ديربورن هايتس
تحت شعار «أمانة وطن»، أحيت مؤسسة الأمل الاجتماعية، الذكرى الثامنة والأربعين لتغييب مؤسس حركة «أمل»، الإمام موسى الصدر ورفيقيه، عبر فعالية حاشدة أقيمت مساء الأربعاء الفائت، في «المنتدى الإسلامي في أميركا» بمدينة ديربورن هايتس، بحضور عضو البرلمان اللبناني، النائب الدكتور أشرف بيضون، ممثلاً رئيس حركة «أمل» ورئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، بالإضافة إلى العديد من المسؤولين الرسميين وممثلي المؤسسات والمنظمات الدينية والمجتمعية والأهلية في منطقة ديترويت.
وجاء الحفل في وقت ما زال يتعرض فيه لبنان لاعتداءات إسرائيلية متواصلة، بينما يتمسك أبناء الجنوب بخيار المقاومة الذي أرساه الإمام الصدر قبل أكثر من نصف قرن، كجزء من إرثه الإنساني والوطني في حفظ العيش المشترك والنضال ضد الحرمان والتهميش الاجتماعي والسياسي.
وخلال الحفل الذي قدّمه الناشط خليل هاشم، استهل إمام «المنتدى الإسلامي»، السيد حسن القزويني، كلمته بتجاوز السؤال التقليدي عن مصير الإمام الصدر بعد ٤٨ عاماً من التغييب، ليطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً حول موقع الفكر الصدري في الوجدان والممارسة اللبنانية الراهنة، مؤكداً بأن الإمام المغيّب لم يتعامل مع لبنان كخريطة مقسمة بين الطوائف، وإنما كـ«رسالة حضارية تقوم على التعدد والعيش المشترك، متخذاً من كرامة الإنسان محوراً لمشروعه الذي تجاوز حدود الأحزاب السياسية والطوائف الدينية».
وأوضح القزويني بأن مسيرة الإمام الصدر انطلقت من واقع التهميش والفقر الذي عانت منه مناطق الجنوب والبقاع، فأسس المؤسسات الاجتماعية والتعليمية لتأهيل الشباب وتمكين المرأة، لافتاً إلى أن إطلاق «حركة المحرومين» عام ١٩٧٤ جاء ليرسخ قناعة مفادها «أن الفقر والمظلومية لا هوية لهما ولا مذهب»، وأن تأسيس طلائع المقاومة الوطنية عبر «أفواج المقاومة اللبنانية» أمل، جاء كضرورة لحماية الأرض والوطن من اعتداءات إسرائيل التي وصفها الإمام المغيّب بـ«الشرّ المطلق».
وقال القزويني: «عندما تكرّرت الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب، أدرك الصدر أن المحروم يحتاج إلى المدرسة والمستشفى كما يحتاج إلى السلاح الذي يحمي أرضه وكرامته، فنشأت المقاومة التي أرادها دفاعاً عن الوطن بأكمله، وليس بديلاً عن الدولة اللبنانية».
وفي بعد آخر، شدد القزويني على الانفتاح الاستثنائي الذي تميز به الصدر تجاه الشريك في الوطن، حيث دخل الكنائس واعتلى منابرها لإيمانه بأن مهمة الأديان تتمحور حول خدمة الناس بكافة منابتهم وخلفياتهم وعقائدهم، مشيراً إلى أن الإمام المغيّب «أدرك مبكراً استحالة حكم لبنان بمنطق الغلبة أو إلغاء الآخر، لأن قوة كل طائفة تكمن في قوة شريكها، وقوة الجميع تبدأ من قوة لبنان».
مؤسسة الأمل
ألقى محمد منصور رئيس «مؤسسة الأمل الاجتماعية»، ومقرها ديربورن، كلمة أكد فيها أن الإمام المغيب، الذي أسس للنهضة الشيعية في لبنان، يمثل لأبناء الانتشار «حضوراً لا يغيب ونهجاً لا يشيخ وأمانة لا تسقط بالتقادم»، مشدداً على الوفاء «لخطّه ولحامل أمانته الأستاذ نبيه بري».
واستعرض منصور سلسلة من المبادرات والبرامج التنموية والشبابية التي أطلقتها المؤسسة بدعم من أبناء الجالية خلال شهر آب أغسطس المنصرم، وهو الشهر الذي تم فيه تغييب الصدر عام ١٩٧٨، ومن بينها، مبادرة «حقيبة الأمل» التي يستفيد منها أكثر من ٧٠ طالباً جامعياً في لبنان، بالإضافة إلى تنظيم دورة الإمام الصدر للرماية للعام السابع على التوالي، وإطلاق «دورة الإمام الصدر لكرة القدم» لجمع شباب الجالية في منطقة ديترويت في أجواء رياضية وتنافسية صحية.
وعلى الصعيد الكشفي والتربوي، أعلن منصور رسمياً عن انضمام «كشاف الأمل–فوج الإمام الصدر» كعضو رسمي في الكشاف الوطني الأميركي مع الحفاظ على هويته وثقافته الإسلامية، حيث تم الإعلان عن تدشين «مخيم الإمام الصدر الكشفي الأول» خلال الشهر الفائت، إلى جانب عديد الأنشطة النسائية والإعلامية التي تهدف إلى تحصين وتطوير المجتمع اللبناني في منطقة ديترويت.
