ديربورن
أثار قرار حديث للمحكمة الأميركية العليا اهتماماً واسعاً بين الجاليات المهاجرة، بعد أن وسّع صلاحيات سلطات الهجرة في التعامل مع بعض حاملي البطاقة الخضراء (غرين كارد) العائدين إلى الولايات المتحدة من السفر الخارجي، في حال وجود قضايا أو اتهامات جنائية قد تؤثر على وضعهم القانوني.
وأصدرت المحكمة العليا قرارها في قضية «بلانش ضد لاو»، يوم 23 حزيران (يونيو) الجاري، بأغلبية ستة قضاة مقابل ثلاثة، في حكم تاريخي يرى خبراء قانونيون أنه قد يؤثر على كيفية تعامل سلطات الحدود والهجرة مع بعض المقيمين الدائمين عند المنافذ الحدودية.
ورغم تداول معلومات على مواقع التواصل الاجتماعي توحي بأن أي حامل للبطاقة الخضراء قد يواجه الترحيل بمجرد توجيه اتهام جنائي له، يؤكد مختصون أن القرار لا يذهب إلى هذا الحد، لكنه يمنح السلطات مرونة أكبر في فحص أوضاع بعض المقيمين عند عودتهم إلى البلاد.
من المطار إلى القضاء الأعلى
تعود قضية «بلانش ضد لاو» إلى المواطن الصيني موك تشوي لاو، الذي كان مقيماً دائماً في الولايات المتحدة عندما وُجهت إليه اتهامات تتعلق ببيع سلع مقلدة وانتهاك قوانين العلامات التجارية.
وخلال فترة النظر في قضيته، سافر لاو إلى الصين، وعند عودته إلى الولايات المتحدة عام 2012 لم تتعامل معه السلطات كمجرد مقيم دائم قد عاد لتوه إلى الوطن، بل أخضعته لإجراءات خاصة بموجب قانون الهجرة استناداً إلى الاتهامات الجنائية المنسوبة إليه.
وصادر ضباط الحدود في مطار جون أف كينيدي بطاقة لاو قبل أن يفرجوا عنه مؤقتاً ريثما يُبتّ بالتهم المنسوبة إليه. وبعد إدانته لاحقاً، باشرت السلطات الفدرالية إجراءات ترحيل المواطن الصيني الذي سارع إلى الطعن في القرار مُدّعياً أن ضباط الحدود كانوا يحتاجون إلى وجود دليل قاطع على الإدانة لتجريده من بطاقة الإقامة الدائمة لدى دخوله البلاد.
وتحولت قضية لاو إلى نزاع قانوني استمر سنوات ووصل في نهاية المطاف إلى المحكمة العليا الأميركية. وكان السؤال الأساسي الذي واجهته المحكمة يتمثل في ما إذا كانت سلطات الهجرة ملزمة بإثبات الجريمة بشكل نهائي قبل اتخاذ إجراءات بحق المقيم الدائم العائد من السفر، أم أن وجود معطيات قانونية وأسباب معقولة يكفي لاتخاذ تلك الإجراءات.
مضمون الحكم
بأغلبية ستة أصوات مقابل ثلاثة، قضت المحكمة العليا في الولايات المتحدة، الأسبوع الماضي، بأن ضباط الحدود ليسوا بحاجة إلى «أدلة واضحة ومقنعة» على ارتكاب جريمة لمعاملة المقيم القانوني العائد (حامل البطاقة الخضراء) كمتقدم بطلب دخول عند المنفذ الحدودي. وقد أرست المحكمة بذلك مبدأً مفاده أنه يجوز للسلطات الفدرالية وضع المقيم العائد تحت المراقبة القضائية للهجرة بناءً على اتهامات جنائية غير مثبتة أو تحقيقات جارية، ثم استخدام الإدانة لاحقاً لتبرير إجراءات الترحيل الرسمية.
