بخبرة مهنية طويلة وخلفية ثقافية غنية
حسين فرحات يقود شرطة هامترامك: الثقة أساس الأمن
هامترامك – إبتسام خنافر
في مدينة هامترامك، لا يمكن اختزال الأمن في أرقام أو إحصاءات، ولا في سرعة الاستجابة وحدها، بل في القدرة على فهم مجتمع معقّد، متعدّد الثقافات، ومتداخل الهويات. هنا، حيث تتجاور اللغات وتلتقي التجارب، يقدّم القائم بأعمال قائد الشرطة المحلية، حسين فرحات، نموذجاً مختلفاً يسعى من خلاله إلى إعادة تعريف العلاقة بين الشرطة والمجتمع المحلي استناداً إلى قاعدة واضحة تقضي بأن الثقة هي الركيزة الأساسية للأمن.
«صدى الوطن» التقت الشرطي المخضرم في مكتبه الجديد في هامترامك بعد أسابيع قليلة من تعيينه في قيادة الدائرة بشكل مؤقت، حيث أكد للصحيفة حرصه التام على النجاح في مهمته الجديدة التي يعتبرها جزءاً لا يتجزأ من منظومة حكومية واجتماعية أوسع.
وقال: «الأمن الحقيقي لا يبدأ عندما تقع الجريمة أو عند إلقاء القبض على المجرم.. بل يبدأ عندما يشعر الناس أنك معهم. فإذا لم تكن هناك ثقة، فلن يفلح أي نظام أمني مهما كان متطوراً».
منذ توليه منصبه في وقت سابق من العام الجاري، بدأ فرحات بمراجعة شاملة لكل تفاصيل العمل داخل شرطة هامترامك، ليس فقط على المستوى التشغيلي، بل على مستوى الثقافة المؤسسية، واضعاً هدفاً واضحاً نُصب عينيه، وهو: تحويل الدائرة إلى مؤسسة فعالة تفهم المجتمع المحلي، وتعكس نسيجه الثقافي.
باختصار، يريد فرحات لشرطة هامترامك أن تعمل مع سكان المدينة، لا أن تكون رقيباً عليهم.
ويتمتع فرحات الذي يتحدث اللغتين العربية والإنكليزية بطلاقة، بمسيرة مهنية حافلة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود في سلك إنفاذ القانون على المستويين المحلي والفدرالي، وكان آخرها توليه منصب نائب قائد شرطة ديربورن هايتس عام 2024، مما يجعله مؤهلاً فوق العادة لقيادة شرطة هامترامك نحو الاستقرار والنجاح نظراً لتشابه مجتمعي المدينتين من حيث التنوع الإثني والديني.
وبالإضافة إلى شرطة ديربورن هايتس، خدم فرحات في كلّ من شرطة مقاطعة وين وشرطة مدينة روميلوس وإدارة مكافحة المخدرات الفدرالية DEA، فضلاً عن تولّيه منصب مدير الطوارئ في ديربورن هايتس.
ومما لا شك فيه، أن خبرة فرحات المهنية وخلفيته الثقافية الغنية، ساهمتا في نيله ثقة مجلس هامترامك البلدي لقيادة الشرطة المحلية مؤقتاً بعد الاضطرابات والخلافات الداخلية التي عانت منها الدائرة خلال السنوات الأخيرة والتي أسفرت عن استقالة قائد الدائرة السابق جميل الطاهري الذي غادر منصبه في الخريف الماضي.
إدارة التنوّع
يدرك فرحات تماماً، حجم الصعوبات التي قد يواجهها قادة الشرطة التقليديون في فهم مجتمع هامترامك المتنوع والتعامل معه، إذ تضم المدينة الصغيرة مجتمعات يمنية وبنغالية وبولندية وبوسنية وأفريقية أميركية، و«لكل منها خصوصياتها الثقافية والاجتماعية، وتوقعاتها المختلفة من الشرطة» وفق تعبيره.
هذا الواقع، بالنسبة له، لا يمكن أن يُدار بالأدوات التقليدية، بل بفهم عميق للسياق الاجتماعي، موضحاً لـ«صدى الوطن» بأنه «لا يمكن تطبيق نموذج واحد على الجميع، لأنك لا تتعامل مع مجتمع واحد. نحن هنا نتعامل مع فسيفساء ثقافية داخل مدينة واحدة».
بناءً على ذلك، تقوم مقاربة فرحات –في المقام الأول– على بناء علاقات مباشرة مع المجتمع المحلي، سواء عبر تعزيز الشراكات مع المدارس وتعيين ضباط مخصصين لها، أو التواصل المباشر مع قيادات المجتمع المحلي من مختلف الإثنيات والثقافات، فضلاً عن زيادة التنسيق مع شرطة ولاية ميشيغن وشرطة مقاطعة وين.
