محمد العزير
في حمأة السجال المحتدم عشوائياً في لبنان، والذي تزيد محطات التلفزة المحلية خصوصاً، والعربية عموماً، ومنصات الأخبار والتواصل الاجتماعي، من تهييجه وتثميره لزيادة عدد المشاهدات و«النقرات»، يبدو أن قطبي المواجهة الإعلامية نجحا في احتلال كامل مساحة «القوس البياني»، بين الداعين إلى الممانعة والمقاومة العسكرية والإستشهاد كحل ثابت ووحيد يعتمد مبدأ الكفاح المسلح، وهم في معظمهم الغالب من مؤيدي «حزب الله»، وبين الداعين إلى الصلح مع إسرائيل بأي ثمن، لكفّ الأذى الصهيوني عن لبنان وشعبه، ولإطلاق عجلة النهوض السيادي في البلد، ليتمكّن لبنان من إدراك مآلاته الاقتصادية والتجارية والمالية والسياحية دون تعكير أو تلكؤ.
بين هاتين الروايتين، أو السرديتين المختلفتين مسافة لا يمكن تجسيرها لأسباب عقائدية وسياسية وتعبوية، فـ«الممانع» الذي يطلّ على الشاشة مبشراً بانتصار باهر، وهو لاجئ في المناطق الآمنة التي لا تزال «تسمح» للنازحين بدخولها، باعتبار أن العديد من البلدات والبلديات جاهرت برفضها لاستقبال «الشركاء في الوطن»، والذي يكيل بلا هوادة أخبار التصدي والتحدي والمبارزة، يقابله «السياديّ» الذي يروّج بلا سند أن مشكلة لبنان ليست في إسرائيل وإنما في طهران التي تريد للبنان أن يكون ساحة لطموحاتها الإقليمية لا لسبب غير أن في لبنان مكوّن شيعي قابل للاستثمار السياسي والتوليف العقائدي. لكن تلك المسافة البعيدة مبدئياً، أقرب مما تبدو صورة التنافر، فبين القوسين ليس هنالك من يمين أو يسار، بل تنافس بين يمين ويمين متشدد.
لكن ثمة فاصل بين هاتين السرديتين، ليس مجرد فاصل، بل ينبغي أن يكون هامشاً كبيراً يستحق أن يثير انتباه المعنيين والمتابعين، هامشٌ يتسّع للرافضين، أو المستائين من القسمة «الضيزى» بين «الممانعة» و«السيادة»، وهؤلاء ليسوا أقلية قليلة في النسيج الاجتماعي اللبناني، وليسوا غائبين عن الصورة الأصلية للموضوع، فهم يتفاعلون وينشطون ويقدّمون من وقتهم ومالهم وجهدهم لنصرة القضايا الوطنية (في الوطن الأم)، وهم في الغالب الأعم ممن سمحت لهم ظروفهم المالية والمعيشية بالسكن والإقامة في دول أوروبية وغربية (مثل أميركا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا)، ومنهم الكثير ممن تقلدوا مناصب أكاديمية واقتصادية ومالية بارزة في أوطانهم الجديدة.
لا شك أن الغالبية العظمى من هؤلاء المهتمين بأوضاع الوطن الأم، لا تجد موطئ قدم في السجال العشوائي الحالي، ويعتقدون في معظمهم أن لا أثر يذكر لموقفهم، فمن يريد المقاومة والقتال شعاره «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، وهو شعار عبد الناصر الذي لم ينجح في أية معركة، أما من يرفع السلام شعاراً فيقول «انظروا إلى مصر والأردن: فبعد توقيع اتفاقيات السلام مع إسرائيل عاش البلدان في سؤدد ونعيم ولم يتعرضا لأي ضرر أو عدوان»، لكن الحقيقة ليست كذلك، ولا الوقائع تثبت ما يرمون إليه.
إلى ذلك، هناك خلل بنيوي في نظرة «السياديين» المتحمسين، فمشكلة لبنان لم تبدأ مع دولة الاحتلال في السابع من أكتوبر 2023، ولم تبدأ في غزة وفلسطين في التاريخ نفسه، والسبب في الصراع لم يكن هجوم «حماس» على غلاف غزة، ولم يكن في الانتفاضة الأولى ولا في الانتفاضة الثانية، التي أدت في تداعياتها إلى رحيل ياسر عرفات الذي أعاد قضية فلسطين إلى أرض فلسطين، لكن ذلك موضع بحث آخر. المشكلة التي يحاول المتطرفون من «السياديين» القفز عليها، هي حقيقة أن سبب المشكلة هو قيام كيان هجين على أرض فلسطين، لا لحق ولا لسابقة ولا لقانون، سوى أن بريطانيا العظمى، في حينه، وعدت أثرياء صهاينة بدولة على أرض فلسطين، وعملت على ذلك بلا هوادة بقيادة السياسي الأكثر عنصرية وإجراماً في أوروبا بعد هتلر، ونستون تشرشل.
