الحرب التجارية تستعر بين أميركا وكندا .. وميشيغن أوّل المتضررين
ديترويت
تستعد العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وكندا لمزيد من التوتر مع دخول الرسوم الجمركية الانتقامية الكندية حيز التنفيذ بعد منتصف ليل الثلاثاء الماضي، لتطال مئات المنتجات الأميركية برسوم تصل إلى ٥٠ بالمئة، تشمل الألومنيوم والحديد والأخشاب والمفروشات والملبوسات ومشتقات الألبان وغيرها.
وجاءت الخطوة الكندية رداً بالمثل على رسوم أميركية بدأت إداارة الرئيس دونالد ترامب بتطبيقها في ٢٢ آب أغسطس الماضي، على واردات بقيمة ٢٠ مليار دولار من كندا.
وتأتي الرسوم الجمركية المتبادلة على وقع النزاع التجاري الذي اندلع الشهر الماضي بين البلدين عقب انهيار المفاوضات الرسمية، فيما يخشى المراقبون من مواصلة التصعيد مع تحذيرات الرئيس ترامب من رد قوي.
وهدد ترامب بحظر بيع طائرات شركة «بومباردييه» الكندية داخل الولايات المتحدة ما لم تُصنّع منتجاتها محلياً، كما تعهد برفع الرسوم على السيارات وقطع الغيار الكندية إلى ٥٠ بالمئة اعتباراً من كانون الثاني يناير المقبل. وكتب على منصته للتواصل الاجتماعي: «كندا واحدة من أسوأ الدول التي يمكن التعامل معها في العالم… نحن لسنا بحاجة إلى كندا، بل هم من يحتاجون إلينا».
وترافق التوتر التجاري مع خطوات رمزية مثيرة للجدل، منها توقيع ترامب أمراً تنفيذياً لتغيير اسم بحيرة أونتاريو إلى «بحيرة أميركا». لكن كندا رفضت هذه التغييرات، وأكد رئيس الوزراء مارك كارني أن اسم البحيرة سيبقى «بحيرة أونتاريو».
وانتقد كارني الإدارة الأميركية قائلاً إن نشر الميمات والانتقادات العلنية يعكس عدم جدية في التفاوض.
وبحسب بيانات النصف الأول من عام ٢٠٢٦، بلغت قيمة الصادرات الأميركية إلى كندا ١٧٥.٨ مليار دولار، ما يجعلها ثاني أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة بعد المكسيك. ورغم أن الرسوم الحالية تُفرض على نسبة محدودة من البضائع، فإن أي تصعيد إضافي يهدد بتفاقم الأضرار على كلا الاقتصادين.
ميشيغن بين أكبر المتأثرين
قد تؤدي الرسوم الجمركية الانتقامية التي فرضتها كندا على السلع الأميركية إلى تقييد صادرات ولاية ميشيغن بقيمة تناهز ١.٥ مليار دولار، وذلك وفقاً لتحليل أجرته صحيفة «ديترويت نيوز» لبيانات التجارة الفدرالية.
ودخلت هذه الرسوم –التي تتراوح نسبتها بين ١٥ و٥٠ بالمئة– حيز التنفيذ في ٨ أيلول سبتمبر الجاري، لتشمل أكثر من ٧٠٠ سلعة، بما في ذلك، الحديد والصلب والألومنيوم والمنتجات المشتقة منها؛ ويُعد قطاع التصنيع في ميشيغن عرضةً بشكل خاص لتأثير الرسوم المفروضة على هذه الواردات.
وقال جون والش، الرئيس التنفيذي لجمعية التصنيع في ميشيغن: «سيكون لذلك تأثير هائل، ولن يقتصر الأمر على قطاع السيارات فحسب».
وأضاف: «يطال هذا التأثير الانتقامي المكونات الأساسية لتقريباً أي منتج مُصنّع؛ فعندما نتحدث عن المعادن والبلاستيك والصلب والألومنيوم، فإننا نتحدث عن مواد تدخل في كل شيء: السيارات والطائرات والمعدات».
كذلك، يُعدّ معبر ديترويت–ويندزر الدولي الذي شهد مؤخراً افتتاح جسر جديد يربط المدينتين، أكثر المعابر الحدودية ازدحاماً بين الولايات المتحدة وكندا، إلا أن توتر العلاقات بين البلدين ينعكس سلباً على وتيرة الحركة التجارية بين ضفتي نهر ديترويت.
وتهدف الرسوم الكندية إلى التأثير على صادرات أميركية بقيمة ٢٠ مليار دولار، وهو ما يعادل القيمة المالية للرسوم التي فرضها الرئيس دونالد ترامب مؤخراً على قائمة من السلع تشمل الأسمنت والنبيذ ومنتجات الألبان وعصي الهوكي. ووفقاً لمسؤولين كنديين، فإن هذا الإجراء المتبادل سيستهدف عمداً، قطاعات وولايات رئيسية –مثل ميشيغن التي تتمتع بأهمية اقتصادية وسياسية خاصة داخل الولايات المتحدة.
