تقرير مشبوه يخلط بين التعاطف مع المقاومة .. والهجوم على كنيس يهودي
صحيفة «ديترويت نيوز» تحرّض على العرب الأميركيين
نشرت صحيفة «ديترويت نيوز» الخميس الفائت تقريراً صحفياً يمكن اعتباره بلا أدنى مبالغة، نموذجاً فجّاً للصحافة التحريضية التي تتنكر لأدنى معايير وأخلاقيات المهنة، حيث تعمد كاتب التقرير، جورج هانتر، بناء سردية قائمة على الشيطنة الجماعية والربط التعسفي بين ممارسة الحقوق الدستورية والتهديدات الأمنية، مستغلاً حادثة الهجوم على مركز «معبد إسرائيل» اليهودي في وست بلومفيلد، يوم 12 مارس الجاري، لتوجيه أصابع الاتهام إلى المجتمع العربي الأميركي في منطقة ديترويت، بسبب هوية منفذ الهجوم.
التقرير الذي جاء تحت عنوان: «الهجوم على معبد إسرائيل يؤجج الجدل حول خطر حزب الله في منطقة ديترويت»، يثبت مرة جديدة الدور الجوهري الذي وجدت لأجله صحيفة «صدى الوطن» عام 1984 كمنصة ضرورية لتفنيد مزاعم الإعلام الأميركي الرئيسي الخاضع للسردية الإسرائيلية، بما فيه صحيفتا «ديترويت نيوز» و«ديترويت فري برس» المحليتان اللتان تتبنيان منذ ثمانينيات القرن المنصرم سياسات تحيز ممنهجة ضد المجتمعين العربي والإسلامي في منطقة ديترويت الكبرى، رغم القرب الجغرافي والاجتماعي الذي يفترض أن يمنحهما فهماً أعمق لهذا المكون الأساسي في نسيج ولاية ميشيغن.
ويبدو تقرير الصحيفة وكأنه عملية «هندسة خوف» واضحة من خلال خلط الأوراق بين التعبير السياسي المكفول قانونياً وبين تهم الإرهاب الجاهزة أكثر مما يقدم عرضاً صحفياً متوازناً، حيث لم يتوان هانتر عن تسويق تعميمات متحيزة تُجرد الأفراد من سياقهم الإنساني وتضعهم في قفص الاتهام بناءً على خلفياتهم العرقية والدينية.
وبدلاً من تناول حادثة الهجوم في سياقها الجنائي أو النفسي الفردي، خاصة مع ظهور العديد من الشهادات، بما فيها شهادة طليقة منفذ الهجوم التي أكدت معاناة الأخير من اضطرابات نفسية وميول انتحارية بعد مقتل شقيقيه وطفلي أحدهما خلال غارة إسرائيلية استهدفت منزل العائلة في بلدة مشغرة اللبنانية، إلا أن كاتب التقرير اختار القفز فوق الحقائق لتسويق نظرية «الذئاب المنفردة» وتصوير سكان ديربورن كإرهابيين محتملين أو على الأقل كمؤيدين للهجوم المدان، متجاهلاً بشكل متعمد الإدانات الصريحة التي صدرت عن قيادات الجالية ومؤسساتها الدينية عقب الحادثة مباشرةً.
إن المصطلحات التحريضية التي طغت على التقرير تشي بشكل فاضح بأن هانتر لم يكن يسعى لتقصي الحقائق بقدر ما كان ينفذ أجندة معدّة سلفاً للتصويب على المجتمع العربي الأميركي عبر إعادة تدوير تهم جاهزة تُلصق به كلما اقتضت الحاجة. وكان الأحرى بصحيفة عريقة يتجاوز عمرها قرناً ونصف، أن تلتزم بأخلاقيات الصحافة بدلاً من تمكين هانتر من الإسهاب في الحديث عن مجتمع لا يعرف عنه شيئاً، مستقياً استنتاجاته السطحية من ترجمات ومنشورات «معهد بحوث إعلام الشرق الأوسط» (ميمري) المتخصص –بخلفيته الاستخباراتية– في استهداف العرب والمسلمين الأميركيين عبر تزييف الحقائق واقتطاع التصريحات والتركيز على شخصيات منبوذة اجتماعياً لتأليب الرأي العام الأميركي ضدهم.
