسكرية ونووية حيوية.
وتصرّ إيران على أن العديد من هجماتها استهدفت القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، وليس دول الخليج بحد ذاتها، وهو ما أسفر عن مقتل عدد من الجنود الأميركيين، لاسيما في الكويت.
وقد أدى اتساع نطاق الصراع إلى جرّ العديد من دول المنطقة إلى دائرة المواجهة، مما أثار مخاوف من أن تنزلق الحرب لتتحول إلى صراع أوسع نطاقاً في الشرق الأوسط.
وإذا كانت تصريحات ترامب تشي برغبة واضحة بعدم إطالة أمد الحرب مع اقتراب انتخابات الكونغرس الأميركي، لوّح المرشد الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، بتفعيل جبهات إضافية وإغلاق مضيق هرمز إذا استمرت الحرب، ما عمّق تورّط ترامب ورفع أسعار النفط، وسط شكوك أميركية بقدرته على إنهاء العدوان قريباً.
ويحذر المحللون من أن أي تعطل مستمر لحركة الملاحة في مضيق هرمز قد يُفجر أزمة طاقة عالمية كبرى.
وبالفعل، قفزت أسعار النفط لتتجاوز حاجز المئة دولار لبرميل برنت، مما يعكس المخاوف من تعطل إمدادات الطاقة ومسارات الشحن البحري الدولية.
وقد لوحت إيران مراراً باحتمالية تقييد حركة الشحن عبر هذا الممر المائي في حال استمرار الهجمات التي تستهدف أراضيها.
مرشد جديد
في بيان أول، شديد اللهجة، حذّر المرشد الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، من أنه «إذا استمرّ الوضع الحربي فسيتمّ تفعيل جبهات لا يملك العدو فيها خبرة»، ودعوته إلى الاستفادة «من كلّ الإمكانات لإغلاق مضيق هرمز»، وهو ما دفع بأسعار النفط العالمية إلى تحقيق قفزة كبيرة رغم تأكيد طهران أن الملاحة عبر المضيق ستبقى متاحة فقط للأصدقاء.
وفي بيان تُلي عبر التلفزيون الإيراني، أشار خامنئي إلى أن «إيران أفشلت مساعي تقسيمها. وسدّت قواتنا طريق العدو بضرباتها القوية. وأخرجته من وهم إمكانية السيطرة على وطننا وتجزئته»،
وأكّد خامنئي «أننا لن نتراجع عن الانتقام لدماء شهدائنا»، مضيفاً أن «كل شهيد من أبناء شعبنا سيكون له انتقام خاص. ولن نتوانى عن الانتقام للجرائم التي ارتكبها العدو ولا سيما جريمة مدرسة ميناب» في غرب إيران، حيث أدّى قصف أميركي لمدرسة للبنات إلى مقتل وجرح مئات الأشخاص. واعتبر المرشد أن «جبهة المقاومة جزء لا يتجزّأ من قيم الثورة الإسلامية»، موجّهاً الشكر إلى «مقاتلي جبهة المقاومة التي نعدّ دولها أفضل أصدقائنا». ولفت إلى أن «حزب الله المضحّي جاء لنصرة الجمهورية الإسلامية على الرغم من جميع العوائق. ومقاومة العراق سلكت بشجاعة نهج نصرة الجمهورية الإسلامية».
وبالتزامن، تواصلت الضربات الإيرانية بالصواريخ والمُسيّرات على إسرائيل، وكذلك على القواعد والمنشآت الأميركية في الخليج، في مقابل استمرار الغارات الأميركية والإسرائيلية على إيران.
وحذر الحرس الثوري الإيراني، في بيان له، الجنود الأميركيين من البقاء في المنطقة، مهدداً إياهم بضرورة «المغادرة فوراً، وإلا فسيدفنون تحت الأنقاض أينما كانوا» لاسيما في الفنادق والأنفاق والمدن الصناعية والملاجئ تحت الأرض.
وبغض النظر عن سياسات المبالغة والتعتيم التي تعتمدها الأطراف كافة، تكشّفت مجريات الأسبوع الثاني من الحرب عن قدرات عسكرية إيرانية عالية، لا يبدو أنها تأثرت كثيراً بالغارات الجوية الأميركية الإسرائيلية المستمرة، حيث لم تنقطع موجات الصواريخ الإيرانية عن الكيان والقواعد الأميركية في العراق والأردن والخليج، فيما ساهم دخول «حزب الله» على خط المواجهة إلى تعميق مأزق دولة الاحتلال ورئيس حكومتها بنيامين نتنياهو الذي يصرّ على مواصلة الحرب بعدما نجح في توريط ترامب والولايات المتحدة.
