إبتسام خنافر
في غرفة فخمة في أوروبا البعيدة، جلس رجلان أنيقان.
مارك سايكس البريطاني بربطة عنق مشدودة، وفرانسوا جورج بيكو الفرنسي بشارب معكوف بإتقانٍ.
على الطاولة أمامهم، خريطة لشرق لم يروه يوماً، شرق يضجُّ بالحياة… تقاسموه بالألوان: الأَحمر لبريطانيا، الأزرق لفرنسا.
قال سايكس وهو يمرر أصابعه على الخريطة:
«سآخذ هذه… فيها بحرٌ دافئ يشبه كسل عطلاتنا».
رد بيكو بابتسامة جانبية: «حسناً… خذ البحر،.
وأعطني هذه الجبال… سيكون منظراً لطيفاً من نافذة الفندق». ثم أضاف بلهجة خبير: «هؤلاء الناس… كم عددهم تقريباً؟).
أجابه سايكس بثقة المستعمر: ((لا يهم العدد… بل تهمنا الموارد».
ضحكا … ووضعا على الخريطة خطوطاً مستقيمة.
كل خطّ سكين… كل قلم فأس… ولا صوت يسمع
سوى احتكاك الورقة بالمسطرة.
حين انتهيا، صفّق بيكو بيديه كمن أنهى إعداد قالب حلوى: (جميل! شرِقٌ مرتبٌ بلا فوضى».
ردّ سايكس مفتّلاً شاربيه: «الفوضى سيتولى
الآخرون صنعها لاحقاً».
نظر كلاهما إلى الخريطة، وتصافحا بثقة المتحكّم:
«اتفقنا».
في تلك اللحظة، لم يُقتل حلم الوحدة فقط، بل سقطت فكرة الحلم نفسها. أصوات من خلف الزمن تهمس حدود رسمها غريب.
أما سايكس وبيكو، فغادرا القاعة بابتسامة «منتصر»، فقد ولد شرق جديد على مقاس أحلامهما.
أوطانٌ بأحجام مختلفة وموارد مشتتة، قسّمت كقالب حلوى حسب الطلب
كبرنا مع تلك اللحظة وكبرت فينا، ترعرعت في مدارسنا وبيوتنا وكتبنا وإعلامنا، حتى أصبحت الحدود هوية، والزعيم أهم من الهوية والوطن، والخوف أقوى من الحق.
منذ ذلك التقسيم، أصبح المواطن العربي ضيفاً على أرضه، لا شريكاً فيها.
وأصبح الغد مجهولاً، وأصبح الانتماء عبئاً يزداد ثقله مع كل أزمة. ومع كل خلاف صغير، تُنكأ جروحٌ عميقة.
ليس الوطن تلك البقعة التي تُكتب في الهوية، بل هو اللحظة التي يشعر فيها الإنسان أنّه ينتمي إلى المكان… إلى الأرض، إلى التراب.
نحن لا ننتقل من وطنٍ إلى آخر حين نغيّر عنوان إقامتنا، بل حين نفقد حقّنا في أن نكون جزءاً من القرار، وتصبح الحقوق منة من الحكومة.
كل إنسان يحمل داخله ثلاث خرائط: إيمان وإرث
يصنع وجدانه، واقتصاد يحدد خياراته، وسياسة ترسم
مستقبله.
وحين تختلّ هذه الخرائط، يتحوّل الفرد من مواطن
إلى مجرد غريبٍ، حتى لو لم يغادر بلاده يوماً.
تهرب الأرواح من الضيق، من انكسار الثقة، من سقوف تهبط فوق رؤوس أصحابها، ومن حلم ميت.
تجد الأرواح طريقها إلى أرض بعيدة، الغربة فيها
يست لعنة، بل خلاصاً.
هناك، يقولون إن أوطان سايكس-بيكو أصبحت
«مبهبطة» على شعوب المنطقة، وإنه لا بد من تقسيمها مرة أخرى على مقاس عصبيات ضيقة.
أما هنا في ميشيغن، وتحديداً في ديربورن فللحكاية
رواة آخرون.
في ديربورن، التجربة أوضح والدرس أصدق. هنا، تحيا الهوية العربية متماسكة وغير قابلة للتقسيم.
فعلى الشارع نفسه تجد منزل عائلة لبنانية، بجانبه عائلة يمنية، وعلى الجانب الآخر عائلة عراقية، وقبالتهم عائلة سورية فلسطينية، تربّي أبناءها على قيم وتقاليد متوارثة عن الأجداد. هنا المتاجر للجميع والمطاعم مساحات تلاق. مجتمع عصي على التقسيم.
في ديربورن، تلتقي الجذور المتعبة، فتنهض هوية سئمت الانقسام. يعمل العربي، يساهم، ينتج، يُسأل عن رأيه، لا عن طائفته.
هنا، الوحدة العربية ليست شعاراً يرفعه السياسيون،
بل حياةً يومية يعيشها الناس.
حين تهمّش الحقوق يعلو صوت الخوف، وحين
تغيب العدالة تذبل الثقة بالمستقبل.
ديربورن تقول لنا: الوطن ليس مكاناً، بل كرامة
وهوية وانتماء.
هي ليست وطناً بديلاً، ولكنها نموذج لوطنٍ ممكن.
وما ننجح في صنعه هنا ليس انتصاراً على الوَطن الأم بل رسالة حب واشتياق.






Leave a Reply