ابتسام خنافر
لا يُعلن السفر عن نفسه بصوتٍ عالٍ، بل يتسرّب كفكرةٍ خفيفة، كنسمةٍ تمرّ في الداخل وتترك أثرها دون أن تُرى. وحين تقرر، حين تضغط زرّ الحجز، لا يحدث الأمر خارجك بقدر ما يحدث في أعماقك. فجأة، يصبح للأيام القادمة ظلٌّ مختلف، كأنها لم تعد أياماً عادية، بل مساحة انتظار مشبعة بشيءٍ لا اسم له.
الحكاية الحقيقية تبدأ قبل ركوب القطار بكثير
في الغرفة، أمام الحقيبة المفتوحة، تقف كأنك أمام مرآةٍ أخرى لنفسك. لا تختار ملابس فقط، بل تختار كيف ستظهر هناك، كيف ستُرى، وربما كيف ستشعر. تمسك قميصك المفضّل، تتردد، ثم تبتسم لأنك لبسته في آخر رحلةٍ، تعيده وتختار غيره.
تسأل نفسك عن أشياء تبدو بسيطة لكنها ليست كذلك: هل سيكون الطقس بارداً؟ هل أحتاج هذه السترة؟.. ربما لا، لكن سأخذها احتياطاً.
هل هذه الألوان مازالت تشبهني، وهل ستعطي الانطباع الذي أريده؟
ثم يتسلّل سؤالٌ آخر، أكثر خفوتاً: من سأكون هناك؟
تفتح الخزانة مرةً أخرى، كأن الإجابة قد تكون معلّقة بين القمصان. تختار ما يشبهك.. أو ما تتمنى أن يشبهك. تضع الأشياء في الحقيبة، ثم تعيد ترتيبها، كأنك تحاول أن ترتب داخلك معها.
وقبل أن تُغلقها، تنظر حولك.
الغرفة هادئة… هدوءٌ غريب، أو ربما أنا من يبالغ في الإحساس به.
فجأة، تصبح التفاصيل الصغيرة مهمة: هل أطفأت النور؟ هل أغلقت النوافذ جيداً؟ هل تركت شيئاً خلفي؟ تمشي في البيت ببطء، تتفقده كما لو أنك تودّعه دون اعتراف. تلمس الأشياء بعينك أكثر من يدك، وكأنك تحفظها لغيابٍ مؤقت.
ثم تأتي أفكارٌ أخرى، عابرة لكنها لاصقة: هل سألتقي بأحدٍ أعرفه هناك؟ ماذا لو صادفت وجهاً مألوفاً في مكانٍ غير متوقع؟ أو ربما… لن أعرف أحداً، وسأكون وحدي تماماً. هذا الاحتمال يلمع بخفة، لا يخيفك، بل يفتح باباً غريباً بداخلك.
تغلق الباب خلفك. فيحدث أول انفصالٍ حقيقي.
الطريق إلى محطة القطارات يبدو مختلفاً، حتى لو سلكته مئات المرات. كأنك ترى المدينة بعينٍ جديدة، أو كأن المدينة نفسها تراك بطريقةٍ أخرى. تصل، وتدخل ذلك الفضاء المزدحم الذي يشبه قلباً كبيراً ينبض بالبشر.
في المحطة، كل شيء حيّ. الوجوه، الخطوات، الأصوات. حقائب تُسحب كأنها تحمل حكاياتٍ كاملة، تقف لحظة، تراقب، وتشعر أنك جزءٌ من هذا التيار… وفي الوقت نفسه، نقطة منفصلة داخله… ثم يأتي القطار.
يدخل بهدوءٍ مهيب، ككائنٍ يعرف طريقه ولا يخطئه. تصعد، تبحث عن مقعدك، تجلس… وفي تلك اللحظة الصغيرة، حين يستقر جسدك، تدرك أنك عبرت مسافات غير مرئية.
