قبل 41 عاماً، صدر العدد اصفرب من صحيفة اصدى الوطنب بتاريخ 23 كانون الثاني (يناير) 1985، لتنطلق معه مسيرة مستمرة في مهنة المتاعب، التي لم يخفف من أعبائها وتحدياتها سوى رؤية الجالية العربية الأميركية، وهي تنمو وتزدهر في منطقة ديترويت.
مع صدور العدد 2084 هذا الأسبوع، تواصل اصدى الوطنب التي اختارت منذ تأسيسها شعار اجريدة العرب في أميركا الشماليةب، حضورها كصحيفة أسبوعية لا تكتفي بتغطية ومواكبة الأحداث، وإنما تحوّلت ذعلى مدار العقود الأربعة الماضيةذ إلى منبر إعلامي رائد، وقبلةً رئيسية لوسائل الإعلام الأميركية والدولية الساعية لتغطية أخبار العرب الأميركيين في عموم الولايات المتحدة وولاية ميشيغن تحديداً.
اصدى الوطنب، التي ولدت في ديربورن، وواكبت نمو المجتمع العربي وتطوره في المدينة التي أصبحت اعاصمة العرب الأميركيينب، شكلت على مدار مسيرتها، مرآة صادقة للمجتمع العربي الأميركي، وبوصلة موثوقة لتطلعاته، فضلاً عن دورها المهني في أرشفة تاريخ الجالية كـاشاهد ملكب على التغيرات الديموغرافية والاجتماعية والسياسية العميقة التي طرأت على المجتمع المحلي.
هذه الاستمرارية والمسيرة الزاخرة بالإنجازات للصحيفة الناطقة باللغتين العربية والأميركية، لم تكن وليدة الصدفة وإنما تعكس الإرادة الصلبة للناشر الزميل أسامة السبلاني ولجهود جميع العاملين في الصحيفة على مدار تاريخها الحافل بالتحديات الجسام التي كانت كفيلة بالإطاحة بالكثير من الصحف الأخرى محلياً ووطنياً وعالمياً.
ورغم كل التحديات التي عصفت ومازالت تعصف بالصحافة الورقية، تواصل اصدى الوطنب مسيرة الصمود في وجه المتغيرات المتلاحقة ومختلف المصاعب المالية واللوجستية المعقدة، لتبقى ذرغم العقباتذ جسراً معرفياً يربط الأجيال العربية الأميركية بهويتها، ومنبراً إعلامياً برهن عقداً بعد آخر على قدرة الكلمة المسؤولة في البقاء والاستمرار والتأثير.
حين وُضع حجر الأساس لصحيفة اصدى الوطنب في عام 1984 كمشروع إعلامي طموح، كان المجتمع العربي الأميركي في منطقة ديترويت لايزال في طور التشكل، بينما كانت الظروف المحيطة بالتأسيس تفتقر إلى أدنى المقومات والإمكانيات التكنولوجية المتاحة اليوم.
ففي تلك الحقبة، لم تكن قد أبصرت النور بعد، تقنيات الحواسيب وبرامج التصميم ولا شبكة الإنترنت أو الهواتف والتطبيقات الذكية التي تشكل في الوقت الحاضر عماد الصناعة الإعلامية، مما جعل من عمليات الكتابة والتحرير والإخراج باللغتين العربية والإنكليزية، وصولاً إلى الطباعة والتوزيع الميداني، مهمةً شاقة تتطلب جهداً مضاعفاً وصبراً استثنائياً، دفع الكثيرين للتشكيك في قدرة هذه التجربة الوليدة على الصمود، أو حتى مجرد إثبات الذات في قلب سوق الإعلام الأميركي بما يفرضه من منافسة شرسة وسطوة لمؤسسات إخبارية كبرى تمتلك موارد هائلة.
وبالفعل، لم تكن تلك التوقعات بالتعثر مجرد هواجس، إذ كاد المشروع أن يبوء بالفشل في مطلع تسعينيات القرن المنصرم حين اصطدمت الصحيفة بحائط مسدود جراء أزمة مالية خانقة دفعتها لإعلان الإفلاس، غير أن نقطة التحول جاءت مع اتساع الجالية ونموها كقوة اقتصادية ناشئة تزامناً مع بزوغ فجر الإنترنت والاتصالات، وهو لفت أنظار كبريات الشركات الأميركية مثل اويسترن يونيونب واأي تي آند تيب واديش نتووركب وغيرها لاستهداف المستهلك العربي الأميركي، فاتجهت للإعلان عبر صفحات الجريدة، مما فتح آفاقاً تمويلية جديدة منحت اصدى الوطنب نوعاً من الاستقرار النسبي والموارد المالية التي مكنتها من مواصلة المهمة التي نذرت نفسها لها.
وفي خضم التحديات المستجدة، واصلت الصحيفة نموها المطرد حائزةً على ثقة العرب الأميركيين لتشكّل منصة ضغط إعلامي وسياسي ساهم بشكل فعال في بلورة تطلعات الجالية إلى لعب أدوار سياسية واقتصادية وثقافية محورية.
ومع هبوب رياح االسوشال ميدياب وتغير طبيعة العمل الإعلامي، دخلت الصحافة العالمية نفقاً مظلماً زلزل عالم الإعلام المطبوع، حيث تهاوت صحف أميركية عريقة واجهت شبح الإغلاق أو الاستحواذ أو التخلي عن النسخ الورقية، ولم تنجُ من تلك المقصلة إلا الصحف التي تملكها الشركات الكبرى أو الصناديق الاستثمارية الضخمة.
