إبتسام خنافر
لم تصل الهوية قط كفكرة جاهزة، ولا كتعليمات تُسلّم من جيل إلى آخر.
لم تأتِ في حقيبة سفر، ولا في نشيد مدرسي، ولا في درس عن «الأصول» يُقال بجدّية أكثر مما يحتمل
وصلت ببطء، كما يصل الشتاء في ديربورن هادئاً، ثابتاً، يعرف طريقه دون أن يطلب الإذن.
في صباح بارد، عند إشارة ضوئية يعرفها الجميع، توقفت سيارة. النافذة نصف مفتوحة، والهواء يمرّ بخفّة تشبه يدأ تلمس شيئاً مألوفاً.
لا شيء في المشهد يدعو للانتباه
فجأة خرج صوت أغنية عربية قديمة، من تلك التي لا تألفها محركات البحث على الإنترنت، بل تظهر وحدها حين تريد.
تبدّلت الإشارة الضوئية، تحرّكت السيارة، لكن الصوت بقي في الهواء. كأن الشارع نفسه توقَف ليتذكر من مرّوا عليه قبل سنوات طويلة.
في ديربورن، الذاكرة لا تأتي دفعة واحدة.
تظهر في المقاهي الصغيرة، في رائحة الخبز الخارج من الأفران العربية، في أسماء الشوارع التي تُنطق بلهجة لا تشبه الإنكليزية تماماً، وفي الوجوه التي تتشابه حتى لو لم يلتقِ أصحابها من قبل.
في البيوت، يدور الحديث كما يدور دائماً: لغتان تتداخلان بلا ترتيب، ضحكات تسبق الكلمات، وتفاصيل تُترك ناقصة لأن الجميع يعرف نهايتها في خضم الكلام، تتعثّر جملة إنكليزية عند كلمة واحدة Godmother (العرابة). يصمت الجميع لحظة قصيرة، ثم يرفع طفل لم يكمل ربيعه الثامن، رأسه، ويقول بثقة هادئة: «بلبنان، لا يوجد هذا المفهوم”.
يتوقّف قليلاً، ثم يضيف: (لكن هنا…هو موجود)).
لم يكن يفاضل بين عالمين، ولا كان يصحّح أحدا. كان فقط يرى الحقيقة كما هي… أن الكلمات تغيّر معناها حين تعبر البيوت، وأن العالم لا يعمل بنسخة واحدة، وأن الانتماء ليس قراراً يُتخذ، بل مساحة تتشكّل وحدها.
في المطبخ، الطعام على الطاولة. ليس احتفالاً، ولا محاولة للحفاظ على التراث هو موجود لأنه جزء من اليوميات.
الأطفال يأكلون، يطلبون المزيد، يتجادلون حتى آخر قطعة، ثم يركضون إلى العابهم دون أن يفكروا كثيراً.
بعضهم لم يرَ البلاد التي جاء منها أهله، ولا يعرف خرائطها، لكن الطعم مالوف، يدخل الجسم
ويذكّره بالجذور.
الذاكرة أحياناً تتعلّم وحدها، لا تحتاج إلى من يلقنها.
في المنتزه، اللكنات العربية تُسمَع أكثر مما يُتوقَّع. ليست دائماً صحيحة، ولا مرتَبة، لكنها حيّة.
تخرج بين الأصدقاء، في المتاجر، في الشوارع،
وفي مكالمات خاطفة.
لم تعد اللغة تختبئ، ولا تعتذر عن أخطائها فالخطأ هنا جزء من الاستمرار، وجزء من الحياة.
حتى في المباني الرسمية، تُقال العربية بثقة
هادئة.
مسؤولون وُلدوا هنا، تعلّموا هنا، وصاروا جزءاً من هذا المكان، يتحدّثون اللغة كما لو كانت امتداداً طبيعياً لأصواتهم.
لا إعلان، ولا تبرير، فقط واقع.
لم يجلس أحد مع هذا الجيل ليحمّله الوصايا.
لم يُقل لهم أحداً: «تذكِّروا من أنتم)» أو ((انتبهوا أن تذوبوا» أو ((تمسكوا بهويتكم».
لم تُقدَّم لهم الهوية كواجب، ولا كعب»، ولا كشيء يجب الدفاع عنه كل يوم، بل مجرد حدث طبيعي هكذا انبعثت الهوية بحلتها الجديدة… من بين المسافات: بين بيت لا يشرح كل شيء، ومدرسة لا تعترف بشيء… بين أغنية تسمع صدفة، وجواب طفل يُقال بثقة… وطبق يعود إلى الطاولة لأنه يشبه البيت، لا لأنه يرمزٍ إليه.
بين كلمة تتعثّر، ولغة تتقدّم، وخطوات صغيرة تُبنى عليها حياة كاملة… هناك في تلك المساحة غير المرئية، تشكل وعي جديد. وعي لا يولد من لخوف، ولا من القلق على الضياع، بل من الطمأنينة.
وعي يعرف أن الانتماء ليس صراعاً، ولا امتحاناً، بل طريقة هادئة للوجود.
الجيل الذي سبق كان مشغولاً بالبقاء. والتأقلم.
كان عليه أن يعمل أكثر، ويشرح أقل، ويخفّف صوته كي لا يخسره. أما هذا الجيل، فلا يشعر بأنه مطالب بأن يبرّر نفسه. هو فقط… يكون.
ربما هذا ما تعلّمته أجيال ديربورن بصمت أن الهوية، حين لا تُفرّض، لا تضيع بل تمشي في الشارع، تتوقف عند الإشارات، تدخل البيوت تكبر مع الأطفال، وتبقى من دون أن تطلب إذنا من أحد.






Leave a Reply