كلمة النائب بيضون
ألقى النائب الدكتور أشرف بيضون كلمة نقل في مستهلها تحيات رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري إلى أبناء الجالية في ولاية ميشيغن، مشيداً بدورهم في نصرة قضايا الوطن الأم وازدهاره، ومستحضراً نهج الإمام الصدر الذي «جعل من الإنسان قضية، ومن رفع الحرمان رسالة، ومن الوحدة الوطنية والعيش المشترك مشروعاً لوطن الرسالة» لبنان.
وقال النائب عن دائرة الجنوب الثالثة التي تضم أقضية النبطية، بنت جبيل، مرجعيون وحاصبيا: «نستحضر اليوم ذكرى إمام صدري عاملي صاحب رؤية تتجاوز الطوائف والمناطق والانقسامات، آمن بأن قوة لبنان في إنسانه، وأن كرامة الإنسان وعدالة المجتمع هما أساس قيام الوطن، ومن هنا فإن قضية تغييب الإمام الصدر ليست قضية ذكرى فقط، بل قضية إحياء نهج، قضية عدالة وحقيقة ومسؤولية علينا جميعا لا تسقط بمرور الزمن».
وخلال الحفل الذي حضره رئيسا بلديتي ديربورن وديربورن هايتس، عبدالله حمود ومو بيضون، سلّط النائب عن حركة «أمل»، الضوء على الظروف العصيبة التي يمر بها لبنان جراء الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، وقال: «أعرف أنكم مع كل إشراقة صباح تستيقظون على سؤال صامت باكٍ وموجع: ماذا بقي لأولادنا في جنوبنا الذي عشقناه وزرعناه كعشق الياسمين في قلوبنا؟ ماذا حل بنا وماذا بقي من بلداتنا وذاكرتنا؟ هذه الهواجس ليست غريبة عليكم على مرّ الأزمات، لأنها هواجس كل لبناني حمل وطنه في قلبه»، مستدركاً بالإشارة إلى أن «دولة الرئيس بري ما يزال ينظر إلى الاغتراب اللبناني باعتباره جزءاً أصيلاً من لبنان وثروة وطنية وإنسانية، ويولي شؤونه وطاقاته وامتداده وحضوره ودوره اهتماماً بالغ الأهمية»، بحسب تعبيره.
ولفت النائب بيضون إلى أن الاعتداءات الإسرائيلية تسببت في نزوح سكان أكثر من ٦٠ بلدة وقرية، مشيداً بحكمة الرئيس بري خلال هذه المرحلة الحرجة من تاريخ لبنان، وقال: «في ظل تداعيات الحرب والاعتداءات الإسرائيلية وما خلفته من دمار وخسائر ونزوح وأعباء. تبقى الأولوية حماية لبنان وأهله والحفاظ على وحدته الداخلية، ومنع تحويل الألم الوطني إلى انقسام وطني جديد»، مضيفاً بأن لبنان لا يحتمل المزيد من التشرذم، بقدر ما يحتاج اليوم إلى حشد الطاقات الوطنية وتعميق الحوار البناء، ووقف الأعمال العدائية والانسحاب الإسرائيلي الفوري إلى الحدود الدولية تمهيداً للعودة الآمنة للسكان وإعادة الأعمار.
وتطرق بيضون بنبرة وجدانية إلى حجم الخراب والدمار الذي لحق بعشرات البلدات والقرى الجنوبية والبقاعية من جراء الاعتداءات الإسرائيلية الغاشمة، مستحضراً بشكل خاص معالم من مدينة بنت جبيل التي يتحدر منها، وقال: «عندما أقول بنت جبيل، أعرف أنني لا أقول اسماً فقط، أقول بيتاً وحاكورة، أقول أماً وأباً، أقول طريقاً إلى مدرسة عبد اللطيف سعد وثانوية بنت جبيل الرسمية، أقول حقول الضيعة والجامع الكبير وسوق الخميس وتلة مسعود وغيرها».
وختم بيضون كلمته بالتأكيد على أن الرهان الأكبر لمنع انكسار الإرادة في الجنوب اللبناني يكمن في حماية التعليم وتمكين الشباب؛ إذ قال: «إذا أردنا أن لا تنكسر إرادة الجنوب وأبناء الجنوب، علينا أن نلتفت إلى المستقبل، والمستقبل يتوقف على التعليم… فلا يوجد إنسان يموت من الجوع، لكن حرام أن نُحرم أولادنا من التعليم»، داعياً إلى جعل التمكين الأكاديمي والتربوي السلاح الحقيقي لمواجهة محاولات التجهيل وبناء الغد.
هذا، وتخلل الحفل فقرات فنية، حيث ألقى الشاعر المهندس محمد فرحات قصيدة استعرض خلالها أبرز المحطات في مسيرة الإمام المغيب، وصولاً إلى دوره الجامع في ترسيخ العيش المشترك وتأسيس أفواج المقاومة الإسلامية ضد الاحتلال الإسرائيلي، وختاماً بظلم التغييب الذي زاد نهجه توهجاً، كما قدّم «كشاف الأمل – فوج الإمام الصدر»، فقرة تجسد مفهوم الأصالة والتمسك بالهوية العربية والإسلامية في المغترب الأميركي.






Leave a Reply