ديربورن ذ إبتسام خنافر
لم يكن عامر زهر يتوقّع أن يُسأل عن الضحك. لم يكن يخطر في باله أن النكتة، التي اعتاد أن يقدّمها على المسارح نفسها منذ سنوات، ستُعامل في تلك الليلة كما لو كانت وثيقة تحتاج إلى تفسير، أو موقفاً يستوجب التحقيق. جاء إلى الناصرة وهو يحمل ما يحمله دائماً: نصّاً ساخراً تشكّل من تجربة شخصية طويلة، ورغبة بسيطة في أن يُضحك الناس من واقع يعرفونه جيّداً، لا هرباً منه بل تخفيفاً لثقله.
بعد عودته سالماً من فلسطين المحتلة، التقت اصدى الوطنب، بالكاتب وأستاذ القانون والكوميدي وعضو المجلس التربوي في ديربورن، عامر زهر، إثر تعرضه للاعتقال على يد الشرطة الإسرائيلية خلال إحدى أمسياته الكوميدية بمدينة الناصرة.
يقول زهر إن بداية أمسية 26 كانون الأول (ديسمبر) المنصرم، لم تحمل ما يشي بأنها ستكون مختلفة عن عشرات الأمسيات السابقة. مكان ثقافي صغير يتسع لحوالي مئة شخص في البلدة القديمة، جمهور يعرفه ويعرف المدينة، وثلاثة عروض متتالية خُطط لها مسبقاً عند الساعة الخامسة والسابعة والتاسعة مساء. لم يكن في الأجواء ما يوحي بأن الضحك سيتحوّل بعد قليل إلى موضع مساءلة، أو أن الخشبة ستقود إلى مكان آخر غير التصفيق.
أشار زهر إلى أن وجود الشرطة الإسرائيلية قبل بدء العرض الأول لم يلفت انتباهه كثيراً. وجودهم ذكما قالذ لم يكن ظاهراً، ولم يترافق مع طلب بإيقاف العرض أو تغييره. تحدثوا مع صاحب القاعة، وطرحوا أسئلة عامة عن طبيعة الفعالية. وأضاف أنه اعتاد، بحكم خبرته الطويلة وزياراته المتكررة إلى الأراضي المحتلة، أن تمرّ مثل هذه الاستفسارات من دون أن تترك أثراً.
بدأ العرض، وبدأ الضحك. قال لـاصدى الوطنب إن تلك اللحظات على المسرح كانت طبيعية تماماً، وإن تفاعل الجمهور كان صادقاً، كما في كل مرة. لم يكن هناك خطاب مباشر، ولا شعارات، ولا محاولة لاستفزاز أحد. كانت الكوميديا، كما وصفها، انعكاساً لتجربة إنسانية يعيشها الناس يومياً، ولكن بصيغة ساخرة تسمح لهم بأن يضحكوا من أنفسهم ومن واقعهم في آن واحد.
أثناء العرض الأول، لاحظ غياب صاحب القاعة للحظات، ثم عودته من دون تعليق. ذكر أنه لم يتوقف عند الأمر كثيراً، وافترض أن المسألة إدارية عابرة. انتهى العرض الأول وسط تصفيق، وبدأ الناس بالدخول لحضور العرض الثاني، قبل أن يتغيّر كل شيء فجأة.
قال زهر إن الشرطة الإسرائيلية اقتربت منه بعد انتهاء العرض الأول، وطلبت منه أن يرافقها البضع دقائقب. سأل زهر إن كان بالإمكان تأجيل الأمر إلى ما بعد انتهاء الحفل، فكان الجواب واضحاً وقاطعاً: االآنب!
تلك الكلمة وحدها كانت كافية ليُدرك أن القرار لم يعد بيده، وفق تعبيره.
سار معهم خارج القاعة، فيما كان الجمهور يدخل لحضور العرض التالي. ذكر أن تلك اللحظة كانت ثقيلة عليه، ليس خوفاً مما قد يحدث، بل لأن الجمهور كان ينتظره دون أن يعرف لماذا غاب فجأة. قال إنه شعر، لأول مرة في تلك الليلة، بأن الضحك الذي قدّمه قبل دقائق أصبح فجأة موضع سوء فهم.
