ترامب يتمسّك بوقف إطلاق النار مع إيران رغم المناوشات على مضيق هرمز
التقرير الأسبوعي
بعد شهر على وقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن، لا تزال الحرب معلّقة بين التهدئة والانفجار المحتمل، وسط مفاوضات متعثّرة وضغوط متبادلة في مضيق هرمز.
فبعد أسبوع جديد من التوتر، دخلت أزمة مضيق هرمز مرحلة أكثر حساسية، على وقع تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي منح إيران مهلة 48 ساعة لفتح المضيق أو التوصل إلى اتفاق، محذراً من أن «الجحيم سينهال عليها» إذا لم تستجب.
وقال ترامب إن الحرب يمكن أن تنتهي إذا وافقت إيران على ما جرى التوصل إليه في المفاوضات القائمة عبر الوسيط الباكستاني.
وكانت إيران شدّدت، في مقترحاتها الأخيرة التي أرسلتها إلى الأميركيين ورفضها ترامب، على ضرورة الفصل بين «مفاوضات إنهاء الحرب» و«المفاوضات النووية»، بحيث يتم أولاً التوصل إلى اتفاق بشأن الإنهاء الدائم للحرب، ومعالجة ملفّات من مثل وضع مضيق هرمز والحصار البحري، ثم الانتقال بعد ذلك إلى التفاوض حول البرنامج النووي الإيراني ورفع العقوبات الأميركية. وفي المقابل، تؤكد الولايات المتحدة، في مواقفها المعلنة مراراً، أن اتفاق إنهاء الحرب يجب أن يتضمّن أيضاً تفاهماً على الملف النووي.
ورغم التفاوت، وصف ترامب المفاوضات مع إيران بأنها «جيدة جداً»، معتبراً أن التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب «محتمل جداً»، بل أشار إلى أن الاتفاق قد يتحقّق قبل زيارته المرتقبة إلى الصين الأسبوع المقبل. وكان أفاد موقع «أكسيوس» بأن «واشنطن وطهران تقتربان من التوصّل إلى مذكرة تفاهم من صفحة واحدة لإنهاء الحرب وتحديد إطار لمفاوضات نووية أكثر تفصيلاً». وبحسب التقرير، فإن «الاتفاق المحتمل المؤلّف من 14 بنداً يتضمّن تعهّد إيران بوقف تخصيب اليورانيوم، وموافقة الولايات المتحدة على رفع العقوبات والإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمّدة، إضافة إلى خفض تدريجي للقيود التي يفرضها الطرفان على حركة الملاحة في مضيق هرمز».
وبينما اعتبرت طهران أن عرض واشنطن الأخير ينطوي على بعض البنود «غير المقبولة»، خرقت الولايات المتحدة، مساء الخميس الماضي، وقف إطلاق النار الممدد مع إيران، حيث شنّ الجيش الأميركي «ضربات خفيفة» بحسب تعبير ترامب، الذي عاد وأكد في تصريحات لشبكة «أي بي سي نيوز» أن وقف إطلاق النار لا يزال قائماً.
وجاء موقف ترامب في أعقاب دوي انفجارات في مواقع ساحلية إيرانية، وعدد من المناطق في الجمهورية الإسلامية.
ولاحقاً، أعلن ترامب على منصة «تروث سوشال» أن «ثلاث مدمرات أميركية خرجت للتو وبنجاح كبير من مضيق هرمز تحت القصف، ولم يلحق أي ضرر بها لكن ضرراً كبيراً لحق بالمهاجمين الإيرانيين».
وأكد ترامب في منشوره: «أُطلقت صواريخ على مدمراتنا، وتم إسقاطها بسهولة. كذلك، حلّقت طائرات مُسيّرة، فاحترقت في الجو. دولة طبيعية كانت ستسمح لهذه المدمرات بالمرور، لكن إيران ليست دولة طبيعية. يقودهم مجانين، ولو أتيحت لهم فرصة استخدام سلاح نووي، لفعلوا ذلك دون تردد. لكن هذه الفرصة لن تتاح لهم أبداً، وكما هزمناهم اليوم، سنهزمهم بقوة أكبر وعنف أشد في المستقبل، إن لم يوقعوا اتفاقهم بسرعة!». وأشار ترامب إلى أن المدمرات الثلاث ستنضم مع طواقمها إلى الحصار البحري على إيران.
