محمد العزير
في طرفةٍ لأحد أقاربي الراحلين، وكان يتسم بالنزق والانفعال، أنه في حفلة زفاف إحدى بنات أخيه لاحظ شيئاً من عدم الانسجام بين أهل العروسين فأشار إلى زوجته بالانصراف، فرفضت قائلة: «ما فينا نترك العرس»، فردّ عليها بسرعة: «مش هلّق العرس… هلّق الحفلة وبعدين العرس». في اليوم التالي عندما تسارعت الأخبار عن خلاف مستجد بين العائلتين يستدعي تدخّلاً مباشراً منه لرأب الصدع، نظر إلى زوجته ملياً وقال: «هلق بلّش (بدأ) العرس».
مع صدور هذا العدد من «صدى الوطن» تكون الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران دخلت أسبوعها الرابع، موقعة المزيد من القتلى والجرحى والخسائر المادية والبنيوية، خصوصاً في إيران ولبنان والعراق ودول الخليج العربي وصولاً إلى إسرائيل، ودون ظهور أي مؤشر على كيفية وقفها أو مالآتها. حتى الآن يُغلّف تصريحات البيت الأبيض غشاء رقيق من أدبيات ترامب «الحربجية»، وهو الذي لم يعرف الحرب، وتملص من التجنيد الإجباري أيام فيتنام (مثله مثل أبناء الأثرياء)، بحجة أن لديه نتوءات عظمية في قدميه، ومواقف وزير حربه بيت هيغسيث الذي خدم في الحرس الوطني برتبة أعلاها رائد، قبل أن يصبح مذيعاً محافظاً في قناة «فوكس نيوز»، العالم المفضل للرئيس الأميركي السابع والأربعين.
ليس مفاجئاً ولا غريباً أن ترامب يحب كل ما يلمع، وليس سرّاً أن رئيس وزراء إسرائيل الفاشي، الأميركي المولد والنشأة بنيامين ميلكاوسكي (نتنياهو)، يعرف، ضمن معطيات أخرى وأهم، كيف يصوّب اهتمام رئيس أقوى دولة في العالم ليصب في خدمة مصالح دولته، التي كاد بضع مئات من المقاتلين الفلسطينيين المزودين بوسائل قتال بدائية، أن يطيحوها في السابع من أكتوبر 2023، لولا تدخل الغرب كله بجيوشه ومخابراته وسفنه وطائراته لحماية آخر مشروع استعماري أوروبي في العالم، ولتزويد إسرائيل بكل ما تحتاجه من أسلحة وذخائر ودعم وتمويل لترتكب أسوأ حرب إبادة منذ الحرب العالمية الثانية.
منذ بدء الإبادة في غزة، والتي انخرط فيها الرئيس السابق جوزيف بايدن بشبق صهيوني موصوف، قدّم نتنياهو نفسه كحبل خلاص للرئيس الذي سبقه، ترامب، والذي كان يواجه جبلاً من المسائل القانونية والسياسية، ليس فقط لأن العقيدة الدينية السياسية متلائمة بين الليكود في إسرائيل والمحافظين في أميركا، ولكن لأن للمسيحية الصهيونية نفوذاً لا يمكن القفز عليه، لذلك انهالت التبرعات المالية والتغطيات الصحافية والمحاباة التلفزيونية على حملة ترامب بشكل لا يصدق، في موازاة تغطية إعلامية باهرة قدمته كضحية لمؤامرة ليبرالية آثمة تريد النيل من إرثه المحافظ.
كانت مهمة نتنياهو أسهل هذه المرة، وهو يحض ترامب على حرب تطفئ نار ملفات أبستين وتنقذه من تبعاتها، كانت الـ«بروفا» محققة قبل ذلك بسبعة أشهر. ففي حزيران (يونيو) الماضي، شنت إسرائيل حرباً ضروساً على إيران وأبادت عشرات القيادات العسكرية والأمنية والكفاءات العلمية، خصوصاً من النوويين، في بضعة أيام، دون مقابل يذكر، وجرّت معها الولايات المتحدة إلى نهاية درامية للحرب تمثلت في القصف الأميركي المباشر للمفاعلات ومواقع التخصيب النووية الإيرانية في أصفهان وفوردو ونطنز، من قبل القاذفات الاستراتيجية التي لا تملكها إسرائيل، دون أن يكون لدى طهران ما ترد عليه، إلى درجة أن ترامب أنهى ذلك المشهد بإعلانه أنه لم يوافق على التعرض الشخصي للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وهو ما كان موضع سخرية وتهكم مناصري إيران، وخصوصاً العرب منهم.