وفي تقريره، اكتفى هانتر بالإشارة إلى أن معهد «ميمري»، هو مجرد مؤسسة غير ربحية مقرها في العاصمة واشنطن، متجاهلاً الوظيفة الفعلية للمنظمة التي تأسست عام 1998 على يد إيغال كرمون، الكولونيل السابق في المخابرات العسكرية الإسرائيلية والمستشار السابق لرؤساء وزراء الكيان مثل إسحق شامير وإسحق رابين.
ولنا أن نتذكر في السياق، المقالة التي نشرها مدير «ميمري» السابق ستيفن ستالينسكي في صحيفة «وول ستريت جورنال» خلال فبراير 2024، تحت عنوان: «أهلاً بكم في ديربورن: عاصمة الجهاد في أميركا».
إن اعتماد هانتر على منظمة يديرها ضباط مخابرات إسرائيليون وأعضاء سابقون في الجيش الإسرائيلي يجعل من تقريره مجرد بوق لترجمات انتقائية تهدف إلى خدمة أجندة سياسية محددة بدلاً من تقديم تحليل صحفي مستقل. لقد نقل هانتر عن «ميمري» مقاطع مجتزأة لخطب دينية، مثل خطبة السيد حسن القزويني، ليقدمها للقارئ في سياق تحريضي يوحي بوجود راديكالية منظمة في ديربورن، في سلوك مشبوه يتجاهل السياقات السياسية والاجتماعية لمجتمع العرب الأميركيين في منطقة ديربورن الذين هاجر معظمهم إلى الولايات المتحدة هرباً من الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان منذ ثمانينيات القرن المنصرم، والتي أودت فصولها الأخيرة بحياة مئات القتلى وآلاف المصابين، ناهيك عن تهجير أكثر من مليون نازح من الضاحية الجنوبية وقرى الجنوب والبقاع منذ ٢ مارس الجاري.
ولم يتوقف التقرير المتحيز عند هذا الحد، بل استحضر اعتراض أحد المقيمين في ديربورن، وهو القس (المزعوم) تيد برهم، على تسمية جزء من شارع وورن في مدينة ديربورن باسم ناشر «صدى الوطن» أسامة السبلاني، في محاولة بائسة لتكريس الصورة النمطية التي تروج لها الأوساط المؤيدة لإسرائيل، والتي تسعى لتصوير ديربورن كبؤرة حاضنة للإرهاب.
ورغم أن السبلاني لم يقل يوماً إنه ينتمي لـ«حزب الله» بأي شكل من الأشكال، إلا أن ناشر «صدى الوطن» يصرّ دائماً على التمسك بموقفه المبدئي الذي يكفله حق التعبير المنصوص عليه في الدستور الأميركي، وهو أنه من حق اللبنانيين –بمن فيهم «حزب الله»– الدفاع عن أرضهم وشعبهم في وجه آلة الإرهاب الإسرائيلية. وهذا الموقف لا يقتصر على السبلاني وحده، وإنما يعكس انقساماً متزايداً في الشارع الأميركي تجاه السياسة الخارجية الأميركية وانصياعها الكامل لهيمنة اللوبي الإسرائيلي على حساب مصلحة المواطن الأميركي، وما الحرب الدائرة حالياً في الشرق الأوسط إلا دليل إضافي على ذلك.