تخبّط ترامب
يأتي هذا في وقت تتضارب فيه التقديرات حول موعد إعلان ترامب نهاية العدوان، علماً أن تحليلات أميركية خلصت إلى أن الرئيس ربما لا يكون قادراً على إنهاء الحرب حتى لو أراد الخروج منها، بحسب «سي أن أن».
وفي أحدث تصريحاته المتضاربة، قال الرئيس الأميركي لموقع «أكسيوس» إن الولايات المتحدة لم يعد لديها الكثير من الأهداف المتبقية داخل إيران، مضيفاً أن الحرب مع طهران ستنتهي قريباً.
غير أن موقع «أكسيوس» نفسه، نقل عن مصدر أميركي، بأن «ترامب متحمّس لمواصلة القتال لمدّة ثلاثة إلى أربعة أسابيع أخرى على الأقلّ قبل اتخاذ أيّ قرار»، ونسبت القناة «12» الإسرائيلية إلى مصادر القول إن «الرئيس الأميركي لا ينوي وقف العمليات العسكرية في غضون أسبوعين أو ثلاثة لكننا نستعدّ لهذا الاحتمال»، وإن «ترامب كان غامضاً، وأعطى انطباعاً بأنه يريد وقف القتال، بينما خرج آخرون بانطباع آخر».
وفي المقابل، قالت صحيفة «يسرائيل هيوم»، نقلاً عن مصدر، إن «ترامب يريد إنهاء الحرب في إيران، وقد حدّد لإسرائيل أسبوعاً واحداً لإنهائها»، وإن «النظام في طهران لن يتغيّر إلا بغزو بري، أو استئناف التظاهرات، ولا يبدو هذا مُرجّحاً في المستقبل القريب».
وكان ترامب قد بدأ العدوان بخطاب المنتصر حيث ردد مراراً بأنه سيقوم باختيار المرشد الجديد بنفسه فضلاً عن حديثه حول اتصال الإيرانيين به للتفاوض، وهو ما نفته طهران جملة وتفصيلاً.
ويزداد مأزق ترامب وضوحاً في قضية تأمين حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، حيث تشير تقييمات الخبراء العسكريين والمسؤولين الأميركيين إلى أن إعادة فتح المضيق بالقوة العسكرية دونها عقبات استراتيجية وتشغيلية هائلة تجعل من النجاح الفوري أمراً مستبعداً.
وبينما يهدد الرئيس الأميركي برد «غير مسبوق» على إغلاق هرمز، تعترف القيادات العسكرية سراً بعدم امتلاكها خطة آمنة وواضحة لفك الحصار.
وقد صرّح السيناتور الديمقراطي كريس مورفي بعد إحاطة سرية في الكونغرس بأن «القيادات العسكرية لا تعرف كيف تعيد فتح المضيق بأمان»، وهو اعتراف يكشف فجوة خطيرة بين التصريحات السياسية العلنية والواقع العملياتي على الأرض، ويشير إلى أن البنتاغون يفتقد لخطة مجرّبة ومضمونة للتعامل مع السيناريو الأسوأ.
نتنياهو يتوعد
على الجانب الإسرائيلي، هدد رئيس وزراء دولة الاحتلال، باغتيال المرشد الإيراني الجديد، وقال في أول مؤتمر صحفي له منذ بدء الحرب إن تل أبيب «حققت إنجازات كبيرة ستغير الموازين في الشرق الأوسط».
وبعد قرابة الأسبوعين من بدء الحرب، قال نتنياهو في حديثه المفترض مع الصحفيين عبر الفيديو، إن الجيش الإسرائيلي يضرب بقوة، الحرس الثوري الإيراني والباسيج (قوات التعبئة في إيران) في مقارهما وحواجزهما وإن إيران لم تعد كما كانت قبل بدء الهجمات الأميركية الإسرائيلية المشتركة عليها. وأضاف «لو لم نتحرك ضد إيران لأصبحت صناعاتها العسكرية محصّنة جداً تحت الأرض»، واصفاً إيران بأنها «الخطر الأكبر على إسرائيل».
وفي مؤشر على عدم تخليه عن هدف إسقاط النظام، الذي يبدو بعيد المنال حالياً، قال نتنياهو إن إسرائيل تعمل على «توفير الظروف للشعب الإيراني من أجل طرد النظام»، متحدثا عن «اقتراب حرية الشعب الإيراني ولكنها بيد الشعب وحده».
وكشفت تصريحات نتنياهو عن رغبته في مواصلة الحرب بمساعدة الولايات المتحدة، واصفاً علاقته مع ترامب بأنها أقوى بكثير مما كانت عليه سابقاً بين أي رئيس أميركي ورئيس وزراء إسرائيلي.
جبهة لبنان
حول اشتعال الجبهة اللبنانية، أكد نتنياهو أن «حزب الله سيدفع ثمناً باهظاً لعدوانه». وأضاف أن إسرائيل «تسحق إيران و«حزب الله» وأن المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي «لا يستطيع أن يظهر علناً».