وهذه المرة، استأنفت أميركا وإسرائيل الحرب على إيران من النقطة التي قال ترامب إنها انتهت فيها، واستهدفت الضربة الأولى مرشد الجمهورية الإسلامية وكبار مساعديه العسكريين والأمنيين الذين حل معظمهم محل أسلافهم الذين قضوا في حرب حزيران، في إشارة واضحة إلى أن المطلوب هو تغيير النظام في طهران، وهذا ما أفصح عنه ترامب في كلمته إلى الشعب الأميركي فور بدء العمليات العسكرية، حين دعا الشعب الإيراني تقرير مصيره وصناعة مستقبل مزدهر ومجيد بمساعدته، بعدما أجرى «كشف حساب» مفصل عن «سلوك» النظام الإيراني معيداً التذكير باعتقال الدبلوماسيين في السفارة الأميركية في طهران بعد سقوط نظام الشاه، وكذلك جميع العمليات التي استهدفت المصالح والقوات الأميركية من لبنان إلى اليمن والعراق وسوريا، معتبراً إيران «الدولة الأولى الداعمة للإرهاب في العالم»، لكن مبالغات ترامب ومواقفه المتتالية سواء بالتصريح أو على التواصل الاجتماعي لم تنجح في إقناع معظم الأميركيين، وكثيرون منهم من أنصاره، بأن الحرب ليست خدمة لمصالح إسرائيل.
حتى الآن، لم تحقق الحرب أية نتائج حاسمة، على الرغم من عدم التكافؤ في القوة النارية. لكن الأكيد أنها زادت من التوتر والتعقيد في واحدة من أكثر أقاليم العالم حساسية، فإيران اختارت أن ترد على أميركا وإسرائيل من خلال استهداف جيرانها العرب، حيث لم تقصر هجماتها على القواعد الأميركية بل تعدتها إلى البنى التحتية، وخصوصاً في قطاعي الطاقة والطيران، في السعودية والبحرين والكويت والإمارات وقطر وعمان والأردن، كذلك دخل حلفاؤها في لبنان والعراق على خط المواجهة حيث تشنّ إسرائيل حرباً مفتوحة على لبنان، فيما يشهد العراق واحدة من أغرب الحالات السريالية. ميليشيات محلية تستهدف السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء بالعاصمة ومواقع لوجسيتية في مطار بغداد، كما تتشارك مع الحرس الثوري في استهداف المواقع الأميركية في إقليم كردستان، كما تهاجم إيران مواقع المعارضين الأكراد في الإقليم، فيما ترد القوات الأميركية بقصف مواقع الحشد الشعبي في أكثر من منطقة، بينما تكتفي حكومة تصريف الأعمال العراقية بالتنديد المتوازن.
وحتى الآن أيضاً، ليس هناك في واشنطن أو في تل أبيب، من يمكنه أن يتكهن بكيفية إنهاء الحرب، خصوصاً وأن مطلب ترامب بالاستسلام الكامل لإيران يبدو غير منطقي وغير وارد، كذلك لا أحد يمكنه التكهّن بمدّة الحرب، مع أن عين ترامب وفريقه وحزبه الجمهوري على الانتخابات التشريعية في نوفمبر القادم، خصوصاً وأن أكثرية الأميركيين لا تؤيّد هذه الحرب، كذلك يفاقم ارتفاع أسعار النفط بعد إقفال مضيق هرمز من عوامل التضخم، والتي تحتل أسعار البنزين منبرها الأول بفضل ترامب نفسه الذي لطالما استثمر في ذلك كثيراً لاسيما عندما قفزت الأسعار بعد الغزو الروسي لأوكرانيا قبل أربع سنوات ونيّف.
وحتى الآن، تقوم السردية الترامبية على فرضية أن النظام الإيراني سبب كل مشاكل الشرق الأوسط والعالم وأن الخلاص منه سينهي كل المشاكل، وهذا منطق لا يستقيم إلّا في ذهنٍ مجوّف مثل ذهن ترامب. كيف ستكون المنطقة إذا توقفت الحرب غداً سواء أبقي النظام الإيراني أو زال؟ هل ستكتفي إسرائيل بـ«إزالة» الخطر الوجودي الذي تاجرت به طويلاً؟ وهل ستضرب صفحاً عمّا مضى من معاندة لسياساتها الإبادية خصوصاً من قبل المملكة العربية السعودية وتركيا؟ وهل ستقبل باستمرار استعادة «الدولة» في سوريا، أو بإعادتها في لبنان إن لم يدمر عن بكرة أبيه؟ وماذا سيكون مصير غزة وتالياً الضفة الغربية إذا عاد نتنياهو إلى السلطة (وهو أمر يبدو شبه مؤكد بعد الحرب الأخيرة إن لم تحصل مفاجآت هائلة)، وماذا عن إسرائيل الكبرى؟
عندما تنتهي الحرب ستكون الملفات المفتوحة إقليمياً أكثر وأكبر. والخوف، كل الخوف، هو أن تنتهي لصالح اثنين من أحط السياسيين في التاريخ الحديث، ترامب في واشنطن ونتنياهو في تل أبيب.






Leave a Reply