كمال ذبيان – «صدى الوطن»
دعوة العماد ميشال عون إلى الشراكة فـي السلطة اللبنانية، واستخدامه الشارع لتحقيق مطالبه المتعلقة «بحقوق المسحيين»، هو نفس الشعار الذي رفع عشية الحرب الأهلية فـي لبنان، عندما طالب زعماء مسلمون بالمشاركة فـي الحكم مع استئثار رئيس الجمهورية به، وقد منحه الدستور صلاحيات تعيين رئيس الحكومة وإقالة الوزراء وطلب استقالة الحكومة، وحل مجلس النواب، دون ان يكون مسؤولاً، بل تتحمل الحكومة المسؤولية بحجب الثقة عنها فـي مجلس النواب، او الضغط عليها فـي الشارع لتقديم استقالته.
![]() |
جانب من تظاهرة «التيار الوطني الحر» في وسط بيروت يوم الخميس الماضي.(رويترز) |
فالشراكة المسيحية كما طرحها عون اليوم، والمشاركة الإسلامية كما طرحت فـي سبعينات القرن الماضي، هما عنوانان لازمة واحدة اسمها النظام الطائفـي الذي تقوم عليه الدولة اللبنانية، والذي وزًع السلطات بين الطوائف والمذاهب مؤقتاً وفق المادة 95 من الدستور التي اعتبرت مؤقتة، حتى تحين لحظة «الصحوة الوطنية» فـيتم إلغاؤها، ونص اتفاق الطائف على تشكيل هيئة وطنية لإلغائها، وهو ابرز إصلاح سياسي فـي بنية النظام السياسي، تم التوافق عليه لاستئصال جذور أزمة النظام التي كانت تتسبب بحروب أهلية، منذ ان تكوّن لبنان فـي العام 1920، ونال استقلاله فـي العام 1943، وكان تأسس لهذا النظام الطائفـي، بعد الأحداث الطائفـية فـي جبل لبنان بين الدروز والمسحيين وتحديداً الموارنة منهم فـي العام 1840ليتجدد فـي العام 1860، وتتدخل الدول السبع فـي العالم لوقف المجازر بين الطائفتين، وينشأ ما سمي بـ«بروتوكول القناصل» الذي اقام قائمقامتين مسيحية (مارونية) فـي شمال جبل لبنان، وأخرى درزية فـي جنوبه، حيث دخل اللبنانيون فـي الحقبة الطائفـية.
فالطائفـية هي علة لبنان، وقد اعتبرها البعض نعمة لأنها تشكل صيغة للعيش المشترك تفرّد بها لبنان، والبعض نظر اليها على انها نقمة لانها تسببت له بفتن كانت تظهر بين وقت وآخر، ليدب قتال بين أبناء الوطن الواحد، بسبب خلاف على حقوق الطوائف او صلاحياتها، وكانت عندما تحتدم الخلافات إلى حد الحروب الدامية، كما حصل فـي أثناء اندلاع الفتنة بينهم فـي 13 نيسان 1975، تبدأ طروحات «الفدرالية» «واللامركزية السياسية»، وكان أصحاب الدعوة هم المسيحيون، الذين كانوا يعتبرون ان لبنان تأسس لهم كدولة فـي العام 1920 من قبل الجنرال «غورو» المستعمر الفرنسي، بعد تقسيم بلاد الشام او المشرق العربي فـي العام 1916 عبر اتفاقية سايكس بيكو بين فرنسا وبريطانيا اللتين ورثتا المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط السلطنة العثمانية «وخلافتها الإسلامية».
فمنذ نشؤ الكيان اللبناني، يعاني أبناؤه من الطائفـية، فـيرفع زعماء الطوائف والمذاهب فـي كل مرحلة شعاراً ومطالب لهم، حيث طالب المسلمون بالوحدة السورية (سورية الطبيعية)، واكتفى المسيحيون بلبنان المرتبط بتحالف مع الغرب، وان ثقافته غربية، إلى ان حسم الخلاف بتسوية بينهما عبر ميثاق 1943 بين بشارة الخوري ورياض الصلح، بأن يفك الطرفان ارتباطهما بالعرب او بالغرب، وان لبنان ذو هوية عربية.
