مسيرة مهنية حافلة ومتجذّرة في ديربورن
ديربورن ذ إبتسام خنافر
في منزل عربي أميركي تقليدي بمدينة ديربورن، بدأ الدكتور حسن فؤاد عبدالله، مسيرة مهنية حافلة تُوّجت مؤخراً بتعيينه نائباً لرئيس MRO Corp وررئيساً للامتثال والخصوصية في الشركة الأميركية الرائدة في مجال توفير الحلول الذكية لإدارة وتبادل البيانات الصحية.
ففي وقتٍ تشهد فيه أنظمة الرعاية الصحية تحوّلاً متسارعاً نحو الرقمنة، ومع تعاملها اليومي مع كميات هائلة من البيانات الصحية الحساسة، لم يعد الامتثال والخصوصية مجرد متطلبات تنظيمية، بل أصبحا عنصرين أساسيين في بناء الثقة وصياغة القرار المؤسسي.
بالنسبة لعبدالله، المقيم في ديربورن والعضو في لجنة الأخلاقيات التابعة لبلدية المدينة، لم يأتِ اختياره من قبل شركة MRO Corp التي تتخذ من ولاية بنسلفانيا مقراً لها، وليد الصدفة، بل استند إلى خبرة عبدالله المديدة التي تجاوزت 15 عاماً في مجال إدارة البيانات الصحية والامتثال للقوانين، والتي وجدتها الشركة خبرة مناسبة لملء المنصب الذي استحدثته مؤخراً لمواكبة متغيرات السوق وفق خططها الاستراتيجية طويلة الأمد.
ويُقصد بمفهوم الامتثال والخصوصية، التزام المؤسسات الصحية بالقوانين واللوائح التي تنظّم عملها، إلى جانب حماية المعلومات الصحية الحساسة للمرضى، وضمان جمعها واستخدامها ومشاركتها بطريقة مسؤولة تحافظ على الثقة وتراعي الحقوق الفردية، خصوصاً في بيئة رقمية تتسارع فيها وتيرة تبادل البيانات.
في السياق، يؤكد عبدالله في حديثه لصحيفة اصدى الوطنب على أن االامتثال لم يعد وظيفة إدارية تُدار من خلف الكواليس. بل أصبح في قلب القرار والأساس الذي تستند إليه المؤسسات الصحية في بناء الثقة والتوسع دون التفريط بمسؤوليتها تجاه المرضى والمجتمعب.
بصفته رئيساً للامتثال والخصوصية، سيتولى عبدالله الإشراف على استراتيجيات الامتثال والخصوصية، وضمان الالتزام بالقوانين والأنظمة الفدرالية والولائية، وحماية بيانات المرضى، وتعزيز الأطر الأخلاقية، وترسيخ مبادئ الحوكمة والمساءلة في بيئة مهنية شديدة التنظيم.
وفي وظيفته الجديدة، سيعمل عبدالله بشكل مباشر مع الإدارة التنفيذية، والفرق القانونية، وخبراء الأمن السيبراني، وقادة العمليات، لضمان أن تكون المتطلبات التنظيمية جزءاً من تصميم العمليات اليومية، لا عبئاً يُضاف بعد اتخاذ القرارات.
ويشرح عبدالله قائلاً: اإذا حضر الامتثال في نهاية العملية فقط، فغالباً يكون الأوان قد فاتب، لافتاً إلى أنه ايجب أن يكون حاضراً منذ البداية: عند صياغة الاستراتيجية، وعند تصميم المنتجات، وعند اتخاذ القرارات بشأن كيف وأين ولماذا تتحرك البياناتب.
وتُعدّ مواكبة تطوّر القوانين الفدرالية وقوانين الولايات المعقّدة، مثل قانون HIPAA وقوانين الخصوصية المتغيّرة، وتحويلها إلى أطر تشغيلية واضحة وقابلة للتطبيق، جزءاً أساسياً من عمل عبدالله اليومي.
ويضيف: االسياسات وحدها لا تكفي. الامتثال الحقيقي يظهر في سير العمل، وفي الضوابط، وفي القرارات الصغيرة التي تُتخذ كل يومب.
وقبل انضمامه إلى MRO، شغل منصب رئيس الامتثال والتحقيقات الخاصة في شركة Oscar Health، حيث عمل في بيئة تأمين صحي تعتمد على التكنولوجيا وتشهد نمواً متسارعاً، وتعامل مع تحديات تنظيمية معقّدة، وإجراءات إنفاذ، وتحقيقات داخلية في قطاع سريع التغيّر. وفي مرحلة سابقة، تولّى منصب رئيس الامتثال المؤقت في Health Alliance Plan of Michigan، حيث أشرف على جهود الامتثال الوطنية عبر مجالات متعددة تشمل تقديم الرعاية الصحية، والتعويضات، والحوكمة المؤسسية.
ويؤكد عبدالله أن أكثر التجارب تأثيراً في تشكيل أسلوبه القيادي لم تكن مرتبطة بالمناصب التي تولاها، وإنما بالجذور والقيم التي تربى عليها.
