ديربورن ذ إبتسام خنافر
قبل سنوات، كانت كلمة االبلديةب مصدر قلق لأصحاب المشاريع العمرانية والتجارية في مدينة ديربورن، فغالباً ما كانت تعني انتظاراً طويلاً، وأكواماً من الأوراق، وزيارات متكررة للمكاتب، ومتاهة من الموافقات الكفيلة بدفن أي مشروع قبل ولادته.
بالنسبة للكثيرين، كان افتتاح مشروع تجاري في ديربورن أشبه بمسار طويل من العقبات والتعقيدات البيروقراطية الكفيلة بتحويل المبادرة إلى مغامرة، وتحويل الشغف إلى تردد… إلا أن هذا المشهد السوداوي سرعان ما تبدل تحت إدارة رئيس البلدية عبدالله حمود ومدير دائرة التنمية الاقتصادية في المدينة جوردان تواردي، من خلال مقاربة شاملة تقوم على دعم روح المبادرة بدلاً من تثبيطها.
هذا التحوّل، حسبما أوضح تواردي لصحيفة اصدى الوطنبذ لم يأتِ عن طريق الصدفة ولا نتيجة مبادرة آنية، بل هو نتيجة قرار سياسي وإداري واضح اتخذ عام 2022، بأن تتحول بلدية ديربورن من مجرد جهة حكومية تنظيمية إلى داعم وشريك في صناعة الفرص الاقتصادية، وذلك بعد إجراء تغييرات هيكلية شاملة، وإعادة بناء جذرية لكيفية عمل البلدية مع المستثمرين وأصحاب الأعمال والسكان.
باختصار، لم يعُد يُنظر إلى دائرة التنمية الاقتصادية على أنها مجرد مكتب يصدر التصاريح، بل أصبحت نظاماً متكاملاً مصمّماً لتوجيه رواد الأعمال خطوةً بخطوة، من الفكرة إلى المتجر، وفقاً لتواردي.
فالحديث هنا ليس عن اتحسيناتب شكلية، بل عن إعادة تعريف كاملة لدور البلدية في الاقتصاد المحلي، إذ تحولت دائرة التنمية الاقتصادية في إدارة حمود إلى خلية نحل تنشط عبر العديد من البرامج والمبادرات المصمّمة لتعزيز التواصل مع أصحاب الأعمال التجارية، وتدريب رواد الأعمال، وربطهم بالموارد ومصادر التمويل، وتنظيم الفعاليات الاقتصادية، وصولاً إلى تطوير المناطق التجارية وبناء المنازل الجديدة.
يؤكد تواردي أن البلدية اليوم، تتعامل مع الاقتصاد كمنظومة مترابطة لا كملفات منفصلة، وهذا ما أكده أيضاً كبار مساعديه في الدائرة لـاصدى لوطنب؛ الدكتورة ديجانيه دوغلاس، مسؤولة تنمية القوى العاملة؛ وأماندا سانسن، مسؤولة الفعاليات الاقتصادية؛ وماريا ويلت، مسؤولة المنح والعمل الخيري، اللواتي قدّمن شرحاً مفصلاً حول كيفية تخلص البلدية من التعقيدات البيروقراطية والتحول إلى منظومة موحدة.
اقتصاد المكان
يقول تواردي إنه عندما بدأ العمل في مدينة ديربورن، عقب تولي عبدالله حمود رئاسة البلدية مطلع عام 2022، اكانت دائرة التنمية الاقتصادية مشتتة بين أقسام عديدةب، موضحاً أن االتصاريح كانت في جهة، والتصنيف العقاري في جهة، ودعم الأعمال التجارية في جهة أخرى، وحتى جزء من مهام الدائرة كان موكلاً إلى متعاقدين خارجيينب.
وأضاف الم يكن هناك مركز واحد للمسؤولية. وكان صاحب المشروع يضطر إلى التنقل بين المكاتب والأقسام وكأنه ساعي بريدب، مؤكداً أن اهذا بالضبط ما لا نريدهب، لأن ارائد الأعمال لا يجب أن يحمل ملفه من باب إلى باب، بل يريد جهة واحدة تقول له: نحن معك من البداية للنهايةب.
وأرف تواردي أن الحاجة إلى التغيير كانت ملحة، لذا اتخذت المدينة قراراً جوهرياً: توحيد جميع الخدمات ضمن دائرة واحدة، وفق مبدأ ااقتصاد المكانب، وهو نهج اقتصادي جزئي يركز على الموارد والأصول والصناعات الخاصة بمنطقة جغرافية محددة، حيث تقوم دائرة التنمية الاقتصادية اليوم، ابكل شيءب من إصدار التراخيص ومراجعة المخططات مروراً بتقديم المنح لتجميل واجهات المحال ودعم الأعمال الصغيرة، وصولاً إلى تنظيم البرامج والمناسبات وورش العمل وتنشيط المناطق التجارية.
