كمال ذبيان – «صدى الوطن»
ليس الحضور العسكري الروسي طارئاً على سوريا، بل تعود جذوره الى حوالي خمسة عقود، منذ عهد الاتحاد السوفـياتي وتعزّز مع وصول الرئيس حافظ الأسد الى الحكم فـي سوريا عبر حركة تصحيحية قادها فـي 16 تشرين الثاني من العام 1970، من داخل السلطة وحزب البعث العربي الإشتراكي الحاكم، مع سياسة انفتاح اتبعها الأسد مع الغرب دون التخلي عن الثوابت القومية والاستراتيجية.
![]() |
بشار الأسد |
فالعلاقة الروسية-السورية، تربطها معاهدة تعاون بين الدولتين، وأسهمت موسكو فـي تدريب وتسليح الجيش السوري، وبناء عقيدة قتالية له، أظهرها فـي حرب تشرين عام 1973، استخدم خلالها أسلحة روسية متطورة منها صواريخ «سام – 7» المضادة للطائرات التي أثبتت فعاليتها فـي التصدي للطيران الإسرائيلي، إضافة الى دبابات «تي 72»، وطائرات «الميغ 21»، فحقق الجيش السوري تقدماً فـي الميدان، واستعاد أجزاء من جبل الشيخ، وحرّر القنيطرة، وكاد أن يصل الى بحيرة طبريا، واستعادة الأرض السورية المحتلة فـي الجولان، لكن التدخل العسكري الأميركي، والجسر الجوي الذي ساند الطيران الإسرائيلي، أخلّ بميزان المعركة الذي كان يميل لصالح القوات السورية التي بقيت وحيدة فـي المعركة، تلك التي أوقفها الرئيس المصري أنور السادات على جبهة سيناء، رغم أن الجيش المصري حقق خروقات كبيرة فـي الدفاعات الإسرائيلية عند خط بارليف.
التقدم الذي حققه الجيش السوري فـي حرب أكتوبر، يعود الفضل فـيه الى الدعم الروسي له، وقدرة استيعاب الجندي السوري للسلاح المتطور والمهارة فـي استخدامه.
ومع مرور السنوات باتت سوريا وروسيا فـي موقع التحالف الاستراتيجي، إذ دخل آلاف خبراء الروس الى دمشق، يقدمون كل خبراتهم ليس للقوات المسلحة فقط، بل لبناء الدولة السورية كمؤسسات واقتصاد، وهو ما عزّز حضور سوريا فـي العالم العربي، وباتت تملك أوراق قوة حصلت عليها من حرب تشرين، ثمّ من دورها فـي المفاوضات التي أعقبتها، كانت سوريا فـيها الرقم الصعب.
هذا الوجود العسكري الروسي السوفـياتي سابقا تعزّز بالقاعدة البحرية فـي طرطوس، التي تستقبل السفن والبوارج الحربية الروسية، وتقيم مناورات فـي المياه الإقليمية، وأعطى الدولة العظمى فـي زمن الإتحاد السوفـياتي نافذة لها على البحر الأبيض المتوسط، وأوصلها الى المياه الدافئة، وهو حلم قديم يعود الى أيام القياصرة.
فسوريا بالنسبة لروسيا، وقبل عقود من انهيار الاتحاد السوفـياتي، هي موقع استراتيجي لا تفرط به، ولا تقبل بإسقاط الدولة ولا النظام فـيها، وإن الحديث عن تعزيز وجودها منذ أشهر فـيها، هو أمر طبيعي، وليس طارئاً، فكيف والدولة السورية تخوض بجيشها حرباً شرسة على «الإرهاب»، وهي الحرب نفسها التي تخوضها روسيا منذ أكثر من عقدين ضد جماعات إرهابية تكفـيرية فـي روسيا نفسها، وفـي الشيشان والقوقاز وبعض جمهوريات آسيا الوسطى، حيث تغلغلت فـيها مجموعات إسلامية متطرفة، فتحت مدارس دينية لها بتمويل من دول خليجية، وأصبحت هذه الجماعات، تشكل رافداً للمسلحين فـي سوريا، فانضم إليها نحو 15 ألف مسلح باتوا يتمركزون فـي شمال سوريا، وتحديداً فـي إدلب وريفها، وبالقرب من اللاذقية عند الساحل السوري، حيث القاعدة البحرية الروسية، التي جرى تعزيزها بحوالي ثلاثة آلاف خبير عسكري، وتمّ توسيع مطار جبلة العسكري، ليكون مهبطاً للطائرات التي تنقل السلاح والمعدات والجنود والخبراء، لتعزيز الجيش السوري بأنواع من الأسلحة الجديدة لاستخدامها فـي المعركة التي ينظر إليها الكرملين على أنها معركته الإستراتيجية، وأن أمن روسيا من أمن سوريا التي تشكل خط الدفاع الأول عن الأمن القومي الروسي، وتمّ شحن طائرات حربية من نوع «سوخوي» ومروحيات قتالية متطورة للطيران الليلي وتعرف باسم «صياد الليل»، إضافة الى دبابات متطورة، وقاذفات صاروخية متطورة مضادة للدروع.
