حسن خليفة – «صدى الوطن»
بعد مرور عام على مداهمة مكاتب بلدية ديربورن واستقالة كليرك المدينة كاثلين بودا من منصبها، ظل الغموض يلف القضية وسط صمت مطبق من المسؤولين.
«صدى الوطن» تمكنت بشكل حصري من الحصول على تفاصيل هامة بشأن القضية التي تخللتها مصادرة وثائق وصناديق وذواكر حاسوبية من مكتب بودا التي أعلنت عن تقاعدها عقب ثلاثة أيام من المداهمة التي نفذتها شرطة الولاية في 61 كانون الأول (ديسمبر) 5102.
وقد تبين أن السلطات قامت بهذه الخطوة على خلفية الاشتباه باختلاس بودا للمال العام نتيجة إدمانها على شراء بطاقات اليانصيب والقمار.
وبررت بودا تقاعدها آنذاك بالضغوط الانتخابية القادمة، حيث كانت تقضي عامها الـ٢١ في منصب «الكليرك» (كاتبة المدينة) الذي انتخبت له خمس مرات.
![]() |
وثيقة رسمية |
وفي مقابلة سابقة مع «صدى الوطن»، أكدت بودا أن قرار تقاعدها لا علاقة له بالاتهامات الموجهة لها، مشيرة الى أنها باتت على أعتاب الخامسة والستين من العمر، وقالت: «يمكن للناس أن يعلقوا بالطريقة التي يحبونها، فأنا لا أستطيع السيطرة على ذلك».
حفظ أمانات!
ومنذ ذلك الحين، لف الغموض تفاصيل القضية ورغم أهمية منصب الكليرك في البلدية ولم يُعرف سوى القليل عن الأسباب التي دفعت وكالات إنفاذ القانون إلى الاشتباه ببودا، لكن الوثائق التي حصلت عليها «صدى الوطن» مؤخراً كشفت أن موظفين في البلدية أبلغوا مدير الموارد البشرية في البلدية عن شكوكهم بقيام بودا بسرقة مبالغ نقدية كبيرة من أموال رسوم شهادات الولادة والوفاة إضافة إلى شهادات أخرى تصدر عن مكتبها، وذلك قبل ثلاثة أشهر من مداهمة شرطة الولاية.
وفي التفاصيل، فإن البلدية عادة ما تقوم بتلقي أموال المراجعين عبر نافذة أمين الصندوق (الكاشير) التي يدفع عبرها المواطنون رسوم الشهادات المتنوعة الصادرة عن البلدية، ولكن في حالات الازدحام –مثل موسم دفع الضرائب– يتم اعتماد نافذة مجاورة، خاصة بمكتب «الكليرك»، وذلك بهدف تخفيف الضغط وتفادي الطوابير الطويلة. على أن يقوم موظفو مكتب الكليرك لاحقاً بتسليم المبالغ النقدية المدفوعة الى أمانة الصندوق.
وبحسب وثائق القضية، أدلى ثلاثة موظفين من مساعدي بودا، في شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، بشهاداتهم لشرطة ولاية ميشيغن، حيث قالوا إنهم لاحظوا أن بودا كانت تنقل صندوق الأموال النقدية المجموعة من نافذة الكليرك الى مكتبها حيث لا يمكن لأحد رؤيتها، قبل أن تقوم لاحقاً بتسليمه الى الجهة المعنية، وليس بداخله سوى شيكات وبعض الفكة.
وفي بعض الأحيان، لاحظ الموظفون اختفاء مبالغ نقدية كبيرة من صندوق الأموال لاسيما عندما كانت بودا تحضر اجتماعات متأخرة، حيث كان زملاؤها يجدون عند حضورهم الى العمل صباح اليوم التالي، أن الصندوق المحفوظ في خزنة مقفلة، كان شبه خال.
وعندما سئلت بودا عن تفسيرها لاختفاء تلك الأموال، أجابت بأنها «كانت تأخذها لكي تقوم بحفظها لأنها لم تكن تثق بترك النقود في الخزنة».
وقال الموظفون إنهم بدأوا بملاحظة تصرفات بودا المريبة بعد انتقال البلدية الى مقرها الجديد على شارع ميشيغن أفنيو.
وقال موظفان، أحدهما يعمل في مكتب الكليرك منذ 25 عاماً، إنهما بدأا بوضع علامات على الأموال والفواتير المدفوعة لمتابعتها، حيث أن بودا ظنت بحسب قولهما، أنها في حال تخلصها من الفواتير المدفوعة الموضوعة داخل صندوق الكليرك، سوف يكون بإمكانها الاستيلاء على الأموال دون أن ينتبه أحد إلى ذلك.
ولدى قيام أحد الموظفين باقتفاء أثر الفواتير المعُلّمة، تم اكتشاف اختفاء مبلغ 400 دولار خلال أسبوعين.
كما لاحظ موظف ثالث سلوك بودا المريب وتصرفاتها حيال الأموال، وذلك بعد توظيفه بفترة قصيرة بالتزامن مع موسم دفع الضرائب. وقال في شهادته إنه لاحظ أن بودا غالباً ما كانت تتفقد صندوق الكليرك قبل تسليمه لأمانة الصندوق (كاشير)، وأكد –ومعه موظف آخر– أنه رأى عدة مرات بودا وهي تأخذ الصندوق إلى مكتبها مباشرة، وتعود به غالبا وليس فيه أية مبالغ نقدية، مشيراً الى أن الكليرك المتقاعدة كانت «مهتمة بالمبالغ النقدية (الكاش) بطريقة ملفتة».
