إبتسام خنافر
يحدث الأمر في الغربة…
هناك، حيث تمتدّ المسافات أكثر من الذاكرة، وحيث تتعلّم القلوب أن تخفي حنينها كي لا تنكسر كلّ صباح.
ي بيتٍ صغيرٍ على اطراف ديربورن، يتسلل رنين الهاتف في منتصف النهار. صوتٌ معدنيٌّ يقطع السكو مثل شفرةٍ في قلبٍ مطمئن.
يتبادل من في البيت نظراتٍ مرتجفة، ثم تخرج الكلمات من السماعة كطعنةٍ لا صوت لها: «فلان اعطاك عمره)..
(«فلان توفي»!
يتجمّد كلّ شيء.
حتى عقارب الساعة تبدو كأنها توقّفت لتستوعب
الفقد.
الوجوه باهتة، العيون زجاجية، والأيدي تبحث عن شيء تمسكه كي لا تنهار في الغربة، حين يأتي الموت، لا يأتي كضيف، بل كرسالةٍ تذكر المهاجر بأن بينه وبين الوطن حياةً لم تكتمل.
هكذا تبدأ الحكاية دائماً في بيوت المهاجرين، وجعٌ يهبط من الهاتف، وصمتٌ طويل يحاول أن يتّسع لدمعةٍ لا تجد مكاناً لها.
لهجرة تُعلّم الإنسان النظام والاجتهاد، لكنها لا تعلّمه كيف ينسى أول رائحة تراب، ولا كيف يتخلى عن أول بيت رسم ملامحه في الذاكرة.
قد نحمل الجنسيات الجديدة، نعمل هنا ونحب هذا البلد. لكن في أعماقنا وطنَّ قديمٌ لا يزال يهمس باسمنا الأول. ذاك الوطن الذي لا يشيخ في الذاكرة: بيتٌ من حجرٍ على التلّ، شجرة تين في الفناء، وجدَةٌ تصنع القهوة علىّ نارٍ صغيرة.
قال لي رجلٌ في ديربورن ذات مرة: ((الغربة مش إنك تبعد عن بلدك… الغربة إنك تموت وما يزورك حدا بيعرفك».
كلمة تختصر كل معاني الرحيل عن الجذور.
قبل رحيله بأيام، جلس أبي طويلاً قرب النافذة، ينظر إلى الأفق الرمادي لميشيغن بعينين غارقتين في صمتٍ لا يشبه أي صمت
كان كمن يُحادث شيئاً لا نراه، وطناً بعيدأ ظلّ يسكنه
رغم الغياب.
قال لي بصوتٍ متعبٍ يخرج من عمق الذاكرة، صوت اختلط فيه الحنين بالرجاء: «بدي أرجع على ضيعتي عينائا يا بنتي. بدي أدفن بين أمي وأبي وابني.. لا تأخذوني بصندوقٍ في الطيارة».
كانت تلك الجملة أثقل من كلّ سنوات الغربة. كأنها حجر وُضع على صدري لا يُرفع.
لم يكن أبي يخاف الموت. كان يخاف أن يودّع الدنيا غريباً، أن ينام في أرضٍ لا تعرف اسمه ولا رائحته كان يريد أن يريح قلبه في التراب الذي حفظ خطواته الأولى، أن تمرّ الريح فوق قبره وتهمس كما لو أنها تعرفه:
«هنا يرقد واحدٌ من أبنائنا».
كنت أراه كلّ يومٍ يبتعد عن الحاضر خطوة، ويقترب من ذكرياته هناك – في قريته، بين التين والزيتون، حيث لجيران ينادونه باسمه الأول، وحيث للهواء رائحة البيت لم يكن أبي وحده…
كان صدىً لجيلٍ كاملٍ من المهاجرين الذين عاشوا بأجسادهم هنا، لكن قلوبهم بقيت هناك معلّقة بين مطارٍ وسماءٍ وانتظارٍ طويلٍ للعودة… ولو في الحلم
هنا في ميشيغن، المقابر مرتبة، أنيقة، وهادئة. العشب الأخضر يغطي الأرض، والسماء الرمادية تحرس المكان، لكنها مقابر بلا ذاكرة، بلا وجوه تعرفك، بلا فاتحةٍ بالعربية.
تزورها فتحس بالاحترام، لا بالأنس.
أما هناك، في الوطن، فالمقبرة امتداد للحياة. الناس يزورون موتاهم، يحدّثونهم، يتركون على القبر زهرةً أو دمعة.
الموت هناك ليس غياباً… بل استمرار للحكاية.
أبناؤنا الذين وُلدوا هنا لا يعرفون الطريق إلى القرية، لم تلمس أقدامهم ترابها، ولم يسمعوا لهجة الجيران القديمة.
بالنسبة إليهم، الوطن هو هنا: مدرسة أميركية، جامعة مرموقة، وأصدقاء من كل الألوان.
قالت لي فتاة لبنانية ولدت هنا ذات لقاء شبابي: «أنتم تبحثون عن أرض تدفنون فيها، ونحن نبحث عن أرضٍ نعيش فيها».
كانت صادقة… ومؤلمة.
جيلنا يرى الموت امتداداً للوطن، وجيلهم يرى الحياة وطناً لا يحتاج جوازٍ سفر. لكن بيننا وبينهم جسرٌ من لحنين، لا يحتاج لغة ليفهمه أحد، لأنه يسكن الدم.
أن نعيش هنا ونُدفن هناك ليس تناقضاً، بل اكتمال
لحكايةٍ طويلة.
تصالح القلب مع الأرضين: أميركا منحتنا الكرامة والفرص، وبلادنا منحتنا المعنى والذاكرة. نحب الأولى لأنها احتضنتنا، ونحب الثانية لأنها أنجبتنا.
ربما يُدفن الجيل الأول في أرضه الأولى، لكنّ الجيل الجديد سيزرع وطنأ هنا، وطناً لا يُقاس بالمسافة، بل بالصدق والانتماء والذاكرة التي لا تموت.
نعم، المقابر هنا أنيقة ونظيفة، لكن التراب هناك يعرف سماءنا، يعرف حكايتنا، ويعرف أننا… مهما طال الغياب..
عائدون.
وحين يغمض المهاجر عينيه للمرة الأخيرة، يسمع في داخله نداء لا يُخطئه القلب: «ارجع إليَّ… فهنا بدأ قلبك ينبض».






Leave a Reply