وأفادت وكالات أنباء إيرانية في وقت متأخر من مساء الخميس الفائت بأن انفجارات سمعت بالقرب من ميناء قشم وبندر عباس في إيران، في حين أعلن الجيش الأميركي تنفيذ «ضربات دفاعية» ضد منشآت عسكرية إيرانية. وقال الجيش الأميركي في بيان إن قواته «تصدت لهجمات إيرانية وردت بضربات دفاعية بينما كانت مدمرات تابعة للبحرية الأميركية تعبر مضيق هرمز إلى خليج عمان في السابع من مايو». وأضاف: «القيادة المركزية قضت على التهديدات واستهدفت المنشآت العسكرية الإيرانية المسؤولة عن مهاجمة القوات الأميركية».
من جهته، ذكر مقر خاتم الأنبياء الإيراني، أن الجيش الأميركي انتهك وقف إطلاق النار واستهدف ناقلة نفط إيرانية وسفينة إيرانية أخرى بمضيق هرمز، مؤكداً أن «القوات المسلحة الإيرانية ردت فوراً وبقوة بمهاجمة سفن عسكرية أميركية شرق مضيق هرمز وجنوب ميناء تشابهار».
بدورها، أفادت شبكة «سي بي أس نيوز» بأن مدمرتين تابعتين للبحرية الأميركية تعرضتا أثناء عبورهما مضيق هرمز لهجوم إيراني متجدد يوم الخميس المنصرم، وصفه مسؤولون أميركيون بأنه هجوم إيراني أشدّ وأكثر استدامة من الهجوم الذي تعرضت له السفينتان قبل أيام قليلة مع انطلاقة عملية «مشروع الحرية» التي سارعت واشنطن إلى إلغائها.
ورغم الدعاية الأميركية بشأن توفير غطاء جوي للسفن التجارية لعبور مضيق هرمز عبر «مشروع الحرية» الذي وُصف بأنه «ولد ميتاً»، فإن هذا المخطط لم يكن له تأثير فعلي على الوضع في المضيق. لا بل أدّى، نتيجة ردّ القوات المسلّحة الإيرانية، ولا سيما في اليوم الأول من تنفيذه، وإطلاقها طلقات تحذيرية في اتجاه مدمّرة أميركية، بالتزامن مع هجمات متعدّدة على الإمارات، إلى رفع مستوى التوتر في الممرّ البحري الحيوي. إذ أن استمرار «مشروع الحرية» كان من شأنه أن يكشف بشكل أكبر مدى محدودية فعالية الجيش الأميركي وعدم قدرته على فرض معادلات جديدة في المنطقة.
ولا تزال مئات السفن، وعلى متنها ما يصل إلى 23 ألف فرد من الطواقم، عالقة في الخليج. وقال مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني، الثلاثاء الماضي، إن حركة العبور في مضيق هرمز بقيت شبه معدومة خلال يومين بعد إطلاق عملية «مشروع الحرية» الأميركية، وهي العملية التي كانت تهدف إلى إرشاد السفن العالقة للخروج من مضيق هرمز. ووفق المركز، لم تسجل سوى 11 عملية عبور يومي 3 و4 أيار (مايو) الجاري، مقارنة بمتوسط تاريخي يقارب 138 عبوراً يومياً، ما يعني أن واشنطن لم تنجح في إعادة الثقة إلى شركات الملاحة أو دفع السفن العالقة إلى المجازفة بالعبور.