ويقول: الم يكن الأمر مجرد مسائل نظرية أو قانونية بحتة. بل كان يتعلق بقدرة المرضى في الوصول إلى العلاج، وبالسياسات الدوائية، وبكيفية استجابة المؤسسات في لحظات حاسمةب.
يرى عبدالله أن نماذج الامتثال التقليدية، التي تركز على التدريب الدوري، وكتيّبات السياسات، والتدقيق بعد التنفيذ، لم تعد كافية في بيئة صحية تتسم بسرعة التطور، وتداخل التكنولوجيا، وتعقيد البيانات في شركة رائدة مثل MRO، حيث يشارك فريق الامتثال في التخطيط الاستراتيجي، وتطوير الأعمال، ومناقشة مبادرات تبادل البيانات، والحلول التقنية الجديدة.
وأردف عبدالله قائلاً: اعندما يكون الامتثال جزءاً من الحوار منذ البداية، تساعد المؤسسة نفسها على فهم، ليس فقط ما يمكنها فعله، بل كيف يمكنها القيام به بطريقة تحمي الثقة وتقلل المخاطر على المدى الطويلب.
يركّز عبدالله في منصبه الجديد أيضاً على خصوصية البيانات والأمن السيبراني، خصوصاً مع تصاعد مطالب السوق بسرعة الوصول إلى البيانات، وتحقيق التشغيل البيني، واستخدام أدوات رقمية متقدمة.
ويقول: اهناك ضغط حقيقي نحو السرعة وسهولة الوصول، لكن في المقابل، قوانين الخصوصية لا تختفي، بل تصبح أكثر صرامة، ونشاط الإنفاذ التنظيمي يتزايدب.
وتنتقل البيانات الصحية اليوم عبر أنظمة سجلات إلكترونية، ومنصات سحابية، وجهات خارجية متعددة، ما يتطلب ذبحسب عبداللهذ حوكمة دقيقة تحدد مكان وجود البيانات، ومن يملك حق الوصول إليها، وكيفية استخدامها.
كما يشير إلى أن استخدام الأنظمة الذكية يضيف طبقة جديدة من التعقيد والمخاطر، خصوصاً عندما تؤثر مخرجاتها على قرارات الرعاية الصحية أو وصول المرضى إلى الخدمات. ويؤكد: اإذا لم تستطع المؤسسة شرح كيفية اتّخاذ القرار، وما هي البيانات التي استُخدمت، فإن الثقة تتآكل بسرعةب.
البداية من ديربورن
ولد حسن عبدالله في ديربورن عام 1970 لأسرة لبنانية مهاجرة من مدينة بنت جبيل في جنوب لبنان.
والده، فؤاد عبدالله، قدم إلى الولايات المتحدة وهو في سن الخامسة عشرة من عمره، حيث لم تكن الهجرة خياراً سهلاً أو مضمون النتائج، بل مخاطرة فرضتها ظروف الحرب وعدم الاستقرار، ورافقها العمل الشاق والصبر الطويل لبناء حياة جديدة في بلد مختلف اللغة والثقافة.
نشأ حسن في عائلة كبيرة ضمت 11 ابناً وابنة، وكان العاشر بينهم. هذا الواقع العائلي الكبير شكّل شخصيته مبكراً، وعلّمه معنى أن يكون الفرد جزءاً من منظومة أكبر منه، وأن الدور الحقيقي لا يُقاس بالموقع أو الترتيب، بل بمدى تحمّل المسؤولية تجاه الآخرين.
في عام 2007، توفي والده، وكانت تلك لحظة مفصلية في حياة حسن. لا يتحدث عن تلك المرحلة بوصفها حزناً فقط، بل باعتبارها نقطة وعي مبكرة جعلته أكثر إدراكاً لقيمة الوقت، وأكثر التزاماً بأن يكون لكل قرار يتخذه معنى يتجاوز ذاته.
وفي حديثه لصحيفة اصدى الوطنب، قال حسن: اأنا فخور جداً بأنني ابن فؤاد عبدالله. والدي لم يكن رجل شعارات، بل رجل أفعال. ما فعله في حياته هو الأساس الذي وقفنا عليه جميعاًب.
تلقى حسن تعليمه في مدارس ديربورن العامة، وتخرّج من ثانوية افوردسونب حيث بدأ اهتمامه مبكراً بفهم الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية، والعلاقة بين القانون والمجتمع، وهو ما انعكس لاحقاً على خياراته الأكاديمية.
نال شهادة بكالوريوس في الاقتصاد والتمويل من جامعة اوين ستايتب، ثم درس القانون في كلية اتوماس كوليب للحقوق ليواصل تطوير معرفته الأكاديمية والمهنية من خلال نيله شهادة في القانون الصحي والامتثال من كلية الحقوق بـاجامعة كورنيلب إلى جانب حصوله على اعتمادات مهنية متخصصة في مجال الامتثال وحوكمة البيانات الصحية، من أبرزها CHC وFAHDM.
