طهران تستعدّ لتصعيد أميركي .. والمقاومة تواصل التصدّي للتوغّلات الإسرائيلية في جنوب لبنان
مفاوضات السقوف العالية لا تبشّر بنهاية قريبة للحرب
التقرير الأسبوعي
تدخل الحرب التي تشنّها الولايات المتحدة وإسرائيل ضدّ إيران، أسبوعها الخامس، وسط غياب أي أفق لنهاية قريبة في ظل السقوف العالية التي تضعها كل من واشنطن وتل أبيب وطهران، فيما تواصل المقاومة الإسلامية في لبنان التصدي لتوغلات جيش الاحتلال جنوبي نهر الليطاني، موقعة خسائر كبيرة في القوات المتقدمة على عدة محاور، كما يواصل «حزب الله» قصف عمق الكيان، وتحديداً مدن ومستوطنات الشمال التي باتت شبه مهجورة.
أميركياً، يواصل دونالد ترامب، تخبّطه في المستنقع الذي أوجد نفسه فيه، إثر فشل عملية «الغضب الملحمي» في إخضاع إيران. فبعد تهديده بتصعيد ضد منشآت الطاقة الإيراني في حال عدم فتح مضيق هرمز بحلول يوم الإثنين الماضي، فاجأ ترامب الجميع بالإعلان عن بدء مفاوضات مع إيران، ممهلاً طهران مهلة خمسة أيام للتجاوب مع عرض من 15 بنداً، قبل أن يعلن مساء الخميس، عن تمديد المهلة لعشرة أيام إضافية، رغم الشروط المضادة التي وضعتها إيران كإطار للتفاوض الذي يجري عبر باكستان، بحسب التقارير الإعلامية.
وإذا كان تصعيد ترامب مستبعداً يوم الإثنين الماضي، بسبب فتح أسواق البورصة وخشية الرئيس الأميركي من حالة ذعر جماعية لدى المضاربين، فإن انقلاب ترامب على المهلة الجديدة التي من المفترض أن تنتهي يوم الإثنين في السادس من نيسان (أبريل) المقبل، لا يبدو أمراً مستبعداً، في ظل تصلب إيران وتمسكها بالسيطرة على مضيق هرمز ومواصلة هجماتها على القواعد الأميركية في المنطقة والداخل الإسرائيلي الذي بات عرضة –يومياً– لعدة وجبات من الصواريخ الإيرانية الثقيلة.
وفي وقت تظهر فيه مؤشرات إلى محاولات للتفاوض وخفض التوتر، بعد أن ادّعى ترامب أن «إيران والولايات المتحدة دخلتا في مفاوضات جيدة جداً وبنّاءة»، نفت طهران مراراً عبر مسؤوليها إجراء أيّ مفاوضات بين الطرفين منذ شن العدوان في 28 شباط (فبراير) المنصرم، موضحة أن ما يجري هو مجرّد نقل رسائل بشأن وقف إطلاق النار عبر وسطاء إقليميين.
وفي هذا السياق، أفادت وسائل إعلام غربية، من بينها «نيويورك تايمز» بأن الولايات المتحدة قدّمت لإيران، عبر باكستان، مقترحاً من 15 بنداً تشمل التخلّص من مخزون اليورانيوم العالي التخصيب، ووقف عمليات التخصيب، وتقييد برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، وإنهاء الدعم المالي لحلفاء طهران في المنطقة، وذلك في مقابل رفع جميع العقوبات المفروضة على إيران، وتقديم مساعدات لتطوير برنامجها النووي السلمي.