المشكلة التي لا يعترف بها السياديون، هي أن أصل المشكلة هو الاحتلال الذي أدى إلى تهجير أكثر من 700 ألف فلسطيني من بيوتهم وقراهم ومدنهم (بين عامي 1947 و1948)، ليصبحوا لاجئين في دول كانت اقتصاداتها وكياناتها أقل مما كانت فلسطين في حينه. الاحتلال هو من تسبب باللجوء، والاحتلال هو من سعى ويسعى إلى تهويد كامل أرض فلسطين التاريخية، والحركة الصهيونية هي التي عمدت إلى تنفيذ عمليات قذرة لتجييش العرب ضد المكونات اليهودية في مجتمعاتهم لرفد الكيان الهجين بموارد بشرية إضافية لأن يهود أوروبا لم يكونوا على استعداد للهجرة إلى «أرض الميعاد».
يمكن لمن يود متابعة السياق الصهيوني لمجريات الأحداث الآن، أن يلاحظ كيف أن اليمين الإسرائيلي الذي يقوده بنيامين نتنياهو، هو الذي أفتى باغتيال رئيس وزراء إسرائيل الذي وقع اتفاق أوسلو، إسحق رابين، على يد متطرف صهيوني يميني، أنجب أولاداً وهو في السجن، لأن المزاج الشعبي الصهيوني سمح بذلك، قبل أن يسلم سدة المسؤولية إلى آرييل شارون المدان من محكمة إسرائيلية بالمسؤولية عن مجزرة صبرا وشاتيلا.
من نافل القول أن إسرائيل، أو على الأقل حكومة اليمين فيها ترتكب اعمالاً منافية لأبسط قواعد القانون الدولي وهو ما استدعى إصدار مذكرة توقيف بحق نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وقابلها مذكرات بحق قادة من حماس، وهم ممن استفادوا من التسهيلات اليمينية الإسرائيلية من أجل تقويض نفوذ السلطة الوطنية الفلسطينية، حسب تصريحات نتنياهو نفسه. لكن ذلك لا يثير لدى «السياديين» أي إشكال، بل يبدو الكثيرون منهم مصرّين على تقديم السردية الغوغائية عن «المقاومة» وإغفال ما يقوم به الاحتلال.
في المقابل، تقوم سردية الممانعة على مبالغات وادعاءات ما أنزل الله بها من سلطان، من قتال الملائكة مع المقاومين إلى تبليغ الأشجار عن جنود صهاينة خلفها، إلى الكثير من التّرهات التي لا تستقيم لعاقل، ولكن القائمين على المحتوى الإعلامي المؤيد للمقاومة يرون في ذلك سبباً لتأييد روايتهم، التي يوقنون تماماً أنها لا تستقيم، وهذا هو المنحى الذي دأب مناصرو «الممانعة» على تأكيده على الشاشات والحوارات التواصلية، من باب التأكيد على أنه «نحن هنا».
بين هاتين السرديتين، لا بد من مكان للذين لا يلتزمون بهما، وهؤلاء ليسوا أقلية ضئيلة، بل هم فئة صامتة، وأسباب الصمت هنا واضحة، فمن جهة الممانعة هم متهمون بـ«التخاذل»، ومن الجهة السيادية هم متهمون بـ«الخوف»، والحال أن هذه الفئة، وهي مؤثرة ويفترض أن تكون فاعلة، لم تقدّم أية مخارج، ولم تقدم على أي اقتراح، وكأنها تكتفي بـ«تشبيح» التيارين الكبيرين، لتعفي نفسها من مسؤولية القرار.
هذا الوضع غير قابل للاستمرار في ظل التنافر بين التيارين الكبيرين، تيار الممانعة، وتيار السيادة. لا بد من انبثاق تيار وسطي، يمكنه أن يدرك المخاطر الصهيونية، دون أن يكون الجواب الجاهز عليها هو المساندة الإيرانية، فمن المؤكد والثابت أن الثورة الإسلامية في سياق حربها مع صدام حسين اشترت أسلحة من إسرائيل ليس على طريق القدس وإنما لمآرب أخرى، وفي المقابل، لا يمكن لعاقل اعتبار إسرائيل كـ«بيرق ليبرالي» لا تهمها سوى الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان. على الوطنيين العرب، وخصوصاً اللبنانيين منهم أن يعلنوا موقفهم بشكل واضح وبلا تردد أو خوف، فهل يكون ذلك؟





Leave a Reply