وفي قلب هذا التوتر، يراقب مركز «ميكا» الفرنسي، وهو مركز متخصص في أمن الملاحة البحرية تابع للبحرية الفرنسية، حركة السفن المدنية العالقة أو المهددة في الخليج، من غرفة عمليات شديدة التأمين داخل مقر قيادة بحرية بريست غربي فرنسا.
وبحسب تقديرات مركز «ميكا» التابع لسلاح البحرية الفرنسية، لا تزال أكثر من 750 سفينة عالقة في هذا الممر البحري، من ناقلات حاويات وسفن شحن وبواخر سياحية. ولم تتمكن إلا قلة قليلة من الخروج خلال الأسابيع الأخيرة، في ظل الحصار المزدوج الإيراني والأميركي، وقواعد ملاحة وصفها قائد المركز، توماس سكالبري، بأنها غامضة ومتغيرة باستمرار.
لبنان بين التفاوض والمقاومة
في ظل المشهد الإقليمي المتوتر، وتصاعد فعالية عمليات «حزب الله» ضد الاحتلال في الجنوب، بدت السلطة اللبنانية، الأسبوع الماضي، وكأنها تراجعت خطوة إلى الوراء في مسار التفاوض المباشر مع إسرائيل، بعدما أوحت بعض المؤشرات السياسية سابقاً باندفاعة غير محسوبة نحو كسر المحظورات، وصولاً إلى تبرير احتمال عقد لقاء بين الرئيس جوزاف عون ورئيس حكومة الكيان بنيامين نتنياهو. ويبدو هذا التراجع انعكاساً لتصاعد المخاطر الميدانية وتعقيدات الداخل اللبناني أكثر منه مجرد قرار تقني.
وقد عكست ذلك تصريحات مصدر رسمي لقناة «الجزيرة»، كشف فيها أن «الرئاسة اللبنانية أبلغت واشنطن أن اللقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي في الوقت الحالي قد يجهض مساعي الاستقرار»، مشيراً إلى «تفهم أميركي للموقف اللبناني». وأضاف أن الطرح اللبناني «يبدأ بالمفاوضات وينتهي باتفاق لوقف نهائي للاعتداءات، يسبقه انسحاب كامل»، مؤكداً أن «لبنان لا يتجه إلى توقيع اتفاق سلام، بل إلى مسار سقفه استعادة الحقوق مقابل اتفاق عدم اعتداء».
وبعد كلام رئيس مجلس النواب نبيه بري عن أنه «تبلّغ تأكيداً من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن لبنان سيكون جزءاً من أي اتفاق لوقف إطلاق النار»، معتبراً أن «أي اتفاق مع إسرائيل يحتاج إلى ضمانات لأنها لا تلتزم بتعهداتها»، جاء موقف رئيس الجمهورية لافتاً، إذ قال إن لبنان «يشكر أي مسعى إيراني يؤدي إلى وقف إطلاق النار»، قبل أن يتطرق إلى ما وصفه بـ«الأمر الحساس»، معتبراً أن «أي مسعى إيراني يجب أن يمر عبر المؤسسات اللبنانية وأن يسهم في حصرية السلاح».
وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى الجولة الثالثة من المحادثات بين لبنان وإسرائيل المقررة في واشنطن الأسبوع المقبل، وسط ترقب لمستوى الحضور الأميركي ولمدى جدية واشنطن في خفض التصعيد تمهيداً لتثبيت وقف إطلاق النار والانتقال إلى المرحلة التفاوضية التالية.
ميدانياً، شكّلت الغارة الإسرائيلية على حارة حريك الأربعاء الماضي نقطة تحوّل بارزة، إذ لم تكن مجرد عملية أمنية، بل حملت رسالة سياسية مباشرة مفادها أن العاصمة اللبنانية ليست خارج دائرة الاستهداف. فالضربة تُعدّ الأولى على بيروت منذ بدء تطبيق وقف إطلاق النار، فيما بدا لافتاً الطابع الاستعراضي الذي أحاط بها، بقيادة نتنياهو شخصياً، وبمشاركة وزير الحرب يسرائيل كاتس، على مدى 24 ساعة، في محاولة لتسويق «إنجاز» أمام الداخل الإسرائيلي، والإيحاء بأن الولايات المتحدة لا تفرض قيوداً على حركة جيش الاحتلال. وجاء توقيت العملية قبل أيام من جولة واشنطن التفاوضية، في محاولة إسرائيلية لإعادة فرض شروطها على أي مسار تفاوضي، بينما رأى فيها آخرون رسالة ضغط مرتبطة بالمسار الأميركي–الإيراني ومحاولة للتشويش عليه.