إنه لمن المحزن والمخزي، أن تتعمّد وسائل الإعلام، ومن بينها «ديترويت نيوز»، تجاهل حجم الآلام التي تعتصر قلوب العرب الأميركيين في ديربورن جراء الاعتداءات الإسرائيلية الوحشية على غزة ولبنان، والتي غيّبت مئات الأقارب والمحبّين للأسر العربية الأميركية في منطقة ديترويت، ومن بينها عائلة السبلاني التي فُجعت بفقدان أكثر من عشرين فرداً من أبنائها خلال العامين الماضيين.
لقد أوضح السبلاني ضمن تقرير هانتر بأن الأمر لا يتعلق بالدفاع عن «حزب الله» الذي يختلف معه سياسياً وعقائدياً، ولكنه رفض تماماً وصمه بالإرهاب، مؤكداً أنه مقاومة تدافع عن بلدها بمواجهة الاحتلال. وقال لهانتر: «ليس لدي أي اعتذارات أقدمها. لا أستطيع النوم بسبب عدد الأشخاص الذين قتلتهم إسرائيل. هؤلاء هم عائلاتنا»، مضيفاً: «لا يوجد حزب الله هنا، هم حزب سياسي في لبنان.. هناك الكثير من حوادث إطلاق النار الجماعي في أميركا التي لا علاقة لها بحزب الله، ومن يعتقد أنه سيكون هناك هجوم إرهابي هنا فهو واهم».
ولكنّ هانتر فضل القفز فوق المآسي الإنسانية الجسيمة، والهرولة نحو التصويب على المجتمع المحلي وتصويره كمصدر خطر أمام القارئ الأميركي، فأفرد الكاتب حيزاً في تقريره لصورة «فيسبوكية» نشرها القس (المزعوم) تيد برهم لنفسه تحت اللافتة التكريمية التي تحمل اسم «أسامة السبلاني» على شارع وورن في ديربورن، وذلك ، رغم أن الصورة لم تحصد عدد «لايكات» يتجاوز أصابع اليد الواحدة، في حين تعامى عن أوجاع ملايين اللبنانيين الذي يشاهدون عبر البث المباشر القذائف الإسرائيلية وهي تنهال بشكل يومي على قراهم ومدنهم.
كذلك، لم يذكر لنا هانتر في أية كنيسة يخدم برهم، وعلى أي أساس يصفه بـ«القس»، علماً بأن الرجل الكندي الأصل انتقل إلى ديربورن منذ سبع سنوات لا غير.
في المقابل، واصل هانتر في تقريره، التحريض الممنهج عبر الاستشهاد بتصريحات لشخص يدعى آرون توبين الذي سعى بدوره إلى ممارسة الإرهاب الفكري خالطاً بشكل متعمد بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية، زاعماً بوقاحة أن المناخ السياسي في ديربورن يدفع نحو التطرف، وقال: «عندما يكون لديك مجتمع تشيد قياداته بجماعات مثل حزب الله وحماس… فإن ذلك يخلق بيئة يمكن فيها دفع شخص غير مستقر أصلاً إلى الحافة»، في إشارة إلى منفذ الهجوم على الكنيس اليهودي، أيمن غزالة.
كما ساق هانتر تصريحات لتوبين يحاول من خلالها مصادرة الحق في نقد الاحتلال وتجريم الموقف السياسيل للمجتمع العربي في منطقة ديترويت، حين صرح الأخير بالقول: «هم يقولون إنهم مجرد مناهضين للصهيونية ولكن عندما يؤدي هذا الخطاب إلى استهداف دور العبادة اليهودية، فإنه يصبح من الناحية الوظيفية معاداة للسامية».