ولم يُصدِر المسؤولون الإيرانيون أيّ ردّ رسمي على تلك التقارير أو على المقترح الأميركي، في حين اكتفى وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بالإعلان عن أن «تبادل الرسائل» بين إيران والولايات المتحدة يجري عبر «دول صديقة»، مؤكداً في الوقت نفسه أنه «لم تُجرَ حتى الآن أيّ مفاوضات بين طهران وواشنطن». وعلى الرغم من أن عراقجي لم يوضح طبيعة ردّ إيران على المقترحات الأميركية، فإن مصادر إعلامية مقرّبة من الحكومة الإيرانية كانت أفادت، قبل تصريحاته، بأن الردّ الإيراني جاء «سلبياً»، إذ نقلت قناة «برس تي في» الناطقة بالإنكليزية والتابعة لـ«هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية»، عن «مسؤول إيراني رفيع» قوله إن طهران رفضت المشروع الأميركي لإنهاء الحرب، وإن ذلك «لن يتمّ إلا وفق الشروط والجدول الزمني اللذين تحدّدهما إيران». وأفاد المسؤول بأن «إيران وضعت خمسة شروط لوقف الحرب، تشمل: وقفاً كاملاً للعدوان وعمليات القتل من جانب العدو، وإنشاء آليات محدّدة لمنع تكرار الحرب ضدّ إيران، ودفع تعويضات، وإنهاء الحرب في جميع الجبهات وعلى جميع قوى المقاومة في المنطقة، إضافة إلى الاعتراف وتقديم ضمانات دولية بشأن الحق السيادي لإيران في مضيق هرمز».
ورغم التفاوت الهائل بين شروط الطرفين، أعلن ترامب، تعليق قرار تدمير محطات الطاقة الإيرانية لمدة 10 أيام إضافية. وقال عبر «تروث سوشيال»: «بناءً على طلب الحكومة الإيرانية، أُعلن بموجب هذا تعليقي لفترة تدمير محطات الطاقة لمدة 10 أيام». وأضاف: «المفاوضات جارية، وعلى الرغم من التصريحات المغلوطة التي تنشرها وسائل الإعلام المضللة وغيرها، فإنها تسير على نحو جيد للغاية».
وقد نقلت وسائل إعلام من بينها موقع «أكسيوس» عن مسؤولين أميركيين أن «إدارة ترمب لم تتلق أي رد رسمي من إيران بشأن العرض التفاوضي حتى الآن».
وكان ترامب قد أعلن، الاثنين الماضي، أنه سيؤجل الضربات العسكرية ضد مواقع الطاقة الإيرانية لمدة خمسة أيام. وقبلها هدد بشن ضربة بعد 48 ساعة بحلول مساء الاثنين إذا لم تسمح طهران بإعادة فتح مضيق هرمز.
وأفادت تقارير صحفية بأن إدارة ترمب تعمل على ترتيب اجتماع في باكستان، لمناقشة مخرج من الصراع المستمر في الشرق الأوسط. وقالت شبكة «سي أن أن» –نقلا عن مسؤولين كبار في الإدارة الأميركية– إن الاجتماع المرتقب سيجمع المفاوضين الأميركيين ونظراء محتملين من طهران، في محاولة لإيجاد صيغة لتخفيف التوترات.
ولكن في ظلّ الفجوة الواسعة بين مواقف الطرفَين، تتزايد الشكوك بشأن فرص نجاح المسار الدبلوماسي الجديد في التوصّل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في المدى القريب لاسيما في ظل خشية إسرائيلية بشأن اتفاق لا يلحظ مصالحها. ومما يعزّز تلك الشكوك، أن جولتَي المفاوضات السابقتَين بين إيران والولايات المتحدة، شهدتا هجمات عسكرية أميركية وإسرائيلية على إيران في عزّ التفاوض، وهو ما جعل المسؤولين الإيرانيين أكثر تشكّكاً حيال أيّ محادثات مع الولايات المتحدة، ولا سيما إذا اقترنت بطرح مطالب قصوى من جانب الأخيرة تبدو أقرب إلى وثيقة استسلام إيرانية.
وفي السياق ذاته، أفادت وكالة «رويترز» –نقلاً عن مصادر إقليمية– بأن إيران أبلغت الوسطاء بضرورة إدراج لبنان في أي اتفاق لوقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وربطت إنهاء الحرب بوقف الهجمات الإسرائيلية على «حزب الله».
وفي حال فشل المسار الدبلوماسي الجديد، يُحتمل أن تتصاعد المواجهات العسكرية بين الطرفين اعتباراً من أواخر الأسبوع الجاري. فمع إرسال الولايات المتحدة آلافاً من قواتها الخاصة إلى المنطقة، تتزايد التكهنات بشأن احتمال تنفيذ عمليات أميركية على السواحل والجزر الجنوبية لإيران في مضيق هرمز أو في الخليج. ومن بين أبرز تلك السيناريوات، احتلال أو فرض حصار على جزيرة «خارك» في الخليج، التي تُعدّ المحطّة الرئيسة لتصدير النفط الإيراني. ويُعتقد أن الهدف من ذلك هو الضغط على طهران لإنهاء سيطرتها على حركة العبور في مضيق هرمز، والتي تحوّلت حالياً إلى أهمّ ورقة في يدها. غير أن هذه التحركات لا تجري بعيداً عن أنظار إيران، التي يبدو أنها وضعت بدورها إجراءات مضادّة ضمن حساباتها.
