البعض ينظر اليه بريبة ويخشى من عمليات تنصير للأطفال
الحدث يدعو للتأمل. فالامر فيه بعض الغموض. الغموض ناتج عن امتناع منظمي الحفل كشف هويتهم بالكامل واسم المؤسسة او المنظمة التي يعملون من خلالها، ناهيك عن وسيلتهم التي لم تكن موفقة. والحدث هو حفل ديني تبشيري، في حديقة في جنوب شرق ديربورن المعروفة بـ«منطقة ديكس» قام به مجموعة من المتدينين المسيحيين فيهم عرب واغلبهم اميركيين. بعنوان «انا لست منسيا»، والبروشورات التي وزّعَت مترجمة الى العربية بطريقة متقنة، فيها صلوات مرفوعة الى السيد المسيح «انت يا الله وجدتني، ودعوتني من بعيد، اعطيتني الامل وامسكتني بلطف.. نعم وجدتني».
غير ان المريب في الحفل انه موجه الى الاطفال، او هكذا على الاقل تراءى لي، حيث كان اغلب المتواجدين من الصغار حتى عمر العشر سنوات. ومع ان القائمين على الحفل اكدوا ان الدعوة هي للجميع صغارا وكبارا. الا ان منصات الالعاب التي نصبت لم تكن من تلك التي توجه او تعني كبار السن (تم ازالة هذه الالعاب في اليوم التالي تفاديا لاتهامهم باستهداف الصغار).
الحفل كان مُتقنا، استمر ثلاثة ايام، حيث جُلبت فرقة موسيقية فيها اكثر من عشرة عازفين ومكبرات صوتية كما نصب مسرح خشبي كبير عليه رسومات وجملتين بالعربية والانكليزية «انا لست منسيا». وكان عريف الحفل الذي قدم الاغاني عربيا يتكلم اللهجة المصرية. وكانت الاغاني جميلة والقائمين عليه في غاية اللطف.
وفي بحث عن منظم الحفل، بعد ان تردّدتُ الى ثلاثة اشخاص دفعني كل واحد منهم الى الآخر في محاولة بدت وكأنها توجس من اعطاء اي تصريح، قال الاخير منهم بأن الحفل هو محاولة لنشر رسالة المحبة والسلام وان الله هو الملهم والمخلص للبشرية وانهم يحاولون نشر هذه الرسالة. ولما سألتهم عن الجهة التي تنظم الحفل لم يعطوا اجابة واضحة وقالوا انهم من ولاية اخرى وانهم مجموعات متعددة يحملون نفس الرسالة. لكن الذي لمس فيهم عصبا كان سؤالي عن موقفهم وهم يعلمون ان الاغلبية المطلقة في المنطقة هم من المسلمين الذين قد يرون الحفل تهديدا لمعتقدهم على الاخص انهم في معظمهم ينتمون الى الجالية العربية اليمنية والتي تتميز بتحفظها الشديد والتعلق بتقاليدها الدينية بقوة لدرجة انهم قد يعتبرون هذا الامر مؤامرة عليهم وتهديدا لعائلاتهم. وكان الرد دبلوماسيا كثيرا ويكاد يكون غير واقعي، خصوصا وان الرجل المجيب كان يتكلم والتوتر باد عليه رغم حرصه على الابتسام. وقال ان اهل المنطقة رحبوا بهم كثيرا وكانوا ودودين جدا.
غير انه وقبل ان ينهي الرجل كلمته اقبل رجلان عليهما امارات التشدد الديني، اولهم في الخمسينات من عمره يعتمر قلنسوة، عليه امارات الحزم، والثاني في الاربعينيات، والاثنان ملتحيان ويرتديان دشداشة قصيرة بعض الشيء. اقبلوا حيث الكراسي وازاحوا الاطفال والنساء (قرابة العشرين طفلا وبعض النسوة) وامروهم بالانصراف. وكان شاب، في العشرينيات من عمره، معهم، يرتدي ايضا نفس اللباس، يزيح الاطفال ويقول لهم انكم ستذهبون الى النار ان سمعتم هذه الاغاني أو حضرتم هذا الاحتفال.
ولم يقبل الرجل الخمسيني ان يدلي بأي تصريح رغم تعريفي عن نفسي، ورفَضَ الحديث، في وقت كان الشاب العشريني يسأل احد الرجال الملتحين بكثير من التأثر «اليست هذه الامور حرام يا شيخ.. اليست حرام».
وما هي الا لحظات حتى دخل الرجل الاربعيني في جدل مع اميركي يعرف بعض العربية، ذلك يقول بأن القرآن يعتبر «المسيح روح الله» ليدفع تهمة الكفر التي وصمه بها الرجل الاربعيني، وهذا يرد عليه بأن «روح الله لا تعني انه ابن الله».
ومع ان الاربعيني رفض اعطاء اسمه واكتفى بقوله انا رجل مسلم، قال لي «هؤلاء يأخذون ايات من القرآن الكريم يقتطفونها من سياقها ويقدموها بطريقة معينة وينتقدون الاسلام.. يضحكون على الاولاد الصغار ويقدمون معتقدهم الخاطئ من ان سيدنا عيسى عليه السلام هو الله هو روح الله ويقولون لهم ان الله بعث لهم هدية او شيكولاته… فيشغلون لهم مخهم، حتى يرجع الى البيت ويصبح لديه اسئلة. فهكذا يلعبون بعقولهم».