يتحرّك القطار. عبر النافذة، يبدأ العالم في الانسياب. الأشجار تمرّ، لكنها لا تمرّ فقط، بل تذوب، وتتلاشى دون أن تنتهي، كأنها رفيقك الوحيد في الرحلة. الغابة تظهر كأنها ذاكرة الأرض، خضراء وعميقة، تمتد كأنها فكرةٌ لا تنتهي. الضوء يتسلل بين الأغصان كأسرارٍ صغيرة، والظلال تتمدد كأنها تحاول أن تلمسك.
في الداخل، يبدأ عالم آخر.
الأفكار تتدفق بلا ترتيب. تتذكر أشياء لم تكن تبحث عنها، وجوهاً، لحظاتٍ، كلماتٍ قيلت وانتهت لكنها لم تختفِ. تفكر في حياتك كأنك تراها من الخارج، كأنك تمرّ بجانب نفسك.
تتلفت قليلاً من حولك.
هناك من ينام، مستسلماً لإيقاع الطريق، واثقاً بأنه سيصل. وهناك من يتحدث بصوتٍ خافت، يحاول أن يتواصل مع جزءٍ منه تركه في مكانٍ آخر. وآخر يعمل، يكتب، ينقر على مفاتيح حاسوبه بإصرارٍ صامت.
قريباً منك، يتشكل حديثٌ لا يخصك… لكنه يتناهى إليك: من أين أنتِ؟
– من لبنان…
صمتٌ قصير يتبعه سؤال آخر: كيف هي الأوضاع الآن؟… أقصد، مع الحرب… هل لديك أحد هناك؟
– نعم… الجميع هناك.
ثم يعود الصمت، ليس كما كان. كأن الكلمات تركت أثراً لا يُمحى بسهولة. القطار يستمر، والأشجار تمرّ، والعالم، بكل ثقله، يتحرّك مع القطار.
تعود بنظرك… لكنك لا ترى الأشجار فقط.. ترى ما وراءها.
وفي الجهة الأخرى، صوتٌ آخر، أقرب هذه المرة، يلتفت إليك: «هل هذه أول رحلة لك؟».
تتردّد لوهلة، ليس لأنك لا تعرف الإجابة، بل لأن السؤال أعمق مما يبدو. تبتسم بخفة، تقول: «لا.. لكنها تشبه الأولى».
يهزّ رأسه، كأنه فهم، أو كأنه لا يحتاج أن يفهم تماماً. يعود إلى صمته، وتعود أنت إلى نفسك.
القطار يمضي وكل واحدٍ هنا يمضي بطريقته.
الوقت يفقد معناه. يصعب قياسه بالدقائق والساعات. يمتد كحلمٍ يقظة خفيف، كأنّه خارج حدود الزمن. وحتى الحنين، حين يأتي، لا يأتي كوجع. يأتي كهمسة، كصوتٍ خافت يقول: هناك مكانٌ تنتمي إليه، مهما ابتعدت. تتذكر بيتك، تفاصيلك، نفسك هناك.. وتبتسم.
وحين يبطئ القطار سيره، ينتابك ذلك الشعور. كأن شيئاً فيك يستعدّ. تجمع أشياءك، تنظر حولك، إلى هذه الوجوه التي لم تعرفها، لكنها شاركتك الطريق.
يتوقّف القطار، تُفتح الأبواب وتنزل. لقد وصلت.
لكن الحقيقة التي تبقى، خفيةً ككل الأشياء العميقة، هي أنك تغيّرت. جزءٌ منك يبقى هناك، في تلك الحقيبة التي رتّبتها، في تلك الغرفة التي تأكدت من تنظيفها قبل المغادرة، في ذلك المقعد قرب النافذة… حيث جلست، ورأيت العالم يعبر بجانبك، واكتشفت، بهدوءٍ لا يُنسى، أنك أنت أيضاً عابر.






Leave a Reply