وبحسب تواردي، أصبح ااقتصاد المكانب أساس التفكير داخل الدائرة. فالمسألة لم تعد: كيف نصدر تصريحاً أسرع؟ بل: كيف نجعل الشارع أكثر حيوية؟ كيف نجذب الزبائن؟ كيف نحافظ على المستثمر؟ وكيف تتحول الفكرة إلى متجر فعلي؟
وتابع: اإذا لم يكن الشارع حياً، فلن ينجح المتجر. وإذا لم ينجح المتجر، فلن تنجح المدينةب، مؤكداً أن اكل شيء مرتبط ببعضه: التدريب، التمويل، الفعاليات، التخطيط الحضري… كلها أجزاء من الصورة نفسهاب.
وأوضح تواردي انحن مسؤولون عن كل ما يلزم… سواء كنتَ تُؤسس مشروعاً تجارياً أو تُنمّيه أو تُحسّن واجهة متجر أو تُقيم فعاليات، فنحن نُشارك في كل ذلكب، مضيفاً بأن دائرته تُروّج أيضاً لمدينة ديربورن على نطاق أوسع النُبيّن ما يُميّزها، ولماذا يجب على الناس أن يرغبوا في العيش والعمل والاستثمار والترفيه فيهاب.
إصلاحات جذرية
الدمج الإداري وتركيز المسؤوليات لم يكن كافياً. فالتحدي الأكبر كان يكمن في مواكبة التطور التكنولوجي.
يقول تواردي: اأردنا أن ننهي زمن الاتصال عبر الهاتف للسؤال: أين وصل طلبي؟ب، مشيراً إلى أن اوقت المستثمر ثمينب ويجب ألا يضيع في الانتظار أو التنقل بين الأقسام، ولذلك، تم إطلاق نظام إلكتروني متكامل يتيح تقديم الطلبات والمخططات ودفع الرسوم، ومتابعة كل خطوة عبر الإنترنت دون الحاجة إلى زيارة مبنى البلدية بشكل متكرر.
وأردف قائلاً: االشفافية والسرعة في إنجاز المعاملات اليست رفاهية، بل هي جزء من بيئة الاستثمارب.
لم يتوقف الأمر عند التكنولوجيا، إذ باشرت الدائرة أيضاً عملية مراجعة شاملة للوائح التنظيمية القديمة.
وأشار تواردي إلى اكتشاف الكثير من القوانين المتضاربة والعبثية التي الا تخدم أحداًب والا أحد يتذكر سبب وجودهاب، لافتاً إلى أن ابعض اللوائح كانت تُعيد المراجعين إلى لجان فرعية كإجراء شكلي، رغم أننا كنا سنوافق في النهايةب، متسائلاً الماذا نُرهقهم؟ب.
وقال: األغينا الكثير من تلك العوائق، لأن القوانين التي لا تحمل أي قيمة، لا داعي لهاب، مؤكداً أن عملية تحديث اللوائح تتم وفق معيار اتسريع الإجراءات دون المساس بالجودةب.
العمل الميداني
أكثر ما يفتخر به تواردي وفريق عمله، هو االنزول إلى الشارعب. إذ أن اأفضل الاجتماعات ليست في قاعات الاجتماعاتب، كما يقول تواردي، اوإنما على الأرصفة أمام المتاجرب.
لذلك، أعادت البلدية بناء فريق الارتباط التجاري، وأصبح لكل منطقة تجارية مندوب مباشر يزور المتاجر ويتابع احتياجاتها، والنتيجة: أكثر من 3,000 زيارة ميدانية حتى الآن.
وقال تواردي اإنهم يتواجدون في الشوارع يومياً، ويتحدثون مباشرةً مع أصحاب المتاجر ويربطونهم بالمنح ويحلون مشاكلهم ويساعدونهم على الانضمام إلى برامجناب.
يقول تواردي: انطرق الأبواب، نسأل: ماذا تحتاجون؟ هل تعرفون عن المنح؟ هل تحتاجون تدريباً؟ هل لديكم مشكلة في الترخيص؟ب، موضحاً أنه اعندما تقف أمام المتجر ترى أشياء لا تراها في التقارير: اللافتة، الرصيف، حركة الناس… هذه التفاصيل تصنع الفرقب، وفق تعبيره.