فالخلاف على هوية الكيان، كان ايضاً على النظام السياسي الذي ارتضاه زعماؤه طائفـياً لمرحلة، لكنها أصبحت دائمة، وهو ما يحصل اليوم بمطالبة العماد عون باسترداد «حقوق المسيحيين»، بعد ان كانوا أصيبوا بالإحباط بعد اتفاق الطائف الذي سلب برأي أغلبية منهم صلاحيات رئاسة الجمهورية، وأعطاهم المناصفة بتوزيع المقاعد النيابية والوزارية والوظيفـية فـي الفئة الأولى، فقاطعوا اول انتخابات نيابية بعد الطائف، لكنهم عادوا عنها فـيما بعد، بعد ان تم ربط تنفـيذ اتفاق الطائف بالوجود السوري وتحقيق انسحاب الجيش السوري بتكريس الإصلاحات السياسية، ولم يجر تطبيق لاي إصلاح سياسي لا عبر قانون انتخاب خارج القيد الطائفـي، ولا فـي إلغاء طائفـية الوظيفة، ولا فـي تشكيل هيئة وطنية لإلغاء الطائفـية، ولا فـي تطبيق اللامركزية الإدارية والإنماء المتوازن، ولا فـي ممارسة المؤسسات الدستورية التي أنشئت لدورها المطلوب فـي الرقابة وتحصين الوضع الاقتصادي والاجتماعي، واحترام حرية التعبير عن الرأي.
فالأزمة هي أزمة هوية ونظام، أعاد تظهيرها العماد عون بمطالبته بشراكة فعلية للمسيحيين فـي السلطة، حيث لم ينفعهم قانون الانتخاب الذي يفوز نواب مسيحيون بمقاعدهم بأصوات المسلمين، بعد ان اختل التوازن السكاني لصالح المسلمين بنسبة 70 بالمئة و30 بالمئة للمسيحيين، وهو ما دفع بكتل نيابية مسيحية «كالقوات اللبنانية» «وتكتل الاصلاح والتغير» و«حزب الكتاب» إلى تبني مشروع «اللقاء الأرثوذكسي» الذي اقترح ان تنتخب كل طائفة ممثليها، لكن هذا الاقتراح الذي تبنته بكركي وبعض المرجعيات الروحية المسيحية، لقي رفضاً إسلاميا ووطنياً كونه يكرس الطائفـية بدلاً من ان يلغيها، كما يذهب بلبنان إلى فدرالية طوائف، كان الرد عليه من قبل «تيار المستقبل»، هو إعادة النظر والبحث فـي المناصفة بين المسيحيين والمسلمين، وهذا ما أدى إلى عدم إقرار الاقتراح او تمريره فـي مجلس النواب.
فبعد طرح التمثيل المسيحي السليم فـي مجلس النواب، برزت مسالة انتخاب رئيس للجمهورية، وقد توافق القادة الموارنة فـي بكركي برعاية البطريرك بشارة بطرس الراعي، ان يكون رئيس الجمهورية ممثلاً فعلياً لبيئته الشعبية، كما هو حال رؤساء السلطات الأخرى التشريعية والتنفـيذية، وان يحظى بكتلة نيابية وازنة، ويمكنه ان يوفق بين كل مكونات المجتمع اللبناني، وظن العماد عون ان هذه المواصفات تنطبق عليه، وهي قائمة بالفعل، فانسحب له النائب سليمان فرنجية لانه فـي نفس خطه السياسي الداعم للمقاومة والمؤيد لعلاقة تحالفـية مع سوريا ونظامها الحالي، كما ايّد الرئيس امين الجميل ترشيح الدكتور سمير جعجع، الا ان عون أعلن انه ليس مرشحاً ضده ، فجرت اول جلسة انتخابات ونال جعجع 47 صوتاً ووجدت 57 ورقة بيضاء اعتبرت لصالح عون، ونال النائب هنري حلو 16 صوتاً، كمرشح وسطي سماه وليد جنبلاط ليهرب من تأييد عون وجعجع.
