عن أيّ سلامٍ يتحدّثون؟
إبتسام خنافر
في أحد البيوت في جنوب لبنان، لم يكن هناك وقت للتفكير في السياسة. كان هناك صوت انفجار هائل، يعقبه صمت ثقيل.
بيت الجيران كان يضج بالحياة، أصبح خلال دقائق كومة ركام.
شبان خرجوا ليدافعوا عن عرضهم وأرضهم… ولم يعودوا.
هذه ليست قصة تُروى بعد سنوات، بل حقيقة تُعاش الآن، في اللحظة نفسها التي يتحدّث فيها البعض عن «السلام».
لهذا، قبل أي تحليل أو موقف، يظهر السؤال كما هو، بلا تجميل ولا مواربة: عن أيّ سلامٍ يتحدّثون؟
في الوقت الذي تُعلن فيه الدول عن «جهود للسلام»، ترتفع الأسعار في الأسواق.
وفي اليوم نفسه، الذي تُعقد فيه المؤتمرات السياسية والاقتصادية، هناك عائلة تحسب كيف ستكمل الشهر بعد أن فقدت معيلها.
في كل مرة يتحدثون عن «الاستقرار»، هناك بيت يُدمّر.
السلام، كما يُطرح، يبدو بعيداً عن الواقع.
فالواقع يقول شيئاً آخر: قرى سُوِّيت بالأرض، شباب استشهدوا وهم يدافعون عن أرضهم حتى الرمق الأخير، وعائلات لم يعد لديها مستَقرّ تعود إليه.
وهنا يظهر السؤال الأصعب، الذي لا يريد أحد مواجهته بوضوح: كيف يمكن أن نطلب من إنسانٍ دافع عن أرضه أن يعيش بسلام مع من قتله أو طرده؟
كيف نقول له: إنسَ… تجاوز… وابدأ من جديد؟
هل يمكن فعلاً أن يُبنى سلام على هذا الشكل؟
هذا ليس رفضاً للسلام، بل رفض لمبدأ السلام غير العادل.
فالسلام لا يُفرض، ولا يُطلب من طرف واحد، ولا يُبنى فوق جراح ما زالت تنزف.
ما نعيشه اليوم ليس حرباً عسكرية فقط، بل صراعٌ ممتد: سياسياً، اقتصادياً، ونفسياً.
الحرب لا تبقى في مكانها.
نراها في الأسعار، في فرص العمل، وفي القلق الذي أصبح جزءاً من حياتنا اليومية.
في لبنان، الأزمة واضحة: اقتصاد ينهار، شباب يهاجر، وخوف من الغد.
وفي دول عربية أخرى، تختلف الصورة لكنها تحمل شيئاً من القلق نفسه على الاستقرار المفقود.
سؤال غير معلن يطفو فوق السطح مع كل خبر: من يربح؟ من يفرض شروطه؟
وفي خضم ذلك، يبقى الإنسان هو من يدفع الثمن، من جيبه ومن راحة حياته اليومية
الإنسان اليوم لم يعد يهتم بالمفاهيم الكبيرة. يريد أشياء بسيطة: أن يعيش دون خوف، ألا يفكّر كل يوم كيف سيكمل بقية الشهر، أن يشعر أن حياته ليست مهددة في أي لحظة.
لكن حتى هذا أصبح أمراً صعباً.
تطلب السلام… لكنك لا تراه في واقعك، ولا في اقتصادك، ولا في داخلك.
كيف يمكن لإنسان أن يشعر بالسلام، وهو يعيش هذا الكمّ الهائل من القلق؟
كيف يمكن أن يؤمن به، وهو لا يراه؟ ألأنّه من أسماء الله الحسنى؟!
السلام ليس كلمة، ولا شعاراً، ولا تصريحاً سياسياً ولا هدنة بين معركتين. السلام يعني العدل… يعني اعترافاً بحقوق الآخر… يعني ألّا يُطلب من الإنسان أن يتجاوز الألم وكأن شيئاً لم يكن.
وإلى أن يتحقّق ذلك، سيبقى السؤال كما هو، واضحاً وصادقاً، ومحمّلاً بكل ما نراه ونعيشه: عن أيّ سلامٍ يتحدّثون؟







Leave a Reply