«ديترويت نيوز» تواصل حملة التحريض ضدّ مجتمعنا
لم يكد يجف حبر التقرير التحريضي الذي نشره جورج هانتر في صحيفة «ديترويت نيوز» يوم الخميس 26) آذار (مارس الفائت، والذي تعمد فيه شيطنة المجتمعات العربية والإسلامية في منطقة ديترويت الكبرى على خلفية الهجوم الذي شنّه أميركي من أصول لبنانية على مركز يهودي ببلدة وست بلومفيلد، حتى طالعتنا الصحيفة ذاتها يوم الأربعاء المنصرم بمقال لرئيس تحرير قسم الرأي في الصحيفة الديترويتية نولان فينلي، ليؤكد للقاصي والداني أن النهج الذي تتبعه هذه الصحيفة ليس مجرد سقطة مهنية عابرة، بل هو استراتيجية ممنهجة لتصوير الجالية العربية كبؤرة داعمة للإرهاب.
ففي مقاله المعنون «الحجة ضد حزب الله»، لم يكتفِ الكاتب المحافظ بممارسة دور الواعظ الأخلاقي عبر استغلال حادثة جنائية معزولة، بل أعاد تدوير مواقفه المعروفة بكونها صدى مباشراً للأجندات المتطرفة المناصرة لإسرائيل.
فهجوم فينلي الأخير على مجتمعنا لا يخرج عن سياقه المعتاد ككاتب يفتقر لأدنى درجات الموضوعية والنزاهة عندما يتعلق الأمر بالعرب والمسلمين، حيث تذوب لديه الفوارق بين التحليل السياسي وبين التمييز العنصري الذي يسعى لتجريم الموقف الوطني والسياسي لمكون أساسي من نسيج ولاية ميشيغن.
يبدو أن فينلي قد التقط الإشارة لإعادة إنتاج سردية التشويه ضد العرب والمسلمين الأميركيين من البيان التحريضي الذي أصدره «الاتحاد اليهودي في ديترويت» عقب تقرير هانتر، وهو البيان الذي لم يكن مجرد تعبير عن القلق، بقدر ما كان محاولة واضحة لفرض وصاية سياسية وأخلاقية على القيادات المحلية في منطقة ديربورن.
في المقال آنف الذكر، يتبنى فينلي مضامين البيان الذي أصدره «الاتحاد اليهودي» والذي أعرب فيه عما أسماه «القلق العميق إزاء التصريحات الأخيرة الصادرة عن أفراد بارزين يثنون فيها على حزب الله المصنّف كمنظمة إرهابية في الولايات المتحدة، ويقللون من شأن الهجوم على: معبد إسرائيل».
ولم يسم لنا الاتحاد اليهودي، ولا فينلي كذلك، من هم «هؤلاء الأفراد الذين يثنون على حزب الله»، مفضلين لغة التعميم الضبابية كأداة للتحريض الجماعي. لقد تجاهل الاتحاد اليهودي تماماً، الإدانات الصريحة والواسعة التي أصدرتها الفعاليات العربية والإسلامية منذ اللحظات الأولى للهجوم على «معبد إسرائيل» يوم 12 مارس الماضي، مؤكدين رفضهم القاطع لكل ما يهدد سلامة وأمان المجتمعات اليهودية في ولاية ميشيغن، وفي عموم الولايات المتحدة.
وأما فينلي الذي يفترض به –كصحفي مخضرم– التوثق من الحقائق، فقد فضّل دفن رأسه في الرمال.
فالمقال الذي جاء في أعقاب المؤتمر الصحفي الذي عقده مكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي آي) و المدعي العام الفدرالي في ديترويت جيروم غورغان الاثنين الماضي، سلك مسلكاً فجاً، وخلط الأوراق بشكل متعمد بغية تعزيز وجهة نظر مسبقة، إذ قفز فينلي فوق حقيقة أن التحقيقات الرسمية، رغم كل محاولات التسييس، لم تثبت وجود شريك واحد ساعد في تنفيذ الهجوم المدان الذي نجدد استنكارنا له مرة أخرى.
