وليد مرمر – لندن
عندما نزل اللبنانيون في 17 تشرين الأول 2019 على مختلف مشاربهم وانتماءاتهم إلى الشوارع وملأوا الساحات التي تزينت فقط بالأعلام اللبنانية، توسّم الجميع خيراً من تلك الانتفاضة العابرة للطوائف والمذاهب والأحزاب. فلأكثر من 25 سنة أمعن نظام المحاصصة والزبائنية والفساد الذي أرسته الحريرية السياسية في تهميش الصناعة والزراعة ونخر المؤسسات وإفسادها لحساب اقتصاد ريعي لم يكن إلا عبارة عن فقاعة ما لبثت أن انفجرت وهي الآن تهدد وجود الكيان ككل.
ولكن سرعان ما خيبت الانتفاضة آمال اللبنانيين بسبب ارتهان جزء منها للخارج، وفساد بعضها، فضلاً عن عدم تبنيها استراتيجية واضحة للتغيير أو رؤية للمستقبل، وعدم قدرتها على توحيد صفوفها تحت لواء قائد أو مجموعة قيادية.
ثم ما لبثت الانتفاضة أن انحسرت، سيما بعد تسمية سعد الحريري لتأليف الحكومة، ونتيجة عوامل شتى لم يكن الكورونا أهمها. فلقد كان واضحاً أنه بات هناك أمر عمليات خارجي (أميركي–فرنسي) بإخلاء الساحات وإعطاء الحريري فرصة للمناورة. والمفارقة أن الانتفاضة إنما حدثت خلال وجود الحريري على رأس الحكومة، وكرد فعل مباشر على قرار وزير محسوب على «تيار المستقبل»!
ولكن ما حدث خلال الأسبوع الماضي، وما شاهده اللبنانيون على أجهزة التلفزة، دق ناقوس الخطر منذرا بانزلاق الأمور إلى ما لا تحمد عقباه. فخلال عدة أيام قام حفنة من قطع الطرق (وهم بحسب المراقبين ينتمون إلى فريقي المجتمع المدني و«القوات اللبنانية») بإقفال طرقات رئيسة في بيروت ومناطق عدة على مرأى من كل الناس، عبر إشعال الإطارات وركن السيارات والشاحنات وسط الشارع أو سدّه بكتل حديدية أو إسمنتية، مما أدى إلى خنق المواطنين وتعطيل أعمالهم ومما تسبب بغضب و«قرف» معظم اللبنانيين من درجة الإسفاف والاستفزاز والإجرام الذي هبطت إليه «الثورة».
فلقد مُنعت السيارات من المرور على الطرق الرئيسة، بما فيها سيارات «الصليب الأحمر» وعربات نقل الموتى والمرضى ذوي الحالات الحرجة! فلقد تسبب إقفال الطرق بالسواتر الترابية عند ساحة العبدة بمنع شاحنات تحمل مادة الأوكسجين كانت متوجهة إلى مستشفى حلبا الحكومي ومستشفى كريم الراسي في عكار.
وعند المدخل الجنوبي لطرابلس البحصاص احتُجز عدد من المرضى داخل سياراتهم لساعات طويلة. وعلى طريق الزوق أخذ رجل مريض بالبكاء خلف مقوده وهو يستعطف مراسلة «أم تي في» لكي تتوسط له لدى «الثوار» كي يسمحوا له بالمرور، ذلك أنه قد تأخر على موعد غسل الكلى وحالته أصبحت حرجة!
ونتيجة لقطع أوتوستراد شكا «المظلم» بشاحنة داكنة –وهذه وصفة سريعة للموت المجاني– سقط إلياس مرعب ونعمة نعمة ضحيتين لهذه الفوضى الخلاقة عندما اصطدمت سيارتهما بالشاحنة المركونة في نصف الطريق. ومقتل مرعب ونعمة إنما يُضاف إلى إنجازات «الثورة» التي تسببت منذ أكثر من عام بمقتل المواطن حسين شلهوب وشقيقة زوجته بسبب قطع الطرق عند محلة الجية بعدما تفاجأ بالعوائق الموضوعة وسط الأوتوستراد.
هكذا تقزمت الانتفاضة التي وضع اللبنانيون عليها آمالهم، إلى مجرد حفنة من البلطجية وقطاع الطرق، ومن دون حسيب أو رقيب! ذلك أن قائد الجيش، ونزولاً عند رغبة صديقته «الأنتيم»، السفيرة «فوق كل العادات والأعراف» دوروثي شيا، كان قد قرر التنحي عن ممارسة واجبه بالسهر على أمن المواطنين، كما اختار التنصل من المسؤوليات الملقاة على عاتقه بموجب الدستور وبموجب قسمه العسكري.