ومع تعثر انتخاب رئيس للجمهورية منذ أكثر من عام، ووصول عدد دعوات رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى 25 جلسة، دون تأمين النصاب القانوني لجلسة الانتخاب، فإن عون لم ير الا الدعوة لاستفتاء شعبي او استطلاع الرأي ليحسم الشعب اللبناني موقفه من هذا الاستحقاق الدستوري، والذي هو مصدر السلطات، لكن اقتراحه لم يؤخذ به، لأنه لا يوجد نص دستوري يعتمد الاستفتاء، ولان استطلاع الرأي غير ملزم، فلم يبق امام رئيس «التيار الوطني الحر»، سوى ان يرفع خطابه السياسي، بالدعوة إلى «الفدرالية» اذا تعذرت الشراكة التي نص عليها اتفاق الطائف، وهو طرح يعيد لبنان إلى مرحلة السبعينات اذ راجت هذه الفكرة، وتم تنفـيذها بدم اللبنانيين وذلك بتقسيم جغرافـي على أساس الفرز الطائفـي الإسلامي – المسيحي، فنشأت «كانتونات» وإدارات مدنية وأخرى ذاتية، فـي إطار الصراع على السلطة ومن يمسك بقرار الطوائف والمذاهب، وكيف يحقق المسلمون السنة المشاركة، ويحافظ الموارنة على امتيازاتهم السياسية، ويخرج الشيعة من الحرمان فـي مناطقهم ويصبح لهم تأثير فـي الحكم، وطرح الدروز رئاسة مجلس الشيوخ، بعدما تراجعت مطالب القوى الوطنية بلبنان مدني لا طائفـي يتجه نحو العلمانية، فاذا بالطائفـية تتكرس بعد الطائف الذي لم تقبل الطبقة السياسية الحاكمة بتنفـيذه واجراء الاصلاحات وكان اول خرق له فـي العام 1992، عندما استثنيت محافظة جبل لبنان من ان تكون دائرة انتخابية واحدة كسائر المحافظات، ارضاءاً لوليد جنبلاط الذي خاف من «الصوت المسيحي» ضده، متأثراً بأحداث الجبل الدموية.
وهكذا حصل اول انقلاب على الطائف كما يقول النائب السابق الدكتور البير منصور، وغيره من الخروقات برفع عدد النواب من 108 إلى 128، او فـي بنود اخرى، حيث لم يساعد الراعي السوري لاتفاق الطائف بتنفـيذه واخضعه من ادار الملف اللبناني من المسؤولين السوريين لمصالحه ومصالح أتباعه من اللبنانيين الذين كرسوا الطائفـية.
ووصلت الأوضاع فـي لبنان إلى مرحلة الأزمة السياسية والدستورية، بشغور رئاسة الجمهورية، وتمديد مجلس النواب لنفسه لدورة كاملة لمدة اربع سنوات، وعدم تمكن الحكومة من ان تمارس دور رئيس الجمهورية، اذ تضاربت الآراء الدستورية والسياسية على كيف تدير الحكومة شؤون الدولة مع غياب دستوري لرئيس الجمهورية الذي انيطت صلاحياته فـي مجلس الوزراء مجتمعاً، وبات على 24 وزيراً ان يمارسوا صلاحياته، حيث وضعت آلية صدور القرارات باجماع مجلس الوزراء، وتوضع البنود الخلافـية جانباً، وما ان وصل الموضوع إلى تعيين مدير عام لقوى الامن الداخلي مكان المدير الحالي اللواء ابراهيم بصبوص، حتى بدأت الخلافات حول رفض التمديد له، وضرورة تعيين بديل عنه، وهو ما ينطبق على قائد الجيش العماد جان قهوجي، الذي تتجه أطراف فـي الحكومة لا سيما «تيار المستقبل» إلى التمديد له، كي لا يصل مرشح العماد عون العميد شامل روكز، لان موقع قيادة الجيش ينظر اليه فـي السياسة، ولا يمكن تسليمه إلى جهة سياسية هي بتحالف مع «حزب الله» ومحوره السوري الإيراني، فوقع الخلاف داخل الحكومة التي علقت جلساتها لثلاثة أسابيع، واستأنفتها بعد ان دعا رئيسها تمام سلام إلى انعقادها، الا ان المشكلة بقيت قائمة على بند التعيين الذي يصر وزراء «التيار الوطني الحر» وحلفاء له ان يبت، لكن رئيس الحكومة لم يأخذ برأيهم، لا بل مرّر بند دعم الصادرات الزراعية، دون موافقتهم، فقرر عون التصعيد، بعد ان بدأ يعبئ قواعده على غرار ما فعل قبل ربع قرن فـي قصر بعبدا الذي يطمح ان يصل اليه رئيساً للجمهورية، لكن مصالح اقليمية ودولية منعته فـي دورات سابقة، وهي تقف ضده اليوم، فرأى ان المسيحيين الباقين فـي المنطقة ولبنان تحديدا مهددين بوجودهم السياسي والديمغرافـي والجخرافـي ، فسأل اما تطبيق الشراكة او «الفدرالية»، وهو ما سيفتح لبنان امام ازمة تمر فـيها المنطقة بحروب مدمرة ومشاريع تقسيم.
Leave a Reply