وجاءت غارة حارة حريك التي استهدفت قائد «قوة الرضوان» في «حزب الله»، بحسب الزعم الإسرائيلي، مع تزايد الضغوط العسكرية على جيش الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان بفعل المحلّقات الانقضاضية التي تواصل حصد جنود الاحتلال يومياً بين قتيل وجريح.
وإزاء ذلك، تكشف النقاشات في إسرائيل عن مستوى متقدّم من القلق داخل المؤسسة الأمنية، من المسار الذي وصلت إليه المواجهة في لبنان، ولا سيما بعد تحوّل ما يُسمّى «وقف إطلاق النار» إلى استنزاف يومي لجيشها في الجنوب.
وقال مراسل ومحلل الشؤون العسكرية في صحيفة «معاريف»، آفي أشكنازي، إن «الجيش الإسرائيلي بدأ بصمتٍ وهدوء يتصدَّع. بدأت القيادة العليا في عبور الخط الفاصل بين الضباط رجال الدولة وبين الضباط فاقدي العمود الفقري أمام المستوى الذي يصدر الأوامر، من دون وضع إشارات حمراء». وتوجه أشكنازي لرئيس الأركان إيال زمير، بالقول: «لا تَبِعْ إلى الجمهور قصصاً واهية عن حرية العمل للقتال في لبنان. ففقط بعد أسابيع طويلة حصلْتَ على تصريح لتنفيذ اغتيال على مستوى تكتيكي في الضاحية الجنوبية في بيروت».
وأضاف: «حدث ذلك بعد أن حقّق حزب الله تفوّقاً جوياً في جنوب لبنان عبر محلّقات اشتراها من «علي إكسبرس» أو «أمازون» أو إحدى شركات التوزيع من شرق آسيا. حدث ذلك بعد أن أسقط حزب الله للجيش الإسرائيلي طائرتين مُسيَّرتين من طراز هرمز، قيمة كل منهما ملايين الدولارات».
وأقرّ جيش الاحتلال الإسرائيلي بارتفاع عدد إصابات جنوده في المواجهة مع «حزب الله» على الجبهة الشمالية، متجاوزاً حاجز 900 عسكري نظامي (باستثناء القتلى) منذ عودة المقاومة إلى العمل العسكري في الثاني من مارس الماضي، وحتى 23 أبريل المنصرم.
ودون ذكر أوضح جيش الاحتلال أنّ حصيلة الإصابات توزعت بين 743 إصابة طفيفة، و114 إصابة متوسطة، إضافة إلى 52 إصابة خطيرة، في ظل استمرار المواجهة على الجبهة الشمالية ضمن ما يسميه الاحتلال عملية «زئير الأسد».
ويتعرّض جيش الاحتلال يومياً لعمليات من المقاومة الإسلامية في جنوبي لبنان، في إطار الرد الطبيعي على انتهاكات إسرائيل لوقف إطلاق النار المبرم في 17 أبريل الماضي.
وأمام هذا الواقع، وُجّهت اتهامات إلى جيش الاحتلال بأنه لا يقدّم كافة البيانات المتعلقة بعدد الجنود الذين سرحهم خلال الحرب بسبب وضعهم النفسي. وبحسب صحيفة «هآرتس»، تقر مصادر في قسم الصحة النفسية في المؤسسة العسكرية بأن لديه سبباً لتجنب نشر بيانات عن حجم الظاهرة بسبب ضخامتها.







Leave a Reply