وخلال جلسة التصويت على تعيينه في كانون الثاني (يناير) الماضي، قال فرحات لمسؤولي بلدية هامترامك إن أولوياته تتضمّن إجراء تقييم شامل ومعمّق للدائرة، يبدأ بعقد لقاءات فردية مع كافة الضباط والعناصر «لفهم وضع الدائرة الحالي، وتحديد قدراتنا الأساسية ومواطن النمو، والتأكد من أن كل عضو يشعر بأنه مسموع وذو قيمة بينما نمضي معاً نحو الأمام»، مشدداً على أن نهجه القيادي يقوم بالأساس على فلسفة التعاون الجماعي والشفافية مع كافة الجهات ذات الصلة.
الاستعانة بالتكنولوجيا
بالتوازي مع العمل المجتمعي، يقود فرحات عملية تحديث تكنولوجي شاملة داخل شرطة هامترامك، بما في ذلك، إدخال أنظمة مراقبة متقدمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وأنظمة قراءة لوحات المركبات، وربط التقاطعات الحيوية بمراقبة مباشرة، إضافة إلى التحضير لاستخدام كاميرات الجسم والطائرات بدون طيار على نطاق واسع.
لكن التكنولوجيا ليست هي الحل. يقول فرحات: «يمكنك أن تمتلك أفضل الأنظمة الحديثة لكن إذا لم تكن لديك علاقة متينة مع المجتمع، فلن تتحقق النتائج المرجوة».
وتجدر الإشارة إلى أن هامترامك، البالغ عدد سكانها نحو 28 ألف نسمة، تعاني تاريخياً من معدلات جريمة مرتفعة، بسبب موقعها الجغرافي في قلب مدينة ديترويت التي لطالماً اشتهرت بلقب «عاصمة الجريمة» في الولايات المتحدة قبل التحسن الأمني الملحوظ التي طرأ عليها في السنوات القليلة الماضية.
تجربة مهاجر
فرحات المولود في بلدة برعشيت بجنوب لبنان، هاجر طفلاً إلى الولايات المتحدة ليستقرّ مع عائلته المكوّنة من سبعة أفراد في الطرف الجنوبي من مدينة ديربورن (منطقة ديكس).
تجربة الهجرة لم تكن سهلة، لكنها كانت حاسمة في تشكيل شخصيته، «فعندما تبدأ من الصفر، تتعلم كيف تعتمد على نفسك، وكيف تفهم الناس من حولك»، بحسب فرحات.
وفي بيئة متعددة الثقافات، تعلّم فرحات مبكراً كيف يتعامل مع التنوع والاختلاف، وهي ميزة أصبحت لاحقاً عنصراً أساسياً في مسيرته المهنية الطويلة في إنفاذ القانون.
فرحات، الحائز على شهادة جامعية في التعليم من «جامعة إيسترن ميشيغن»، أكد لـ«صدى الوطن» أنه لم يكن يرى في مسيرته الأكاديمية نهاية الطريق، بل بداية لفهم أعمق لدور الإنسان داخل المجتمع، وكيفية التأثير في سلوكه وبناء وعيه.
ويشير إلى أن دراسته في التعليم، منحته أدوات لفهم الآخر، والتعامل مع المواقف المتعارضة، وهو ما انعكس لاحقاً على أسلوبه في التدريب والقيادة.
وفي الوقت الذي كان يواصل فيه دراسته، اتخذ فرحات قراراً مفصلياً بالالتحاق بأكاديمية الشرطة، في خطوة جمعت بين المعرفة الأكاديمية والتطبيق العملي. «كنت أؤمن أن التعليم يبني مستقبل الإنسان… لكنني أردت أن أكون في موقع أستطيع فيه أن أُحدث تأثيراً إيجابياً فورياً في حياة الناس اليومية».
مسيرة حافلة
بدأ مسيرته عام 1995 في جهاز الشريف في مقاطعة وين، ثم انتقل إلى شرطة مدينة روميلوس، حيث اكتسب خبرة ميدانية عميقة، من خلال العمل في الدوريات والتعامل المباشر مع قضايا المجتمع اليومية.
لكن ما أعطى هذه المرحلة بعداً استثنائياً، كان دوره في تدريب الكوادر الشرطية، حيث عمل مدرباً في أكاديمية الشرطة الإقليمية، وساهم خلال خمس سنوات في تدريب أكثر من 500 ضابط.
وفي هذا الصدد، يقول لـ«صدى الوطن»: «التدريب هو استثمار في المستقبل… لأن كل ضابط سيؤثر على مئات الأشخاص».
كذلك، كان فرحات في تلك المرحلة من بين الضباط العرب الأميركيين القلائل الذين شغلوا هذا الدور، ما جعله نموذجاً مهنياً داخل المؤسسة.
مع انتقاله إلى التحقيقات، بدأ العمل على قضايا أكثر تعقيداً، وانضم إلى فريق عمل تابع لإدارة مكافحة المخدرات الأميركية، حيث عمل ضمن فريق مشترك ضم جهات محلية وولائية وفدرالية لمكافحة شبكات إجرامية مرتبطة بالمخدرات والجريمة المنظمة.
هذه الخبرة لفتت أنظار جهات فدرالية عدّة، حيث تلقى فرصاً من مكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي آي) ووكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أي)، إلى جانب إدارة مكافحة المخدرات، فاختار الاستمرار مع الأخيرة، مفضّلاً البقاء قريباً من ديترويت وخدمة مجتمعه.