دعم النساء
جهود دائرة التنمية الاقتصادية في بلدية ديربورن تبدأ تقريباً من الصفر، فهي لا تكتفي بدعم الأعمال التجارية القائمة، بل تسعى أيضاً إلى مد يد العون للأشخاص الراغبين بإطلاق مشاريعهم الخاصة، وتحديداً، من نساء المدينة.
وفي قلب هذا الجهد، تقف مديرة التواصل وتنمية القوى العاملة، ديجانيه دوغلاس التي أفادت صحيفة اصدى الوطنب بأن االكثير من المدن تقول للناس: ابدأوا مشروعاً. لكن ماذا بعد؟ نحن لا نتركهم. نأخذ بيدهم في مسار متكاملب، مؤكدة أن الدائرة لا تقدم مساعدة رمزية، وإنما دعماً عملياً ضرورياً لرواد الأعمال.
وتحدث دوغلاس مطوّلاً عن برنامج اديربورن ووركسب النسائي، وهو ورشة تدريبية مكثفة على مدار ثمانية أسابيع، تتعلم خلالها المشاركات كل ما يتعلق بإنشاء وإدارة عمل تجاري ناجح، من الثقافة المالية وتسجيل الشركة والعلامة التجارية، إلى الضرائب والتسويق وبناء العلاقات.
وقالت: انحن لا نقدم النصائح والتشجيع فقط، بل نوفر أدوات حقيقية لمساعدة النساء على تأسيس الشركات، مثل التمويل والتدريب وشبكات العلاقاتب.
وفي نهاية المعسكر، يقدّم البرنامج الذي يتم بالتعاون مع جمعية اإمرأةب (مجلس سيدات الأعمال العربيات الأميركيات) AAWBC، مبلغ 3,500 دولار كتمويل تأسيسي لكل متخرجة، مع إمكانية المنافسة على تمويل إضافي عبر مسابقات أخرى.
ويستخدم التمويل التأسيسي لتغطية نفقات محددة مثل دفع الرسوم القانونية والتسجيل والتسويق.
وقالت دوغلاس بفخر واضح: احتى الآن أطلقنا أكثر من 15 مشروعاً فعلياً، ودربنا أكثر من 100 مشارِكة. وبعض هذه المشاريع أصبح لديه متاجر حقيقية في ديربورنب، واصفة ارؤية شخص ينتقل من فكرة في المنزل إلى متجر مفتوح للزبائنب بأنها اتجربة لا تُنسىب.
محرّكات اقتصادية
ترى مسؤولة الفعاليات الاقتصادية أماندا سانسين، دورها من منظور مختلف، لكنه استراتيجي بنفس القدر.
وقالت لصحيفة اصدى الوطنب إن االفعاليات البلدية، مثل الأسواق الموسمية والمهرجانات السنوية اليست مجرد مناسبات للترفيه، بل هي محرك اقتصادي حيويب، موضحة أنه على مدى السنوات الثلاث الماضية، أُعيد تشكيل فعاليات المدينة لتصبح امحوريةب في دفع عجلة الاقتصاد المحلي.
وأشارت سانسين إلى أن المهرجانات والأسواق الموسمية مثل سوق الصيف والخريف، فتحت الطريق أمام تأسيس أكثر من 120 شركة صغيرة في المدينة، عبر توفير بيئة منخفضة المخاطر، لعرض منتجاتها واختبار مدى إقبال المستهلكين عليها.
ومن الفعاليات الاقتصادية الجديدة، معرض اديربورن أكسبوب للموارد الذي استضاف أكثر من 85 شركة في نسخة العام الماضي، بهدف ربط أصحاب الأعمال بالمقاولين والمحامين والمقرضين ومقدمي الخدمات.
وبحسب المسؤولين، غادر المشاركون اديربورن أكسبوب بعقود وشراكات، وليس مجرد كتيّبات وبطاقات تعريف.
وكما في العام الماضي أيضاً، تشرف دائرة التنمية الاقتصادية هذا العام على النسخة الثانية من مسابقة اليلة الابتكارب التي تقدم جوائز مالية تتراوح بين 5,000 دولار و25,000 دولار للشركات المحلية الصغيرة التي لا تزيد إيراداتها عن 250 ألف دولار سنوياً.
وأوضح تواردي أن مسابقة اليلة الابتكارب ذالتي تقام بالتعاون مع اغرفة التجارة الأميركية العربيةبذ تهدف إلى تسليط الضوء على الأفكار الجريئة والمواهب الريادية التي تُشكّل مستقبل ديربورنب، مؤكداً اعتزاز البلدية ابالاستثمار في المبتكرين المحليين وتوفير الموارد اللازمة لهم لتحويل أفكارهم الرائعة إلى شركات نامية وفرص عمل جيدةب.