جرت كل الأحداث في الناصرة، داخل أراضي الـ48، حيث لا وجود لأي سلطة فلسطينية، بل فقط للشرطة الإسرائيلية، رغم أن المدينة عربية فلسطينية.
في مركز الشرطة، مُنعت المحامية التي رافقت زهر من الدخول، وهي إحدى الحاضرات من الجمهور التي جاءت للاستمتاع بالعرض.
أوضح عضو مجلس ديربورن التربوي المنتخب، أن هذا الأمر شكّل أول إشارة حقيقية إلى أن ما يجري ليس إجراءً عادياً.
قيل للمحامية إن ما يحدث اليس تحقيقاً رسمياًب، وهو توصيف أثار لديه تساؤلات أكثر مما قدّم إجابات.
وقال إن الغموض بحد ذاته كان جزءاً من الضغط، وإن الأسئلة التي طُرحت عليه منذ اللحظة الأولى لم تكن عن واقعة محددة، بل عن النوايا والمعاني.
أوضح زهر أن أول سؤال طُرح عليه كان عن طبيعة عمله. أجاب بأنه فنان كوميدي. بدا أن هذا الجواب لم يكن كافياً، أو ربما لم يكن مفهوماً. طُلب منه شرح ما يقدّمه، وكيف، ولماذا…
في الغرفة، كان هناك رجال أمن بلباس مدني، مسلحون، ولم يكن واضحاً إن كانوا شرطة عادية، أو مخابرات، أو جهاز الشاباك. أحضروا شخصاً عربياً للترجمة، لأن زهر لا يتحدث العبرية.
بدأ التحقيق بسؤال بسيط ظاهرياً: اشو بتعمل؟ب.
قال: فنان كوميدي.
استغرب المحقق قائلاً: اإيش هذا؟ب.
قال زهر: اعمِل غوغل على اسمي!
جلس المحقق أمام الكمبيوتر قرابة نصف ساعة، ثم بدأت الأسئلة الحقيقية.
الأسئلة ركّزت على مضمون العرض: هل يحتوي على تحريض؟ هل يمكن فهمه كدعوة ضد دولة إسرائيل؟ شدّد في إجاباته على أن التحريض، وفق تعريفه القانوني كمحامٍ، يعني الدعوة إلى العنف، وهو ما لم يفعله ولم يقصده. قال إنه حاول أن يشرح أن الكوميديا بطبيعتها تعتمد على المبالغة والسخرية، لا على التحريض.
ذكر لـاصدى الوطنب أنه سُئل عمّا إذا كان امع الدولة أو ضدهاب. قال إنه رفض الإجابة عن هذا السؤال، لأنه لا يرى نفسه مطالباً بتقديم موقف سياسي مقابل حقه في تقديم عمل فني. أضاف أن هذا السؤال، في نظره، كان خروجاً كاملاً عن إطار الفن والقانون، ودخولاً في محاولة تصنيف قسرية.
ثم جاءت الجملة التي وصفها بأنها الأثقل. لم تُقل بصيغة تهديد مباشر، بل كحقيقة باردة: اهناك ما يُسمّى بالاعتقال الإداريب. أوضح أن هذه العبارة، وحدها، كانت كافية لتغيير طبيعة الجلسة بالكامل. ستة أشهر أو أكثر، من دون تهمة، من دون محاكمة. قال: افي تلك اللحظة فهمتُ الرسالة. لم يقولوا إنهم سيفعلون، لكنهم قالوا بوضوح إنهم يستطيعونب، خاصة بعدما علموا أنه يحمل الجنسيتين الأميركية والإسرائيلية.
وأكد زهر أن ما جرى لم يكن يهدف إلى انتزاع اعتراف أو توجيه تهمة، بل إلى إيصال رسالة واضحة: أنت لست متهماً الآن، لكن المساحة التي تتحرك فيها ليست مفتوحة كما تظن. وأضاف أن هذا النوع من الرسائل لا يحتاج إلى تنفيذ فعلي كي يكون مؤثراً.