وخلال هذه المرحلة، لعب دوراً في التنسيق بين الجهات المحلية والفدرالية، وساهم في نقل قضايا من المستوى المحلي إلى الملاحقات الوطنية، عبر تنسيق مباشر بين الجهات المحلية وشرطة ولاية ميشيغن والوكالات الفدرالية، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الملاحقات وتوسيع نطاق التحقيقات.
لاحقاً، انتقل إلى تحقيقات الأمن الداخلي، حيث توسعت مهامه لتشمل قضايا دولية مرتبطة بتهريب المخدرات والإرهاب، من خلال عمله في مطار ديترويت الدولي.
امتدت هذه المرحلة بين عامي 2010 و2015، حيث شارك في تحقيقات امتدت إلى إفريقيا وأميركا الجنوبية وآسيا، ما منحه خبرة واسعة في التعامل مع شبكات عابرة للحدود.
ويقول: «عندما تعمل على هذا المستوى، تدرك أن الجريمة لا تعرف حدوداً، وأن التعاون الدولي هو الأساس».
العودة إلى المجتمع
رغم عمله على المستويين الوطني والدولي، فضّل فرحات العودة إلى العمل المحلي، حيث تولى التحقيق في أعتى الجرائم العنيفة، بما في ذلك جرائم القتل والسطو المسلح.
هذا القرار، لم يكن تراجعاً، بل ترجمة عملية لكل ما اكتسبه من خبرات، في بيئة يعرفها جيداً. «أردت أن أعود إلى الناس… وأن أستخدم كل ما تعلمته لخدمة المجتمع»، يقول فرحات.
في آذار (مارس) 2024، تولّى منصباً مدنياً لأول مرة، بتعيينه مديراً لإدارة حالات الطوارئ في بلدية ديربورن هايتس، حيث أشرف على إدارة الأزمات، مثل الفيضانات والعواصف وانقطاع الكهرباء، في بيئة تتطلب قرارات سريعة ومرافبة دقيقة.
وبحلول أيلول (سبتمبر) من العام نفسه، تولّى فرحات منصب مدير العمليات في شرطة ديربورن هايتس، قبل أن يُرقّى إلى نائب قائد الدائرة، حيث تولى مهام قيادة الشرطة مؤقتاً، في قرار عكس ثقة المسؤولين بقدراته القيادية، لاسيما وأن شرطة المدينة كانت تمر بفترة اضطرابات شديدة وتغييرات متتالية في القيادة.
وفي وقت سابق من العام الجاري، باشر فرحات عمله الجديد كقائد مؤقت لشرطة هامترامك، متخذاً مبدأ التشارك عنواناً لخدمته. ويقول: «لا أدير القسم كشخص واحد… فالجميع لديهم صوت، والجميع جزء من القرار».
تنوع الدائرة
في إطار رؤيته لتعزيز حضور الشرطة داخل المجتمع، يؤكد فرحات أن القسم يسعى إلى استقطاب كفاءات جديدة تعكس تنوع المدينة، وتؤمن برسالة الخدمة العامة.
وأوضح لـ«صدى الوطن»: «نحن لا نبحث فقط عن موظفين، بل عن أشخاص يؤمنون برسالة خدمة المجتمع، ولديهم شغف حقيقي بأن يكونوا جزءاً منه».
ودعا فرحات الراغبين في الانضمام إلى بلدية هامترامك أو إلى قسم الشرطة إلى المبادرة والتواصل عبر البريد الإلكتروني: ngola*hamtramckcity.gov «للمساهمة في بناء مجتمع أكثر أماناً وتماسكاً».
العائلة مصدر الإلهام
رغم مسيرته المهنية الطويلة التي امتدت بين العمل الميداني والتحقيقات الفدرالية والدولية والقيادة الإدارية، يحرص فرحات على الحفاظ على «التوازن» في حياته الشخصية، حيث يؤكد أن العائلة تبقى عنصراً أساسياً في استقراره.
ويشير فرحات الزوج والأب لفتاتين إلى أن العائلة تمنحه منظوراً مختلفاً في العمل، خاصة في تعامله مع قضايا المجتمع والأسرة والشباب.
ويقول: «عندما تكون أباً، ترى الأمور بشكل مختلف… تفكر دائماً في المستقبل، وفي نوع المجتمع الذي نريد أن نتركه لأبنائنا».
الثقة… أساس كل شيء
في ختام حديثه، يعود فرحات إلى الفكرة التي تختصر مقاربته لعمل الشرطة: «من دون ثقة الناس، لا يوجد أمن»، مؤكداً أن تطوير أداء الشرطة لا يقتصر على تحديث الأدوات، بل يشمل ترسيخ الشفافية، وبناء علاقة حقيقية مع المجتمع، قائمة على الثقة والتواصل، لأن الأمن –في نظره– لا يُفرض، بل يتشكل من داخل المجتمع نفسه.







Leave a Reply