هذا التعزيز بالسلاح للجيش السوري أكّدته سوريا عبر وزير خارجيتها وليد المعلم الذي أعلن أن بلاده عندما تحتاج الى قوات برية روسية لن تتأخر بطلب ذلك، لكنها ليست بحاجة إليها، وهي طلبت أسلحة متطورة قد وصلت ودخلت الميدان، ولا تنكر القيادة السورية مساعدة إيران و«حزب الله» للجيش السوري فـي معاركه ضد الإرهاب، وأن روسيا عندما تقدم السلاح، فلأنها تخوض حرباً استباقية ضد الإرهاب الذي بات على حدودها.
وتعزيز الوجود العسكري الروسي، أقلق أميركا، فشنّت حملة سياسية وإعلامية ضده، واعتبرته أنه يطيل من عمر الحرب، كما يبقي الأسد فـي السلطة التي تطالب أميركا ودول أخرى بتنحيته، وهو ما ترفضه موسكو التي تدعو الى الحل فـي سوريا بوجود الأسد لأنه فـي رئاسته للدولة وقيادته للجيش يحارب الإرهاب منذ أن وقعت الأزمة السورية، التي تبيّن فـي عناوين لها بأنها مطالب إصلاحية للنظام، وهو ما تطالب به المعارضة الوطنية، أما فـي شق آخر، فهو دعوة لإسقاط النظام والدولة، وإقامة «إمارة أو خلافة إسلامية»، وهذا يغيّر فـي خارطة المنطقة وجغرافـيتها السياسية وموقع سوريا الإستراتيجي بالنسبة لها، فكان التحرك العسكري الروسي العلني رسالة لأميركا والتحالف الدولي الذي تقوده منذ أكثر من عام، فـي حرب ضد الإرهاب، لتأتي النتائج عكسية، فتعزز تنظيم «داعش»، فـي سوريا والعراق، وتمدد الى دول أخرى فـي العالم، بايعت جماعات ارهابية «أبو بكر البغدادي» أميراً على الخلافة الإسلامية التي أعلنها، وهو ما أقلق موسكو التي قرّرت، أن تشارك فـي الحرب على الإرهاب، وذلك بدعم الدولة السورية وتعزيز جيشها، وهو ما أبلغه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى الرئيس الأميركي باراك أوباما بأن الحرب على الإرهاب تمر عبر الأسد الذي من دونه، فإن سوريا ستسقط فـي يد «داعش» و«النصرة» وهما تنظيمان من «القاعدة»، فتراجع أوباما عن تصلبه وترك لوزير خارجيته جون كيري التواصل مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، الذي أوضح له، أن موسكو متمسكة بالحل السياسي، وتحاورت مع قيادات فـي المعارضة السورية، وأقنعتها بأن المرحلة الإنتقالية وفق «جنيف 1»، هي بوجود الأسد، لأن المعركة فـي سوريا، هي مع الإرهاب قبل أي شيء آخر، واقتنعت أطراف فـي المعارضة بهذا الطرح وهو ما دفع بكيري الى الإعلان عن قبوله بأن يبقى الأسد لمرحلة إنتقالية، وهو ما سبقه إليه رئيس وزراء بريطانيا ديفـيد كاميرون ووزيرا خارجية النمسا وسويسرا، وأعلن وزير الخارجية الفرنسية رولان فابيوس انه لا يمانع من بقاء الاسد بعد ان كان من أكثر المتشددين لرحيله، كما لا تمانع ايضا دول أخرى كألمانيا وإيطاليا وإسبانيا باستمرار الاسد، وأن دولاً عربية تراجعت عن تصلبها من النظام السوري، وانفتحت عليه وأعادت العلاقات معه، من مصر الى تونس والكويت وعُمان، وخفّت المطالبة برحيل الأسد، فلم يعد الخطاب نفسه قبل سنوات، حتى أن السعودية قبلت بعد نصيحة روسية، باستقبال رئيس الأمن الوطني السوري اللواء علي المملوك الذي التقاه ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، للبحث فـي مواجهة الإرهاب.