اصدى الوطنب لم تقف مكتوفة الأيدي أمام متغيرات الإعلام، إذ بادرت في العام 1996 إلى إطلاق موقعها الإلكتروني على الشبكة العنكبوتية، كأول موقع أخباري باللغتين العربية والإنكليزية، والذي يستقطب اليوم، مئات آلاف المتصفحين حول العالم، كما تنشط الصحيفة على منصات التواصل الاجتماعي مثل افيسبوكب واأكسب (تويتر سابقاً)، مع تطلعات لتعزيز هذا الجانب تكيّفاً مع الأدوات العصرية دون التخلي عن جوهر الصحافة الورقية والرصانة المهنية في زمن أفول وغياب الإعلام الاحترافي المستقل.
مسيرة اصدى الوطنب التي تمتد من زمن التيليكس والفاكس، لم تعترضها التحديات والتغيرات التكنولوجية فحسب، بل واجهت تحدياً من نوع غير مسبوق خلال جائحة كورونا التي أحدثت تداعيات كارثية عصفت بالاستقرار المالي للكثير من المؤسسات والأعمال العربية الأميركية التي كانت تمثل إعلاناتها في الصحيفة، الشريان الحيوي لدفع الفواتير المستحقة ورواتب الموظفين. وفي تلك الحقبة الحرجة، وبينما كان العالم يحتجب خلف الأبواب وتتوقف عجلة الحياة العامة، وجدت اصدى الوطنب نفسها أمام تهديد مباشر من جراء جفاف الموارد، مما وضعها في مواجهة مباشرة مع خيار التوقف لولا الإرادة الفولاذية للناشر الذي رفض الاستسلام للأمر الواقع وأصرّ على كتابة فصل جديد من ملحمة الصمود عبر الحفاظ على انتظام الإصدار الأسبوعي دون انقطاع، متحدياً كافة التعقيدات الاقتصادية واللوجستية.
واليوم، تواصل اصدى الوطنب مشوارها الإعلامي الرائد بصفتها الصحيفة الأسبوعية العربية الوحيدة في الولايات المتحدة، وهي لا تكتفي بالاتكاء على تاريخها الطويل، بل تتطلع إلى آفاق رحبة من التوسع والريادة الرقمية، فإلى جانب ترسيخ حضورها عبر موقعها الإلكتروني ومنصاتها المتعددة على مواقع التواصل الاجتماعي، تستعد الصحيفة في القريب العاجل لولوج عالم الإنتاج المرئي بمهنية واحترافية، حيث تعمل في هذا الإطار على تجهيز استديو متطور يضم أحدث تقنيات التصوير والأنظمة الصوتية، ليكون منصةً لإنتاج برامج نوعية تعكس مسؤولية الصحيفة تجاه المجتمع المحلي وتقديمه بشكل محترف، بعيداً عن طفيليي الإعلام على السوشال ميديا.
وفي سياقٍ متصل، ووفاءً لذاكرتها الصحفية الطويلة، تعمل اصدى الوطنب في الوقت الحالي على مشروع طموح لرقمنة أرشيفها الضخم الذي يوثق كافة الأعداد الصادرة على مدار 41 عاماً، حيث لن تكتفي الصحيفة بتوفير جميع الأعداد بصيغة PDF التقليدية، بل ستفرد على موقعها الإلكتروني رابطاً تفاعلياً متطوراً يتيح للقراء والباحثين تصفح الأرشيف التاريخي بتقنيات الرقمنة الشاملة، وهي ميزة تمنح المستخدمين إمكانات هائلة للتعامل مع المحتوى، بما في ذلك البحث الذكي والنسخ واقتباس النصوص وقصّ المواد الصحفية بسهولة ويسر.
إن هذا التحول من الأرشفة الصورية إلى الأرشفة الرقمية التفاعلية يعكس حرص الصحيفة على تحويل إرثها التاريخي إلى قاعدة بيانات حية ومتاحة لخدمة الأجيال المتعاقبة وصون ذاكرة العرب الأميركيين بأحدث الأدوات التكنولوجية المعاصرة.
إن مسيرة اصدى الوطنب لم تكن مجرد عقود من تغطية الأخبار والتفاعل معها، بل كانت تجربة ملهمة وشجاعة حظيت بتقدير واسع من كبرى المؤسسات والجامعات الأميركية والفعاليات الرسمية داخل وخارج الولايات المتحدة، والتي منحت ناشرها الزميل أسامة السبلاني عديد الجوائز والأوسمة، من بينها اجائزة هيلين توماس لروح التنوع الصحفيب من جامعة اوين ستايتب، وكذلك، اجائزة التنوعب من االرابطة الوطنية لتقدم الملونينب ومؤخراً جائزة اجون لويسب التي تُمنح بمناسبة الاحتفال بعيد ميلاد مارتن لوثر كينغ جونيور، مروراً بتكريم السبلاني عبر ضمّه إلى اقاعة مشاهير الصحافة في ميشيغنب، وصولاً إلى إطلاق اسمه على جزء من شارع وورن في ديربورن تكريماً لمسيرته المهنية بقرار من حكومة مقاطعة وين.
لا ريب أن التكريمات الكثيرة التي نالتها الصحيفة وناشرها أسامة السبلاني، تشكل نوعاً من المكافأة المُرضية بعد عقود طويلة من العمل الشاق، إلا أن المكافأة الأكبر تبقى في اعتزازنا وافتخارنا بازدهار الجالية وإنجازاتها في مختلف الميادين، لأن هذه الإنجازات إنما تعكس صوابية الرؤية التي أطلقها السبلاني قبل 41 عاماً، نحو بناء مجتمع عربي أميركي مزدهر وفاعل.
اصدى الوطنب






Leave a Reply