وفي شهادته الكاملة عمّا جرى داخل مركز الشرطة، يقدّم زهر تفاصيل إضافية تكشف طبيعة اللحظة التي تحوّل فيها الفن إلى موضع تهديد صريح. يقول إن الورقة التي قُدّمت له للتوقيع كانت مكتوبة بالعبرية، وإنه رفض التوقيع عليها لعدم فهمه لمضمونها، خصوصاً بعد منعه من الاستعانة بالمحامية التي كانت ترافقه.
ويضيف: اقلت لهم بوضوح إنني لا أقرأ العبرية، وأنا محامٍ مرخّص في الولايات المتحدة، ولا يمكنني التوقيع على مستند لا أفهمه. رفضوا إدخال المحامية، فكتبت على الورقة بالإنكليزية: I do not understand Hebrew، ووقّعت اسمي فقطب.
ولفت زهر إلى أن الاحتجاز استمر قرابة ساعة ونصف، من دون توجيه تهمة أو تقديم تفسير، قبل أن يُبلّغ بإمكانية المغادرة. عند خروجه، فوجئ بوجود صحفيين وأشخاص من الجالية بانتظاره، بعدما انتشر خبر توقيفه.
ويقول إن أول ما سأله بعد إخلاء سبيله، لم يكن عن التحقيق، بل عن الجمهور: اسألتُ فوراً عن عرض الساعة السابعة. لما عرفت إن الناس ما زالت تنتظر، رجعت مباشرة وقدّمت العرضين المتبقيينب.
اللافت أن الجمهور لم يغادر، بل انتظر تضامناً.
وفي اليوم التالي، قدّم زهر عرضين آخرين في حيفا، ويوم 29 ديسمبر الماضي، قدّم عرضاً إضافياً في رام الله حضره نحو 800 شخص.
وأشار زهر لـاصدى الوطنب إلى أن ما زاد من ثقل التجربة هو إدراكه للسياق. فهو ليس فناناً ظهر فجأة، ولا زائراً جديداً. ذكر أنه قدّم أكثر من مئة عرض كوميدي في فلسطين خلال السنوات الماضية، في الناصرة وحيفا ويافا ورام الله، من دون أن يُستدعى مرة واحدة للتحقيق. وأردف بأن أسلوبه لم يتغيّر، وأن المادة التي يقدّمها هي نفسها، لكن الذي تغيّر هو الحساسية العامة تجاه الكلمة، حتى حين تأتي في قالب ضاحك.
وأوضح زهر أن ما حدث لن يدفعه إلى اتغيير المسار أو تخفيف النبرةب، فهو الا يرى في الفن مساحة للمساومةب، ويدرك أن اأي تغيير تحت الضغط سيكون اعترافاً ضمنياً بفعالية الترهيبب. أضاف: الو غيّرت، الناس ستعرف لماذا. وهذا انتصار لن أقدّمهب.
واستدرك زهر بأن ما جرى معه، رغم ثقله، لا يُقارن بما يعيشه الفلسطيني يومياً.
قال إنه كان امحمياً بعوامل لا تتوفر لغيرهب، ومع ذلك شعر بمدى ضيق المساحة المتاحة للكلمة، حتى حين تكون ضاحكة.
وأضاف زهر بأنه لم يحظ بأي دعم دبلوماسي، والم يكن يتوقع شيئاً من السفارة الأميركية، خصوصاً في ظل وجود ممثلين معروفين بمواقفهم الصهيونية المتطرفةب.
وشدد زهر على أن االحماية الحقيقية جاءت من الناس، لا من الدولب. أما بخصوص حرية التعبير، فالتقييم واضح ذحسب تعبيرهذ الا توجد حرية تعبير لغير اليهودب، موضحاً أنه ابعد 7 أكتوبر، تم اعتقال أو التحقيق مع عدة فنانين فلسطينيين… أنا لست الأول، ولن أكون الأخيرب.
وفي ختام حديثه لـاصدى الوطنب حرص زهر على شكر الجالية العربية في ولاية ميشيغن، االتي تحركت فوراً ونشرت القصة في الإعلام المحلي وعلى وسائل التواصلب، مؤكداً أن اهذا التضامن الشعبي هو ما يُفشل أي محاولة لإسكاتناب.






Leave a Reply