ورغم تنقله بين الجامعات والوظائف بعد ذلك، حافظ دوماً على انتمائه إلى المدينة التي ولد وترعرع فيها، باعتبار أن الانتماء للمكان ليس تفصيلاً جغرافياً، بل التزاماً أخلاقياً تجاه المجتمع الذي شكّل هويته.
يقول حسن إن والده كان له التأثير الأكبر في تكوين شخصيته. فقد نشأ وهو يشاهد مثالاً حياً عن معنى المسؤولية، والانضباط، والعمل بصمت، دون شكوى أو استعراض، موضحاً أن والده علّمه أن االنجاح لا يُمنح، بل يُبنى خطوة بخطوة، وأن الاسم الذي يحمله الإنسان هو أمانة يجب الحفاظ عليها واحترامهاب.
من هنا، يحرص حسن على تقديم نفسه باسمه الكامل حسن فؤاد عبدالله، معتبراً أن الاسم جزء لا يتجزأ من الهوية. فبالنسبة له، استخدام الاسم الكامل هو تعبير عن احترام العائلة، والأب، والجذور، والتاريخ الشخصي، ورسالة واضحة بالاعتزاز بالانتماء ورفض أي محاولة لتخفيف الهوية أو تغييرها طلباً للقبول.
على الصعيد الشخصي، يشكّل البيت الركيزة الأساسية في حياة حسن عبدالله. فهو متأهل من زوجته سمر، ولهما ثلاث بنات هنّ: آية وليلى ودلال.
ويؤكد أن عائلته الصغيرة ليست تفصيلاً جانبياً في حياته، بل اأولوية ثابتة ومحور أساسي في قراراتهب، موضحاً أن حضوره وتفاعله اليومي مع بناته امسؤولية لا تقل أهمية عن أي إنجاز مهنيب.
الخدمة العامة
إلى جانب مسيرته المهنية، تولّى عبدالله عدة مناصب في الخدمة العامة تتعلق بالقوانين والرقابة الصحية والأخلاقيات.
ففي عام 2021، خاض تجربته الانتخابية الأولى بفوزه بعضوية لجنة تعديل ميثاق مدينة ديربورن مستنداً إلى ثقة المجتمع المحلي بشخصه وبمؤهلاته المهنية. وقد شكّل فوزه ذلك، محطة مفصلية في مسيرته العامة، قبل أن تعيّنه حاكمة ولاية ميشيغين، غريتشن ويتمر، في عام 2024، عضواً في مجلس الطب بالولاية، وهو المجلس التأديبي المعني بالسلوك المهني والامتثال التنظيمي للأطباء في الولاية.
كما يرأس عبدالله حالياً لجنة الأخلاقيات في بلدية ديربورن، وهي الهيئة المسؤولة عن تطبيق مدونة الأخلاقيات ومراجعة قضايا تضارب المصالح في العمل البلدي.
ويقول: االخدمة العامة تذكّرك دائماً بأن القرارات التنظيمية ليست أرقاماً أو مستندات، بل قرارات تمس أشخاصاً حقيقيين وحياة حقيقيةب.
ويضيف عبدالله لصحيفة اصدى الوطنب بأن أسلوبه القيادي لا ينفصل عن وعيه العميق بكل العوامل التي أدت إلى نجاحه الشخصي ومنحت معنىً لمسيرته المهنية. وتابع قائلاً: اأفكّر كثيراً في عدد الأمور التي كان لا بد أن تقع حتى أصل إلى هنا، ليس فقط في حياتي، بل في حياة والديّ وإخوتي والمجتمع من حولي… آلاف اللحظات والتضحيات كان عليها أن تتقاطع حتى تصبح الفرصة ممكنةب.
ورغم إيمانه العميق بأهمية الانضباط والعمل المتواصل، يحرص على عدم تصوير النجاح كإنجاز فردي، مؤكداً أن االعمل الجاد مهم، لكنه لا يحدث من فراغ. لا أحد يصل بمفرده. فالحياة نفسها يجب أن تتحرك بطريقة معيّنة حتى تتوفر الفرصةب.
وفي هذا الصدد، يشير إلى أن الجيل الأول في المجتمع هو مصدر دائم للتواضع والرؤية الأوسع، وقال: اهؤلاء حققوا إنجازات في ظروف لا يمكننا تخيّلها اليوم. دون ضمانات، ودون شبكات أمان. وما نراه اليوم كفرصة كان بالنسبة لهم مخاطرة كاملةب.
هذا الإدراك، بحسب عبدالله، يحوّل الامتنان إلى التزام. إذ قال: اأنا ممتن للمكانة التي وصلت إليها، لكن هذا الامتنان يأتي مع إحساسي بالمسؤولية بأن أمهد الطريق للآخرين، وأن أرفع السقف، وأن أخلق فرصاً أكبر للجيل القادمب.






Leave a Reply