وقد أخبر الموظف أحد المحققين بأنه كان في إحدى المرات ينوي دعوة بودا إلى الغداء خلال فترة الراحة (لانش) حين شاهدها عبر باب مكتبها الموارب وهي تدس المال في حقيبتها الشخصية، فيما كان الكثير من الأوراق النقدية فوق طاولة مكتبها، مضيفاً أن بودا شعرت بالارتباك حين تفاجأت بالموظف يدخل مكتبها.
يانصيب وكاميرا
بدأ القلق يساور الجميع بأن بودا تقوم باختلاس أموال البلدية، وكان لدى بعض الموظفين حدس إزاء تلك الدوافع، كونهم على علم بأن الكليرك لديها «إدمان خطير على القمار». وأشار أحد الموظفين إلى أن تفاخر بودا بلعب اليانصيب أخذ بالازدياد بالتزامن مع فقدان المبالغ النقدية من صندوق الكليرك. وعبر الموظف عن اعتقاده بأن بودا كانت تصرف أكثر من 50 دولاراً يومياً في لعب اليانصيب.
وبعد أسابيع قليلة من التحقيققات مع الموظفين في قسم الكليرك، تم تثبيت كاميرات مخفية في مكتب بودا، بإجازة قاضي محكمة ديربورن سالم سلامة. وكشفت الصور عن قيام بودا بسرقة المال مرتين ودسه في حقيبتها في منتصف شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، إضافة إلى قيامها بنشاطات أخرى.
وفي 16 كانون الأول (ديسمبر) 2015 تلقى مكتب الكليرك مذكرة تفتيش في الساعة 9 صباحا وقام المحققون وشرطة الولاية بمداهمة المبنى البلدي حيث تم التقاط الصور ومصادرة جوّال بودا الخاص بالعمل، إضافة الى صناديق تتضمن وثائق من شهادات الولادة والوفاة ونسخ الفواتير والسجلات و«الفلاشات» والأموال التي كانت في مكتب بودا، إضافة إلى أغراض أخرى.
وقد استأنفت بودا عملها ذلك اليوم حتى نهاية الدوام الرسمي، وبعدها حضرت إلى جانب رئيس البلدية جاك أورايلي وأعضاء المجلس البلدي جلسة لمجلس المدينة وكأن شيئاً لم يكن، قبل أن تقدم استقالتها عقب ثلاثة أيام من ذلك بداعي التقاعد.
وقد أفاد مكتب مدعي عام مقاطعة وين كيم وورذي، يوم الأربعاء الماضي، بأن بودا لم توجه لها أية اتهامات بعد، وأن التحقيقات في قضيتها ما تزال مستمرة.
غطاء داخلي
وتظهر تقارير شرطة الولاية أن أحد الموظفين الذين شككوا بقيام بودا بالسرقة، نقل الشكوى الى مديرة الموارد البشرية في البلدية سينثيا بيبر، بدلا من إبلاغ محامية المدينة ديبرا والينغ أو رئيس موظفي رئيس البلدية مارك غايدو، اللذين من المفترض أن يتعاملوا مع مثل تلك الادعاءات.
وأفادت الموظفة أنها فعلت ذلك لأنها تعرف أن كلا من والينغ وغايدو على علاقة طيبة ببودا.
وتطابقت مخاوف قائد شرطة المدينة رونالد حداد مع مخاوف المحققين المشروعة، حيث أقر المحققون بوجود «رأي سائد» في أروقة البلدية بقرب بودا من والينغ وغايدو.
وظلت مداهمة مكاتب البلدية طي الكتمان لمدة ثمانية أشهر، حيث لم يدلِ خلالها أي مسؤول بلدي بأي تصريح في هذا الشأن. ولم يخرج الموضوع الى دائرة الضوء إلا بعد اختلاف أعضاء المجلس البلدي بشأن الترتيبات المالية الخاصة بأجور بودا وتعويضاتها.
وتقدم عضوا المجلس توماس تافلسكي وروبرت ابراهام، بمقترح بتخصيص مبلغ 11300 دولار من ميزانية البلدية، كتعويض لبودا عن أيام المرض والإجازات.
وقال ابراهام حينها بأن «بودا لم تفعل شيئا سوى التقاعد في وضع جيد»، مؤكداً على قناعته بأنها «تستحق راتب التقاعد مع بعض المستحقات الأخرى».
وكان عضو المجلس مايك سرعيني قد عارض دفع آلاف الدولارات لبودا «التي ما تزال تخضع للتحقيق»، واصفاً المقترح المستعجل بأنه يلامس حدود الإهانة. وقال: «في ضوء ما يجري، بشأن اختلاس أموال دافعي الضرائب، وطالما أن التحقيق لم ينته بعد، لا أفهم كيف يمكن تمرير قرار كهذا».
بدورها، قالت بيبر إن الموظفين في البلدية، لهم الحق في الحصول على التعويضات بعد تقاعدهم، غير أن قانون ميشيغن يسمح بمصادرة تعويضاتهم في حال الإدانة بتهم جنائية أو خيانة ثقة الناس.
وقد أقر رئيس البلدية جاك أورايلي وجميع أعضاء المجلس، ما عدا سرعيني، أن من حق بودا الحصول على التعويضات، لأن التحقيقات ما تزال مستمرة ولا يوجد أي دليل حتى الآن على أنها مذنبة.
وتم إقرار تعويضات بودا بستة أصوات مقابل معارضة صوت واحد.
وأكدت محامي المدينة والينغ أنه إذا تمت إدانة بودا فسوف يكون بإمكان البلدية ملاحقتها لاسترجاع التعويضات.
وأفاد متحدث بإسم مكتب الادعاء العام في مقاطعة وين لـ«صدى الوطن»، بوجود مذكرة قضائية جاهزة وأن المكتب يحقق في قضية الاختلاس.
Leave a Reply