فالإرهاب ومحاربته، هو العنوان الذي تفرضه روسيا، فـي مواجهة مَن يسألها عن تعزيز وجودها فـي سوريا، التي ساعدتها فـي معركتها ضد الإرهاب فـي العام 1980، عندما تحرك «الإخوان المسلمون» ضد النظام برئاسة حافظ الأسد، واستهدفوا فـي عملياتهم التخريبية، مباني كان يقيم فـيها خبراء سوفـيات فـي دمشق، فوقفت الحكومة السوفـياتية آنذاك الى جانب الجيش السوري فـي معركته ضد «الإخوان المسلمين» حيث تزامن تحركهم مع دعم أميركي وخليجي لجماعات إسلامية متطرفة، بدأت بعمليات عسكرية ضد الجيش السوفـياتي فـي أفغانستان لإسقاط الحكم الموالي له.
فروسيا القادم رئيسها بوتين من جهاز المخابرات، يعرف سوريا جيداً، وهو قرّر أن يحضر فـيها عسكرياً للرد أيضاً على ما قام به الأوروبيون وأميركا فـي أوكرانيا، وهي الحديقة الخلفـية لروسيا التي سارعت الى ضم جزيرة القرم لحماية المواطنين الروس، وللدفاع عن هذه الدولة التي تعني استراتيجياً لروسيا، أنها تطلّ على البحر الأسود، وهكذا سارع الرئيس الروسي إلى إتخاذ قراره بتعزيز الوجود العسكري الروسي، وهي جرّت الدول الأخرى لاسيما أميركا الى فتح حوار معها حول محاربة الإرهاب والحل فـي سوريا، فتحدّث كل من وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر مع نظيره الروسي سيرغي شويغو، واتفقا على أن لا يحصل صدام عسكري أميركي-روسي، لأن أميركا مع حلفاء لها، يقومون بطلعات جوية ضد تنظيم «داعش» منذ أكثر من عام، لكنها لم تسفر عن نتيجة، لا بل إزداد التنظيم قوة وتمويلاً واتساعاً وبات يهدّد الأمن والسلام فـي العالم، مع ظهور خلايا له فـي دوله قاطبة، وهذه الوقائع والتطورات، أخرست الإدارة الأميركية التي لم تمانع بمشاركة روسيا فـي الحرب على الإرهاب، لكن للأخيرة شروطها وهي، أن الأسد ليس «أبو بكر البغدادي»، ولا يمكن الدعوة الى الحرب ضده، فالرئيس السوري رمز لدولة لها جيشها من كل الطوائف والمذاهب، وهو انتخب من الشعب، العام الماضي، كما أن الحديث عن بديل عنه لم يظهر، حيث لا وجود لمعارضة معتدلة، تلك التي أثبتت عدم فعاليتها، ومَن يمسك بالأرض، هي الجماعات الإرهابية، التي سعت أميركا الى تدريب «الجيش الحر» او المعارضة المعتدلة لمقاتلة هذه الجماعات، فلم يتقدم سوى 60 عنصراً، ومَن بقي فـي التدريب خمسة عناصر، وقد صُرف مبلغ 500 مليون دولار لذلك، فكانت النتائج مخيبة للآمال، وهو ما عزّز روسيا فـي طرحها، بأن الأسد جزء من المعركة ضد الإرهاب، كما هو أساسي فـي الحل السياسي، الذي يبدأ من مكان واحد، هو ضرب الإرهاب وتجفـيف منابعه البشرية والتسليحية والمالية، وبعدها يجلس المتحاورون من السوريين على الطاولة، لبدء البحث بحل سياسي، يبدأ من وضع دستور للبلاد، تقوم به حكومة إنتقالية تشارك فـيها القوى الفاعلة فـي المجتمع السوري من أحزاب وهيئات وشخصيات، وأن لا يتكرّر الحل العراقي فـي سوريا، بدستور مفدرل، يتجه بها نحو التقسيم، كما حصل فـي العراق، أو «يلبنن» الحل وفق صيغة الطائف الذي أرسى الطائفـية السياسية.
Leave a Reply