ديترويت ذ إبتسام خنافر
مع انطلاق شهر رمضان المبارك، يدخل المسلمون في الولايات المتحدة وحول العالم، تجربة سنوية تعيد صياغة إيقاع الحياة بالكامل، بما في ذلك تغيير ساعات النوم، وتبدّل أنماط الطعام والنشاط البدني، طوال الشهر الفضيل الذي يلتقي فيه الإيمان والتكافل الاجتماعي، بأسئلة الصحة والعافية، خاصة في ظل تزايد الاهتمام العالمي بالصيام المتقطع وفوائده الجمّة على صحة الإنسان.
خبير أمراض القلب في مستشفيات اهنري فوردب بولاية ميشيغن، الدكتور مير بابر بصير، تحدث لصحيفة اصدى الوطنب بعمق عن تأثير الصيام على صحة القلب، وعلاقته بالسكري والالتهاب وضغط الدم، مستنداً إلى خبرة مهنية غنية وتجربة طويلة مع المرضى في منطقة ديترويت التي تضم مجتمعاً مسلماً كبيراً.
وبحكم عمله المباشر مع مرضى يصومون خلال رمضان، يؤكد بصير أن االصيام تاريخياً ثبت مراراً وتكراراً أنه آمن جداً لمعظم الناسب، موضحاً أن الجسم البشري مهيأ فسيولوجياً للتعامل مع فترات الامتناع عن الطعام. ففي الساعات الأولى، يعتمد الجسم على مخزون الغلوكوز في الكبد للحفاظ على مستوى السكر في الدم، وبعد نحو 8 إلى 12 ساعة تبدأ مستويات الإنسولين بالانخفاض، لينتقل الجسم تدريجياً إلى استخدام الدهون كمصدر أساسي للطاقة، في ما يُعرف بالتحوّل الأيضي (ميتابوليزم).
أمراض القلب والشرايين
بحسب المدير الطبي لبرنامج الدعم الميكانيكي للدورة الدموية في مستشفيات اهنري فوردب، فإن صيام رمضان يُعد نموذجاً طبيعياً للصيام المتقطع Intermittent Fasting، الذي أثبتت الدراسات العلمية الحديثة أنه يساعد فعلاً في تحسين حساسية الإنسولين، وتعزيز حرق الدهون دون فقدان الكتلة العضلية، موضحاً أنه مع انخفاض الإنسولين، يتحسن توازن الهرمونات المسؤولة عن تخزين الطاقة، ويرتفع هرمون النمو البشري، الذي يسهم في الحفاظ على الأنسجة العضلية.
ويقول بصير إن تقليل مقاومة الإنسولين وخفض االدهون الحشويةب المتراكمة حول الأعضاء الداخلية، يرتبطان بشكل مباشر بتراجع خطر الإصابة بأمراض القلب.
وبصير الذي يعتبر من الأسماء البارزة في علاج أمراض القلب والشرايين على مستوى الولايات المتحدة، يُعدّ أحد الأطباء القلائل الذين أكملوا تدريبات متخصصة ومكرسة لفتح الانسدادات المزمنة للشرايين التاجية والتي تعرف باسم Chronic Total Occlusions، وهي حالات يكون فيها الشريان مغلقاً بالكامل لأشهر أو حتى سنوات، وتتطلب مهارة وتقنية استثنائية وخبرة متقدمة لتحقيق أفضل النتائج وتقليل المضاعفات.
ويرى بصير أن الصيام يساهم في تقليل الالتهاب المزمن منخفض الدرجة داخل بطانة الشرايين، وهو أحد العوامل الأساسية في تطور تصلب الشرايين. فالالتهاب المستمر قد يؤدي إلى تكوين لويحات داخل الشريان، وقد تتمزق هذه اللويحات مسببة جلطة قلبية.
وأظهرت بعض الدراسات أن مؤشرات الالتهابات مثل CRP تنخفض بشكل ملحوظ لدى من يمارسون الصيام المتقطع الذي يحفّز عملية Autophagy، وهي آلية تنظيف خلوية يتخلص فيها الجسم من الخلايا التالفة، ما يعزز صحة الأوعية الدموية على المدى الطويل.
محاذير
رغم تأكيده أن الصيام آمن المعظم الناسب، يشدد الدكتور بصير على أن مرضى قصور القلب المتقدم، أو السكري غير المنضبط، أو من خضعوا مؤخراً لإجراءات قلبية معقدة، يجب أن يستشيروا أطباءهم قبل الصيام، والتوقف فوراً في حال ظهور أعراض مثل ألم الصدر أو ضيق التنفس أو الدوخة الشديدة.
ومن ملاحظاته السريرية، يشير الدكتور بصير إلى أن بعض المرضى يشهدون تحسناً في السيطرة على مرض السكري خلال رمضان، إضافة إلى انخفاض طفيف في ضغط الدم لدى بعض الحالات، خاصة عندما يكون الصيام مصحوباً بنظام غذائي متوازن. لكن ذلك لا يغني عن استشارة الطبيب للصيام، خصوصاً لمن يتناولون أدوية ضغط الدم أو السكري.
عادات سيئة
في المقابل، يحذر بصير بشدة، من الأخطاء الشائعة خلال رمضان، مثل الإفراط في الحلويات والمقليات والمشروبات السكرية بعد الإفطار، ما يؤدي إلى ارتفاع مفاجئ في سكر الدم وزيادة الدهون الثلاثية. وينصح بوجبة إفطار معتدلة تحتوي على بروتينات صحية وخضروات وحبوب كاملة، مع شرب كميات كافية من الماء بين الإفطار والسحور، وعدم إهمال وجبة السحور.