وسُئل نتنياهو عن الإجراءات التي قد تتخذها إسرائيل مع الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم فأجاب بأنه: «لن يضمن حياة أي من قادة هذه المنظمة الإرهابية» موضحاً أنه لا ينوي توجيه رسالة محددة حول ما يخطط له في لبنان.
وواصل كلامه بالقول: «أبلغت الحكومة اللبنانية قبل أيام: إنكم تلعبون بالنار إذا استمررتم في السماح لـ«حزب الله» بالتحرك، في انتهاك لتعهدكم بنزع سلاحه… حان الوقت لتفعلوا ذلك. وإذا لم تفعلوا، فمن الواضح أننا سنفعل».
وكان «حزب الله» قد استغل اندلاع الحرب مع إيران ليعيد فتح الجبهة مع إسرائيل بعد ١٥ شهراً من الاعتداءات من جانب واحد.
ووفقاً لتقارير حكومية، قاربت حصيلة ضحايا الحرب على لبنان حوالي 650 شهيداً و1,600 جريح في غضون عشرة أيام من التصعيد، فيما ناهز عدد المهجرين ٨٠٠ ألف نسمة.
ميدانياً، تواصل المقاومة، التصدي لقوات الاحتلال برّاً ومهاجمة الأراضي المحتلة بالصواريخ والمسيّرات جواً، في حين يتخذ العدوان الإسرائيلي طابعاً تصعيدياً ضد المدنيين، حيث انتهجت إسرائيل سياسة التهجير الجماعي من محافظتي البقاع والجنوب والضاحية الجنوبية، قبل أن تباشر في الأسبوع الماضي بشن هجمات متفرقة على الأحياء الآمنة داخل العاصمة بيروت في محاولة حثيثة لبث الذعر في نفوس المواطنين وتأليبهم على المقاومة بالتوازي مع زيادة الضغط على الحكومة اللبنانية للمضي قدماً في مهمة نزع سلاح «حزب الله».
وبعد عام ونيف من عدم الرد على الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، فاجأت المقاومة الإسلامية في لبنان، الصديق قبل العدو بقدراتها الدفاعية والهجومية على حد سواء، حيث تفاجئ جيش الاحتلال بمقاتلي المقاومة عند الحافة الأمامية فيما تنهمر الصواريخ والمسيرات على الداخل الإسرائيلي يومياً منذ إعادة فتح الجبهة في الثاني من آذار (مارس) الجاري.
وبينما يجري تداول معلومات بشأن زج نظام أحمد الشرع في دمشق بالمواجهة مع «حزب الله»، أكد مسؤولون عراقيون أنهم لن يترددوا في الدفاع عن لبنان والمقاومة اللبنانية، منذرين بانفلات الصراع في المنطقة.
وعلى وقع سلسلة من الهجمات والاستهدافات التي طالت مواقع لـ«الحشد الشعبي» ومنشآت حيوية، أصدرت قوى «المقاومة الإسلامية في العراق» بياناً تحذيرياً شديد اللهجة، توعّدت فيه بتحويل المنطقة إلى «ساحة مفتوحة للنار»، في حال حصول أيّ تحرك عسكري من قبل السلطة الجديدة في سوريا، بالتنسيق مع الولايات المتحدة وإسرائيل، في اتجاه لبنان. كما حذّر زعيم «التيار الوطني الشيعي»، مقتدى الصدر، من «أن هناك من المرجفين من يريد تأجيج النفَس الطائفي في المنطقة».
ويمثّل البيان الذي صدر عن «تنسيقية المقاومة» نقطة تحوّل في الخطاب السياسي والأمني داخل العراق؛ إذ وجّه تحذيراً مباشراً إلى الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، منبّهاً إلى أن أيّ تحرك عسكري نحو الأراضي اللبنانية سيُعدّ «إعلان حرب على محور المقاومة بأكمله».
وأكّدت «التنسيقية» أن فصائل المقاومة التي «أذاقت القوات الأميركية الويلات»، وتمكّنت من مواجهة تنظيم «داعش» سابقاً، تمتلك القدرة على الردّ بقوة على أيّ محاولة تستهدف بيئة المقاومة أو «حزب الله» في لبنان. وأشارت إلى أن المقاومة «تراقب عن كثب غدر السلطة الجديدة في سوريا وتنسيقها مع العدو الصهيوأميركي»، مهدّدةً بأن أيّ انتهاك لسيادة لبنان سيقابله ردّ واسع.
وفي السياق نفسه، حذّر الصدر من التأجيج الطائفي في المنطقة، مطالباً العراقيين بسنّتهم وشيعتهم بالتحلّي بالحكمة، وأن «يعوا مقدار الخطر المحدق بهم».







Leave a Reply