ومع تزايد احتمالية إعطاء البيت الأبيض الضوء الأخضر لعملية برية على الأراضي الإيرانية في حال تعثر المفاوضات، تكثر التحذيرات من سيناريوات يخاطر، «أفضلها»، بوقوع خسائر أميركية «كبيرة»، وهو ما سيكون له حتماً أثره في تعميق الانقسام داخل معسكر ترامب.
وفي هذا السياق، قال رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، الذي يضطلع في هذه المرحلة بدور محوري في إدارة الملفات العسكرية والسياسية في البلاد، إنه «استناداً إلى بعض المعطيات، فإن أعداء إيران يتهيأون، بدعم من إحدى دول المنطقة، لتنفيذ عملية لاحتلال إحدى الجزر الإيرانية». وأضاف أن «جميع تحرّكات العدو تخضع لمراقبة القوات المسلحة الإيرانية»، محذّراً من أنهم إذا أقدموا على مثل هذه الخطوة فإن «جميع البنى التحتية الحيوية لذلك البلد الإقليمي» ستصبح هدفاً لهجمات قاسية من دون قيود. ويُفهم من تصريحاته أن المقصود قد يكون الإمارات.
في موازاة ذلك، تشير معلومات متداولة في الأوساط العسكرية والأمنية الإيرانية إلى أنه في حال تصاعد الهجمات الأميركية خلال الأيام المقبلة، فإن حركة «أنصار الله» في اليمن قد تبادر إلى فتح جبهة جديدة في هذه الحرب دعماً لإيران، وهو ما سيؤدّي إلى توسيع نطاق الصراع ومفاقمة تداعياته على المنطقة والعالم، لاسيما في حال تقييد الملاحة عبر مضيق باب المندب.
في المقابل، أكد رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو أن «المعركة في إيران ما زالت في ذروتها، خلافا لما يروّج له في وسائل الإعلام». ويتسم الموقف الإسرائيلي تجاه عزم ترامب على إنهاء الحرب بمزيج من التشكيك المعلن والتنسيق المستمر مع واشنطن بينما تزداد ضراوة المواجهة مع «حزب الله» في لبنان.
وعلى مدار الأسبوع الماضي تواصلت الرشقات الصاروخية من إيران ولبنان في اتجاه المدن والمستوطنات الإسرائيلية، وسط تعتيم إسرائيلي واسع على حجم الخسائر المتزايدة مع إنهاك قدرات الدفاع الجوي. ونقلت «القناة 12» عن مسؤول رفيع في المؤسستَين الأمنية والعسكرية تقييماً متشائماً بشأن وتيرة عمليات الإطلاق سواء من إيران أو لبنان، فيما يواصل جيش الاحتلال غاراته اليومية على البلدين، مع استهداف ملحوظ للجسور فوق نهر الليطاني في خطوة تظهر إصرار إسرائيل على الاجتياح البري بعد حشدها لنحو 400 ألف جندي.
بدورها، حوّلت المقاومة محاور التقدم البري الإسرائيلي في جنوب لبنان إلى مقبرة لدبابات الاحتلال، الذي لم يتمكن حتى الآن من تثبيت احتلاله لأي بلدة في الحافة الأمامية رغم وصول التوغلات إلى بلدة دير سريان المطلة على نهر الليطاني.
وسجلت المقاومة خلال الأسبوع المنصرم أرقاماً قياسية في عدد عملياتها التي نفذتها ضدّ القوات المتوغلة، والمواقع والحشود العسكرية والمستوطنات في شمال وعمق فلسطين المحتلة، مروراً بحيفا ووصولاً إلى وزارة الحرب الإسرائيلية في تل أبيب. كما تمكن المقاومون من تحقيق «مجزرة دبابات» غير مسبوقة في الأرتال التي حاولت التوغل في محوري «الطيبة–القنطرة» و«القوزح–دبل»







Leave a Reply