وقالت ميلاني جولي، وزيرة الصناعة الكندية، أثناء إعلانها عن الرسوم: «نحن نستهدف أيضاً منتجات من شأنها التأثير على ولايات أميركية محددة. لذا، فإننا نتصرف بحكمة واستراتيجية لممارسة ضغوط سياسية، ولهذا السبب نرى أن هذا هو الإجراء الصائب في الوقت الراهن».
يُذكر أن ميشيغن صدّرت سلعاً بقيمة ٢٣.٦ مليار دولار تقريباً إلى كندا خلال العام الماضي، حيث جاء ما يقرب من ١.٥ مليار دولار من تلك القيمة من فئات المنتجات المدرجة في قائمة الرسوم الجمركية الكندية الجديدة.
وبشكل عام، تمثل منتجات الحديد والصلب الفئة الأكبر من صادرات ميشيغن الخاضعة لهذه الرسوم؛ فقد صدرت الولاية سلعاً من هذا النوع بقيمة تزيد عن ٨٠٠ مليون دولار إلى كندا في الفترة الممتدة بين تموز يوليو ٢٠٢٥ وحزيران يونيو ٢٠٢٦، وفق أحدث البيانات المتوفرة.
وكشف تحليل «ديترويت نيوز» أن ميشيغن تحتل المرتبة السابعة بين الولايات الأميركية من ناحية التأثر بالرسوم الكندية؛ علماً بأن سبعاً من الولايات العشر الأكثر تأثراً تقع في منطقة الغرب الأوسط و/أو تشترك في حدود مع كندا.
وتجدر الإشارة إلى أن ولاية بنسلفانيا تحتل المرتبة الأولى بقيمة تبلغ حوالي ٢.٦ مليار دولار، بينما تأتي الولايات المجاورة لميشيغن –والتي تُعد أيضاً مراكز صناعية– في المراتب التالية: أوهايو الخامسة، وإنديانا السادسة، وويسكونسن التاسعة.
وتشير المؤشرات الأولية إلى تراجع حجم التجارة الدولية لشركات ميشيغن في ظل مساعي ترامب لفرض رسوم جمركية عالمية على جبهات متعددة؛ فقد انخفضت صادرات الولاية إلى كندا من ٢٤.٦ مليار دولار في عام ٢٠٢٤ إلى ٢٣.٢ مليار دولار في العام الماضي، وفقاً للبيانات الفدرالية. كما تراجع إجمالي صادرات ميشيغن إلى جميع الدول من ٦٢.٨ مليار دولار إلى ٦٠.٣ مليار دولار.
وسيتعيّن على شركات ميشيغن التي تصدّر عادةً إلى نظيراتها الكندية إما تحمل تكلفة الرسوم الجمركية أو البحث عن شركاء تجاريين جدد داخل البلاد أو في الخارج.
تأثير واسع النطاق
إذا كانت الرسوم الجمركية على السيارات الكندية قد تدفع نحو تعزيز الإنتاج المحلي مستقبلاً، كما يقول ترامب، إلا أن ميشيغن ستتأثر سلباً في عدة قطاعات أخرى، من ضمنها الإسكان والزراعة فضلاً عن زيادة الأعباء على المستهلكين عموماً.
وفي هذا السياق، صرح مارك فيسك، المتحدث باسم «تحالف التجارة الذكية في ميشيغن» بأن الرسوم تعني ارتفاع كلفة ممارسة الأعمال التجارية وزيادة تكاليف تشغيل المزارع وارتفاع الأسعار في متاجر البقالة.
وأضاف فيسك مؤكداً أنه لا يوجد أدنى شك في أن المستهلكين هم من سيتحملون العبء الأكبر لهذه الرسوم المتبادلة والردود الانتقامية عبر الحدود.
أما على صعيد قطاع الإسكان، فتشير التوقعات الاقتصادية إلى أن الرسوم الجديدة المفروضة على الأخشاب ستؤدي إلى إبطاء معدل بناء المنازل الجديدة وزيادة كلفة شرائها.
وأوضح مستشار الرسوم الجمركية الكندي، كايل بيكوك، أن هذه الكلفة المرتفعة تدفع الكثير من المطورين العقاريين للتراجع وإعادة النظر في مشاريعهم، معتبرين أن تطوير المجمعات السكنية الجديدة لم يعد مجدياً في الوقت الحالي.
وفيما يخص المجال الزراعي والغذائي، فرغم إعفاء مواد حيوية مثل الأسمدة والغاز من زيادة ٥٠ بالمئة؛ إلا أن الرسوم الحالية المفروضة عليها ستستمر في إحداث تأثيرات متتالية على أسعار المستهلكين.
وأوضح غبنغا أجيلور، رئيس الباحثين الاقتصاديين في «مركز أولويات الميزانية والسياسة»، أن هذه التكاليف الإضافية ستُمرر إلى المزارعين، والذين بدورهم سيقومون بتمريرها عبر سلسلة التوريد الغذائي، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى قفزة جديدة في أسعار السلع الغذائية بالمتاجر.






Leave a Reply