ثم تابع الاربعيني رغم ان صاحبه الخمسيني امره باللحاق به «.. وهنا في هذه البلاد، الحمد الله رب العالمين، يعتبر اللهو بعقول الاطفال القُصّر غير قانوني.. نحن لا نقبل بهؤلاء الكفار ان يأتوا الى مناطقنا بهذه الطريقة ونحن مسلمين ليلعبوا بافكار اطفالنا. نحن لا نفعل ذلك ولا نذهب الى اطفالهم ونلعب بعقولهم انها طريقة رخيصة».
غير ان رجلا زائرا من ولاية اخرى اسمه عماد محمد من اصل تونسي دخل الى الحلبة موجها كلامه الى الرجل الاربعيني، الذي ما فتئ يكرر كلمة كافر مع كل كلمة، داعيا اياه الى نزال كلامي، في وقت عاجله الاخير بجملة: «لو كنتم ذو معرفة حاولوا مع الكبار مثلي ودعوا الصغار، هذه طريقة رخيصة». تدخلت مهدئا للأخير طالبا منه الكف عن نعت الرجل بالكفر، ثم قلت لـ عماد، «هو يقول انه لا يذهب الى اطفالكم فلماذا تقصدون اطفالهم. لا احد يقبل بهذه الطريقة، انها ليست لائقة». رد عماد: «الحفل مفتوح للجميع». غير ان استمرار اتهامات صاحبنا الاربعيني لعماد بالكفر دفع الاخير، والذي كان مهذبا برده، الى القول: «انا لم اقاطعك وكلامك ينطوي على سباب وشتائم لي ولمعتقدات الاخرين» وقال جملته التي يعرف ان دم المتدينين يغلي منها « انا كنت مسلم واعلنت مسيحيتي».
غير ان الرجل الخمسيني اقبل وطلب من صاحبه الاربعيني بكل حزم ان يكف عن الجدل، ثم قال له على طريقة الحركات السرية: «انا اطلب منك ان تكف عن هذا.. انه امر..». فما كان من الاخير الا ان انصاع الى «الامر» دون جدال.
حوار مع عماد:
– انتم اتيتم الى مجتمع مسلم وتقصدون الاطفال تحت السن القانونية وهذا ليس مقبولا.
عماد: الدعوة للجميع، وليس فقط للصغار ولم نعطي هدايا للصغار ابدا، ولم نتكلم مع الاطفال ان لم يكن هناك بالغ معهم.
– انت تعلم ان للاباء ان يمنعوا اطفالهم حضور اي حفل دون حتى ان يكون هناك اسباب.
عماد: لكن الرجل اتى بطريقة معينة وجرّ الاطفال وبعض النساء كالماعز، وعفوا للتعبير، انا لا استطيع ان امنع زوجتي او نساء من مدينتي ان يكفوا عن سماع رأي ما مخالف.
– ولكنهم احرار في ان يسمعوا كلمة الرجل المسن، اليس كذلك.
عماد: هو استخدم العنف، العنف المعنوي.
– انت تعلم ان سلوككم مريب وهذا الحفل ليس واضحا منه براءة الاهداف من انكم لا تستهدفون الاطفال. هل يستطيع مسلمون ان يفعلوا هذا الشيء في اماكن مسيحية.
عماد: نعم، لن يعترض احد، هذا حق قانوني.
ثم كي يدلل ان ما يفعلونه هو محض رسالة دينية، اخرج الانجيل وهمّ بقراءة آية، اعترضتُ، «ارجوك ابعد التعليمات الدينية عن حوارنا، فلو جاء الرجل المسلم واستشهد بآيات قرآنية سأقول له نفس القول، دع تفاصيل ايمانك جانبا ودعنا نتكلم من منطلق آخر».
اصر ان يقرأ من الانجيل، «فاذهبوا وتلمذوا جميع الامم وعمدوهم باسم الاب والابن والروح القدس وعلموهم ان يحفظوا جميع ما اوصيتكم به وها انا معكم كل الايام..» ثم قال: انا عندي تعليم عمره الفي سنة مبني على احترام الذات البشرية وعلى «احبوا اعداءكم» فما نفعل هو تطبيق لرسالة المسيح وهو ليس مؤامرة.
– نعم، نعم، انا اعتقد ان الجميع له الحق في الدعوة الى دينه، في النتيجة، هناك عقل ولا احد وصي على عقل احد. انما الاسلوب يا سيدي .. الاسلوب!
عماد: لكن ما رأيناه منذ قليل هو وصاية على العقل من قبل ذلك الرجل.
– هذه ليست مشكلة المتشددين المسلمين حتى المتشددين المسيحيين كانوا سيفعلون نفس الشيء، هذه مشكلة العقل المتشدد السائد، ان يرفض الآخر.
ثم شرح عماد اسباب تركه الدين المسلم واتباعه تعاليم السيد المسيح.
وانتهى الحوار. انتهى على مشهدين: في الاول، مسيحيون يدفعهم «حب الله» ليتسللوا الى الاطفال وهم يعلمون ان ليس للطفل دفاعات عقلية ضد اي شيء يقدم اليه بطريقة لطيفة، وفي الثاني، مسلمون متشددون يحاولون حماية ابنائهم من المعتقدات «الكافرة»، ويحمدون الله على ان قانون الارض الاميركية التي يستوطنها اولئك «الكفار» الذين ينادون بـ«حب الله» يحمي الطفولة وينص على حرية المعتقد.
قد تكون مشكلة الاديان جميعها انها اذا دعت الى دينها رفضت الدين الآخر. ويرد الآخر عليها برفضها في المقابل. ولن ينتهي الامر ابدا.
للمجموعة حفل آخر يوم الجمعة في «هاملوك بارك».
Leave a Reply