كما يرى أن رمضان يمثل فرصة حقيقية للإقلاع عن التدخين، إذ أن الامتناع لساعات طويلة يمكن أن يكون بداية لقرار دائم. ويؤكد أن فوائد الشهر لا تقتصر على الجانب الجسدي فقط، بل تشمل الجانب النفسي والاجتماعي، حيث تسهم الروابط العائلية والروحانية في تقليل التوتر، وهو عامل مهم في الوقاية من أمراض القلب.
وقال بصير لصحيفة اصدى الوطنب اإن رمضان ليس مجرد شهر امتناع، بل فرصة لإعادة ضبط شاملة للجسم ونمط الحياةب.
وبينما يقود بصير على المستوى الوطني والدولي، تطوير نماذج علاجية تنقذ حياة مرضى القلب في أشد الحالات حرجاً، يرى الطبييب الباكستاني الأصل أن الوقاية والانضباط اليومي، بما في ذلك، الصيام المتوازن، قد يقللان الحاجة إلى تلك التدخلات الطارئة من أصلها.
مسيرة لامعة
الدكتور مير بابر بصير، طبيب متخصص في أمراض القلب التداخلية، حاصل على شهادة البورد الأميركي، ويعمل في مجموعة اهنري فوردب الصحية في ديترويت.
ويُعدّ الدكتور بصير رائداً وطنياً معترفاً به في علاج الصدمات القلبية المنشأ وانسدادات الشرايين التاجية المعقدة.
وإلى جانب تميزه في عمليات القسطرة وعلاجات الشرايين والانسدادات، يعتبر الدكتور بصير قائداً وطنياً في علاج الصدمة القلبية Cardiogenic Shock، وهي من أخطر المضاعفات الناتجة عن النوبات القلبية، حيث يعجز القلب عن ضخ الدم بكفاءة إلى الأعضاء الحيوية.
تاريخياً، ارتبطت هذه الحالات بنسبة وفيات مرتفعة، ما دفع المجتمع الطبي إلى البحث عن نماذج علاجية أكثر تنظيماً وسرعة في الاستجابة.
وفي هذا السياق، برز الدكتور بصير كأحد الأصوات الرائدة في إعادة صياغة آلية التعامل مع هذه الحالات الحرجة، من خلال الدعوة إلى إنشاء فرق متعددة التخصصات تُعرف باسم Shock Teams، وتضم أطباء القلب التداخلي، وأطباء العناية المركزة، وجراحي القلب، وأخصائيي التخدير، لضمان اتخاذ قرارات فورية ومنسقة في اللحظات المصيرية.
ولم يكتفِ بصير بالمشاركة النظرية في هذا النموذج، بل ساهم عملياً في مساعدة مئات المراكز الطبية حول العالم على تطوير وتأسيس فرق متخصصة لعلاج الصدمة القلبية، ما جعله مرجعاً وطنياً ودولياً في هذا المجال. كما يُعد من الأطباء الأكثر نشراً في أبحاث الصدمة القلبية، حيث تناولت دراساته، استخدام مضخات القلب المؤقتة، لتحسين فرص نجاة المرضى الذين يعانون من فشل حاد في عضلة القلب. كما ألقى محاضرات دولية في مؤتمرات علمية ناقش فيها أحدث البيانات حول توقيت استخدام هذه الأجهزة ومعايير اختيار المرضى، بهدف تحسين النتائج السريرية على نطاق واسع.
أما في مجال الانسدادات المزمنة الكاملة أو ما يعرف باسم Chronic Total Occlusions، فإن فتح شريان مغلق بالكامل منذ سنوات ليس مجرد إجراء تقني، بل تحدٍ طبي معقد يتطلب دقة استثنائية وأدوات متقدمة واستراتيجية علاجية مدروسة.
ويؤكد الدكتور بصير أن الهدف لا يقتصر على إعادة تدفق الدم، بل تحسين جودة حياة المريض، وتقليل الأعراض، وتجنب الحاجة إلى تداخلات جراحية أكبر في بعض الحالات.
بدأت رحلة بصير المهنية، بالدراسة في كلية اليك إيريب للطب بولاية بنسلفانيا واجامعة إندياناب قبل أن يُتم زمالته في أمراض القلب وأمراض القلب التداخلية في مستشفى اهنري فوردب بديترويت.
وهو حاصل على اعتماد المجلس الأميركي للطب الباطني في تخصص أمراض القلب وأمراض القلب التداخلية، في مسار أكاديمي يعكس التزاماً طويل الأمد بتطوير المعرفة السريرية ورفع معايير الرعاية القلبية.
اختياره لتخصص القلب لم يكن مجرد مسار مهني، بل تأثر بتجربة شخصية عميقة بعد وفاة والد زوجته بنوبة قلبية كبيرة، وهو ما جعله يدرك كيف يمكن لأمراض القلب أن تغيّر حياة أسرة بأكملها. وتنعكس هذه الخلفية الإنسانية في فلسفته العلاجية، إذ يؤكد أنه يتعامل مع مرضاه كما يتعامل مع أفراد عائلته، مدركاً أن الخضوع لإجراء قلبي قد يكون تجربة مقلقة تتطلب طمأنة مستمرة إلى جانب الخبرة التقنية.






Leave a Reply