وبين اعتكاف «رجل المهمات الصعبة» الرئيس حسان دياب، وتنصل الطامح إلى الكرسي الرئاسي العماد جوزف عون، غاب «قط» الدولة، تاركاً طرقات الوطن مرتعاً لفئران يعيثون فيها إرهاباً وفساداً.
ويبدو أنه ثمة تحركات مشبوهة تهدف إلى إفساد الجيش وارتهانه، وهو الذي يعتبر آخر مؤسسة تحظى بإجماع اللبنانيين على دورها وكفاءتها. فلقد أوردت جريدة «الأخبار» أنه، وكنتيجة لتدني مرتبات القوى الأمنية مقارنة بارتفاع الدولار الجنوني، عمدت قيادة الجيش، ومن دون علم الحكومة المستقيلة من جميع مهامها، إلى طلب مساعدات عاجلة من الملحقين العسكريين في سفارات عربية وغربية عاملة في لبنان. وتضمنت هذه الطلبات تجهيزات عسكرية وطبية وأدوات صيانة وكميات من المواد الغذائية والمحروقات. والأخطر أن رزمة المساعدات هذه تضمنت «دعماً مالياً يساعد على رفع قيمة أجور العسكريين»! وما من شك في أن تجاوز قيادة الجيش للمؤسسات الدستورية كمجلس الوزراء وعدم أخذ موافقته على خطوة كهذه هو سابقة تشكل تهديداً مباشراً لسيادة لبنان، خصوصاً وأن العواصم الدولية قد تجاوزت بشكل وقح الأعراف والأصول، من خلال مناقشة أمور من هذا النوع بشكل مباشر مع مؤسسة الجيش من دون المرور بالقنوات الدستورية الممثلة بالوزارات المعنية. وكان قائد الجيش قد ألقى خطاباً غير مسبوق تطرق فيه إلى الوضع السياسي. ومن المعلوم أنه بموجب الأدوار والمهمات الموكلة للأجهزة الأمنية، ما عدا مدير الأمن العام، فإن قادة المؤسسات الأمنية لا يتطرقون عُرفاً في كلماتهم وخطبهم إلى الشؤون السياسية. ولكن العماد عون ولدى اجتماعة مع أركان القيادة وقادة الوحدات الكبرى والأفواج المستقلة في اليرزة، أوضح أن «الوضع السياسي المأزوم انعكس على جميع الصعد، بالأخص اقتصادياً ما أدى إلى ارتفاع معدلات الفقر والجوع، كما أن أموال المودعين محجوزة في المصارف، وفقدت الرواتب قيمتها الشرائية، وبالتالي فإن راتب العسكري فقد قيمته».
وحول المساعدات التي يقبلها الجيش، أوضح عون أنه «لولا هذه المساعدات لكان الوضع أسوأ بكثير». وعن الحراك قال عون: «نحن مع حرية التعبير السلمي التي يرعاها الدستور والمواثيق الدولية». ولكن جوزيف عون فاته أن الدستور والمواثيق الدولية التي يتحدث عنها حفظت حرية التنقل كأحد أهم الحريات المدنية للمواطنين.
يبدو أن هناك توجهاً إلى تحييد الجيش عن مهامه الأمنية، بغية إعطاء «الثورجيين» هامشاً أكبر للتحرك من أجل محاصرة العهد وتقويضه. ولكن هذا لا شك سيفٌ ذو حدين. فكلنا يعلم كيف كان تحييد الجيش من قبل الراحل رشيد كرامي عن مواجهة تجاوزات منظمة التحرير في لبنان من أسباب الحرب اللبنانية.
فهل يعيد التاريخ نفسه ويتم تحييد الجيش الذي أصبح أفراده يتلقون «الإعاشات» من قبل دوائر القرار؟ والمثل يقول «طعمي التم بتستحي العين»! وهل بدأت قيادة الجيش بالتماهي مع خطاب البطريرك الراعي عبر تدويل الأزمة وإعطاء رسن قيادتها إلى عواصم القرار؟ وهل زهدت هذه العواصم باللبنانيين إلى حد التضحية بهم كخسائر جانبية في سبيل إفشال العهد ومحاصرة حليفه «حزب الله»؟ وهل ثمة أمر عمليات بتضييق الخناق على هذا العهد وحلفائه حتى آخر رمق؟وهل يستيقظ «الثوار» ليدركوا أن الإصلاح في الأنظمة الديمقراطية يكون من داخل المؤسسات وليس من خارجها؟ أم سيظلون بيادقاً تحركها قبضات سوروس وشيا والبخاري، يمنةً ويسرةً، لتمرير مشاريعهم ومخططاتهم؟

Leave a Reply