وفي الخلفية، تعمل مسؤولة المنح والعمل الخيري في الدائرة، ماري ويليت، على التنسيق مع المنظمات غير الربحية وضمان وجود التمويل لكل هذه المبادرات.
وأوضحت لـاصدى الوطنب بأن البلدية تعمل على جذب المنح من الحكومة الفدرالية وحكومتي ولاية ميشيغن ومقاطعة وين، إلى جانب بناء الشراكات مع المنظمات الخيرية، مؤكدة أن الكثير من برامج البلدية ما كان ليتحقق لولا شبكة الدعم هذه، الأن التمويل هو ما يحوّل الفكرة إلى واقعب.
مشاريع عمرانية كبرى
بالتوازي مع الجهود المكثفة لدائرة التنمية الاقتصادية بقيادة تواردي، تستعد بلدية ديربورن لانطلاق العديد من المشاريع العمرانية الكبرى التي ستساهم في تعزيز الاقتصاد المحلي، ولكنها تتطلب أرضية خصبة لجذب الاستثمارات والمنح الحكومية، وهو ما أثبتت إدارة حمود قدرتها على تحقيقه.
فبعد نجاح البلدية بإعادة إحياء وسط المدينة الغربي الذي تحول إلى أحد أكثر المناطق التجارية ازدحاماً في ولاية ميشيغن، تستعد ديربورن لإطلاق ورشة بناء كبرى لإعادة تصميم شارع وورن في شرق المدينة بتكلفة تقارب 25 مليون دولار.
ويهدف المشروع ذالذي سيبدأ تنفيذه أوائل 2027 ويستمر لسنتينذ إلى تحويل الشارع الحيوي إلى وجهة تجارية مميزة ذات طابع عربي أميركي، من خلال تقليص عدد مسارات السيارات وإنشاء مساحات خضراء وإبطاء حركة السير وتأمين سلامة المشاة، فضلاً عن تقديم منح مالية بمئات آلاف الدولارات لتجديد واجهات المباني وتجميلها على طول الشارع.
وأقر تواردي بأن مشروع تطوير منطقة وورن سيكون له أثر سلبي مؤقت على الأعمال التجارية، مستدركاً بأن البلدية ستسعى إلى تخفيف تلك الأعباء، من خلال إشعار الشركات بموعد أعمال البناء قبل ستة أشهر من انطلاقها، فضلاً عن توفير الدعم التسويقي للمتاجر المتضررة.
مشروع آخر لا يقل ضخامة بات أيضاً قيد التخطيط في أروقة بلدية ديربورن، وهو مشروع بناء حي سكني جديد فوق أرض كبيرة شاغرة عند الزاوية الجنوبية الغربية من تقاطع طريق غرينفيلد وشارع بول.
وسيتضمن المشروع بناء 300 وحدة سكنية جديدة، تشمل شققاً ومنازل منفصلة لعائلة واحدة.
وفي هذا الصدد، يقول تواردي إن كل وحدة سكنية جديدة تعني عائلة جديدة، زبائن أكثر، وضرائب يُعاد استثمارها، افالإسكان يحفظ المال داخل المدينةب، وفق تعبيره.
كذلك، تتبنى بلدية ديربورن مقاربة جديدة تحت عنوان اتطوير الملءب، وتقوم على تشجيع إعادة تطوير الأراضي الشاغرة ضمن الأحياء السكنية سواء عبر تشييد المساكن أو الأعمال التجارية الصغيرة، الأنه عندما تبني داخل الأحياء فإنك تبث الحياة في الشارعب، بحسب تواردي.
أيضاً، هناك مشاريع تطوير أخرى قيد التداول في أروقة ديربورن، مثل إعادة تطوير مبنى فندق احياة ريجنسيب المهجور وتحويله إلى مجمع سكنيذتجاري، ومشروع بناء مجمع سكنيذتجاري جديد على شارع فورد، وخطط لإعادة تطوير مركز افيرلين مولب التجاري شبه المهجور…
ولكن رغم كل الضغوطات، يبدي تواردي ثقة كبيرة بقدرة بلدية ديربورن على تحقيق الإنجازات وتحويل الرؤية إلى واقع، مؤكداً أن دائرته ستبذل كل جهدها للقيام بواجبها، اليس لخدمة الإجراءات بل لخدمة الناسب.






Leave a Reply