وتشير جميع الدلائل إلى أن أيمن غزالة، الذي هاجر إلى الولايات المتحدة عام 2011 وحصل على الجنسية الأميركية عام 2016، قد أقدم على فعلته بدافع انتقامي بحت إثر مقتل شقيقيه وطفلي أحدهما في غارة إسرائيلية استهدفت منزلهم ببلدة مشغرة البقاعية في شرق لبنان، وإن ما أثبتته التحقيقات من متابعته لمجريات الحرب عبر منصات إعلامية كقناة «المنار» وغيرها، لا يمكن بحال من الأحوال أن يُعد دليلاً على وجود تحريض أو توجيه من «حزب الله» أو أية جماعة متعاطفة معه في ميشيغن، فمتابعة الأخبار في ظل الفواجع الشخصية وفقدان العائلة تحت الأنقاض هي فعل طبيعي للبحث عن الحقيقة وسط الركام.
ويستند فينلي إلى رواية مكتب التحقيقات الفدرالي ليزعم بأن اقتحام أيمن غزالة للمركز اليهودي كان «تنفيذاً لأيديولوجية حزب الله»، مستشهداً برسالة المنفذ الأخيرة إلى عائلته، التي توعّد فيها بقتل أكبر عدد ممكن «منهم». واستنتج فينلي بأن غزالة كان يقصد قتل الأطفال اليهود في معبد إسرائيل، مدعياً أن ذلك تطبيق لأيديولوجيا «حزب الله»، دون أن يكلف نفسه عناء البحث والتقصي ليدرك بأن الحزب ليس سوى حركة مقاومة تحظى بشرعية دولية من منطلق حقها في الدفاع عن الأرض.
ويكاد فينلي يذرف دموع التماسيح هنا، وهو الذي لم ينبس ببنت شفة إزاء مقتل أكثر من 70 ألفاً في قطاع غزة معظمهم من الأطفال، كما لم يبد ذرة تعاطف واحدة مع الأسر اللبنانية الأميركية التي فقدات عشرات الأطفال من أقاربها خلال الشهر الماضي، بمن فيهم طفلا شقيق غزالة، علي (8 سنوات) ومريم (6 سنوات).
ومثل هذا التباكي الكاذب من كاتب يتجاهل مقتل نحو 1,400 لبناني وإصابة الآلاف وتشريد زهاء 1.3 مليون إنسان منذ تجدد العدوان الإسرائيلي في الثاني من مارس الماضي، يكشف عن سقوط أخلاقي مريع، فبينما يختلق فينلي أوصافاً إرهابية لمنفذ «مضطرب» ليدين مجتمعاً بأكمله، بغضّ الطرف عن جرائم إبادة موثقة بالصوت والصورة، مما يؤكد أن دافعه ليس حماية الأطفال أو استنكار العنف، بل هو توظيف لمأساة إنسانية خدمةً لأجندة سياسية معروفة سلفاً.
كذلك، ينتقد فينلي تسريباً صوتياً للمرشح الديمقراطي في سباق مجلس الشيوخ الأميركي، عبدول السيد، يظهر فيه وهو يوجه موظفيه لتجنب اتخاذ موقف من اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، مبرراً ذلك بـ«مراعاة مشاعر الحزن» لدى شريحة واسعة من سكان ديربورن. ويرى فينلي أن وصف السيد لهذا التسريب بأنه «تشتيت للانتباه» يعكس استخفافاً بمخاوف أهالي طلاب المعبد اليهودي، الذين يربطون بين الدعم الإيراني لـ«حزب الله» وبين التهديد الذي تعرض له أطفالهم.
والحق أن موقف السيد يعكس إدراكاً عميقاً بأن خامنئي ليس مجرد زعيم سياسي، بل هو مرجع ديني يقلده ملايين الشيعة حول العالم، من بينهم شريحة واسعة في ديربورن، ومراعاة السيد لهذه الحساسية الروحية تبرهن على مسؤولية رجل دولة يحترم التعددية، في حين أن ثقافة فينلي الضحلة لا تؤهله لفهم هذا التمايز، فهو يعجز عن التمييز بين المرجعية الروحية والتجاذبات السياسية، مفضلاً حصر القضايا المعقدة في قوالب نمطية ضيقة تفتقر لأدنى مستويات المعرفة والمهنية.