إن هذا الربط التعسفي الذي ساق هانتر من أجله تصريحات آرون توبين ليس سوى محاولة خبيثة لإسكات الأصوات الحرة في ديربورن وتصويرها كبيئة حاضنة للإرهاب، في وقت يتجاهل فيه التقرير تماماً البديهيات التاريخية والسياسية، وهي أن العرب لا يمكن وسمهم بمعاداة السامية لأنهم هم في الأصل ساميون. كما أن مناهضة الصهيونية، بوصفها أيديولوجيا سياسية يتبناها بعض اليهود أنفسهم، هي حق أصيل يكفله الدستور الأميركي نفسه، الذي يحمي للمواطنين حرية اعتناق آرائهم والتعبير عن مواقفهم السياسية دون خوف من الملاحقة أو التجريم، ولكن محاولة هانتر وتوبين خلط الأوراق وتوظيف معاداة السامية كدرع لحماية ممارسات الاحتلال الإسرائيلي من الانتقاد، ما هي إلا أداة لترهيب مجتمعنا وثنيه عن ممارسة حقوقه الدستورية في إدانة آلة الحرب التي تفتك بأهلها وأقاربها في غزة ولبنان.
وفي السياق، فإن ما يمارسه هانتر ليس مجرد سقطة مهنية، بل هو جزء من سلوك ممنهج يستغل منصات التأثير لتضييق تعريف الهوية الأميركية وفرض وصاية سياسية على ما يمكن للمواطنين قوله أو الاعتقاد به، مما يسهم بشكل مباشر في تجريم الرأي وتعزيز كراهية الأجانب والإسلاموفوبيا التي بلغت مستويات غير مسبوقة العام المنصرم بحسب تقرير «مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية» (كير)، الذي وّثق رقماً قياسياً من الشكاوى في عام 2025 بلغ 8,683 حالة.
وفي وقت تتصاعد فيه أرقام الاعتداءات والتمييز بشكل مرعب، وصولاً إلى حد انحدار نائب في الكونغرس الأميركي عن ولاية فلوريدا برفع منشور على مواقع التواصل يقول فيه إن «المفاضلة بين الكلاب والمسلمين ليست خياراً صعباً»، يبدو أن تقرير «ديترويت نيوز» ليس منفصلاً عن سياق التحريض المستمر. فعقب النشر، سارعت منظمة «الاتحاد اليهودي في ديترويت» إلى إصدار بيان أعربت فيه عما أسمته «القلق العميق إزاء التصريحات الأخيرة الصادرة عن أفراد بارزين يثنون على حزب الله المصنف كمنظمة إرهابية في الولايات المتحدة، ويقللون من شأن الهجوم على معبد إسرائيل»، وهو موقف يكرس المجتمع اللبناني الأميركي الذي بات يعاني الأمرين خلال الآونة الأخيرة، حيث وضعت هذه المناخات التحريضية اللبنانيين الأميركيين بين مطرقة العجز عن التعبير عن تضامنهم الإنساني مع وطنهم الأم الذي يواجه العدوان الإسرائيلي، وسندان محاولات ترهيبهم ومنعهم من ممارسة حقهم الدستوري في انتقاد السياسات الأميركية الداعمة لدولة الاحتلال.
لقد قامت الدنيا ولم تقعد بسبب هجوم لم يسفر عن مقتل سوى منفذه، الذي كان يعاني اضطرابات نفسية حادة من جراء فقدانه أربعة من أقاربه، فضلاً عن حرمانه من العيش مع طفليه بعد طلاقه من زوجته السابقة، بينما يسود صمت مطبق إزاء استهداف إسرائيل الممنهج للمدنيين العزل واستشهاد أكثر من ألف لبناني منذ التصعيد الإسرائيلي الأخير في ٢ مارس الجاري.
هذا المشهد، يعيدنا مجدداً إلى ازدواجية المعايير التي استنفرت العالم عقب عملية «طوفان الأقصى»، بينما تغاضت عن تداعياتها الكارثية التي حصدت أرواح نحو مئة ألف فلسطيني في قطاع غزة الذي تحوّل إلى أثر بعد عين، فيما لا يتوانى قادة الاحتلال عن تهديد لبنان بمصير مشابه.
«صدى الوطن»







Leave a Reply