ويواصل فينلي مغالطاته حين يستشهد بما نشرته صحيفة «ديترويت نيوز» في وقت سابق حول الجدل المحلي بشأن ما إذا كان حزب الله «جماعة إرهابية أم مؤسسة خيرية»، موجهاً سهامه نحو شخصيات بارزة في مجتمع اللبنانيين الأميركيين في ديربورن، وفي مقدمتهم ناشر «صدى الوطن» أسامة السبلاني، الذي وصفه فينلي بأنه «أحد أبرز رجال الأعمال في ديربورن»، منتقداً تكرار السبلاني لمقولته الشهيرة: «مقاتل الحرية في نظر البعض، إرهابي في نظر آخرين».
ومحاولة فينلي تجريم هذه المقولة تعكس ضيقاً في الفهم والخبرة السياسية، إذ أن هذه العبارة تختزل جوهر الخلاف السياسي والقانوني العالمي حول حركات التحرر الوطني في العالم أجمع، فبينما يصر فينلي على فرض رؤية أحادية الجانب، يذكّر السبلاني وبقية المدافعين عن الحقوق العربية بأن تصنيف الإرهاب غالباً ما يُستخدم كأداة سياسية لتجريد المقاومين من مشروعيتهم، وأن ما يراه فينلي «إرهاباً» يراه الآخرون حول العالم دفاعاً مشروعاً عن الحقوق الوطنية والإنسانية.
وربما ليس من المفيد، في ظل هذه العقلية الإقصائية، تذكير فينلي بأن التاريخ القريب يفيض بالأمثلة التي تدحض منطقه الملتوي، فالزعيم الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا، الذي بات اليوم أيقونة عالمية للدفاع عن الحرية والحقوق الإنسانية، ظل مصنفاً كـ«إرهابي» في السجلات الرسمية للولايات المتحدة حتى وقت قريب.
أما وصف فينلي لأسامة السبلاني بـ«رجل أعمال» فهو أمر يثير السخرية حقاً، ويكشف عن مدى استخفافه بالحقائق أو جهله المطبق بهوية الشخصيات التي يهاجمها. فكيف يتغافل رئيس قسم الرأي في «ديترويت نيوز» عن حقيقة أن السبلاني يمارس الصحافة منذ أكثر من أربعة عقود، وأنه قامة إعلامية مرموقة دخلت «قاعة مشاهير الصحافة في ميشيغن» عام 2013؟
ولا بأس هنا من تذكير فينلي بأن السبلاني قرّر ترك العمل في مجال الهندسة التي درسها، مفضلاً التفرغ للصحافة بعد قيام إسرائيل بقصف منزل عائلته في بيروت عام 1985، كما أنه لا بأس من إعلامه بأن إسرائيل قتلت 24 شخصاً من أقارب السبلاني خلال العامين الماضيين.
ولم يقل لنا فينلي ماذا كان يفعل الجنود الأميركيون في لبنان عام 1985.
فقد زعم فينلي بأن الأدلة على أحقية تصنيف «حزب الله» كمنظمة إرهابية «دامغة»، معدداً تفجير السفارة الأميركية ومقر المارينز في بيروت عام 1983 واختطاف طائرة «تي دبليو أي» عام 1985، أي قبل أكثر من أربعين عاماً من اليوم.
ولكن فينلي الجاهل في السياسية والتاريخ والجغرافيا لا يعرف بأن «حزب الله» لم يكن قد تأسس رسمياً بعد، في عام 1983، ولعله يعرف –لكنه يفضل التناسي– بأن المجتمع العربي الأميركي في منطقة ديترويت قد أدان اختطاف الطائرة آنفة الذكر، وأن السبلاني نفسه قاد جهود مجتمعية لاستضافة وتكريم المتحدث باسم الرهائن الـ32، آلين كونويل، في مدينة ديربورن.
كما أن فينلي كعادته يبتلع لسانه إزاء الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على لبنان وسوريا واليمن والعراق وإيران، ناهيك عن جرائم الإبادة التي حولت قطاع غزة إلى 50 مليون طن من الركام الذي يجلس عليه حالياً حوالي مليوني فلسطيني يفتقدون إلى أدنى مقومات العيش الكريم، وعليه فإننا نعيد على أسماع فينلي تلك العبارة التي تستفزه وتستفز غيره من الداعمين لدولة الاحتلال:
One man’s freedom fighter is another man’s terrorist
«صدى الوطن»







Leave a Reply