ورأت المحكمة العليا أن الحكومة الفدرالية تملك صلاحيات واسعة في تطبيق قوانين الهجرة وإدارة الحدود، وأن وجود معطيات قانونية وأسباب معقولة قد يكون كافياً لاتخاذ إجراءات معينة، دون الحاجة دائماً إلى انتظار صدور حكم جنائي نهائي.
لا حصانة مطلقة
لا يعني القرار أن المقيم الدائم سيفقد إقامته تلقائياً لمجرد وجود اتهام جنائي، كما لا يعني أن جميع حاملي الغرين كارد سيواجهون مشكلات عند السفر والعودة إلى الولايات المتحدة. إلا أنه يمنح موظفي الهجرة والحدود صلاحيات أوسع للتدقيق في أوضاع بعض المقيمين الدائمين الذين لديهم قضايا جنائية أو ملفات قانونية قائمة قد تؤثر على أهليتهم القانونية للبقاء في البلاد.
وبعبارة أخرى، فإن القضية الجنائية قد تبدأ في بعض الحالات بالتأثير على ملف الهجرة قبل انتهاء الإجراءات الجنائية أو صدور حكم نهائي فيها.
خطورة القضايا الجنائية
وفي حديث خاص مع صحيفة «صدى الوطن»، قالت محامية الهجرة فرح حبّ الله إن القرار القضائي يسلط الضوء على نقطة يجهلها كثير من المقيمين الدائمين.
وأضافت المحامية في مكتب «مجموعة حبّ الله القانونية» بمدينة ديربورن: «يفترض كثير من الأشخاص أن العواقب المتعلقة بالهجرة لا تبدأ إلا بعد الإدانة الجنائية، لكن هذا القرار يؤكد أن الأمر ليس كذلك دائماً، بالنسبة للمقيمين الذين يسافرون إلى الخارج، فإن وجود قضية جنائية معلقة قد يخلق مشكلات تتعلق بالهجرة حتى قبل حسم القضية جنائياً».
وأوضحت أن القضايا الأكثر إثارة للقلق عادةً تشمل اتهامات الاحتيال والسرقة وجرائم المخدرات والعنف الأسري، إضافة إلى الجرائم التي يصنفها قانون الهجرة ضمن ما يعرف بالجرائم المخلة بالأخلاق، مثل قضية لاو المتعلقة بتزوير السلع والعلامات التجارية.
وأضافت أن كثيراً من الناس يعتقدون أن التأثير على ملف الهجرة يرتبط فقط بمدى خطورة الجريمة، بينما الواقع القانوني يعتمد على كيفية تصنيف التهمة ضمن قانون الهجرة.
نصيحة قانونية
شددت حبّ الله على أهمية استشارة محامٍ مختص بالهجرة قبل السفر بالنسبة لأي مقيم دائم لديه قضية أو ملف جنائي مفتوح. وقالت: «أنصح أي شخص بالتحدث إلى محامٍ مختص بالهجرة قبل السفر إلى الخارج. لقد تحدثت مع العديد من الأشخاص الذين افترضوا أن السفر الدولي لن يشكل مشكلة لأنهم يحملون البطاقة الخضراء، ثم اكتشفوا أن وجود قضية جنائية معلقة غيّر الوضع بالكامل».
وترى حبّ الله أن القرار سيؤدي إلى زيادة التدقيق في بعض الحالات، لا سيما بالنسبة للمقيمين الدائمين الذين لديهم اتهامات جنائية أو قضايا لم تُحسم بعد.
تداعيات تهم الجالية العربية
يأتي هذا القرار في وقت يسافر فيه آلاف أبناء الجالية العربية في ميشيغن بشكل منتظم إلى بلدانهم الأصلية لزيارة الأهل والأقارب أو لمتابعة أعمالهم ومصالحهم.
ورغم أن الحكم لا يغيّر أوضاع الغالبية العظمى من حاملي البطاقة الخضراء، إلا أنه يذكّر المقيمين الدائمين بحقيقة قانونية مهمة، وهي أن بعض القضايا الجنائية لا تبقى محصورة داخل أروقة المحاكم الجنائية، بل قد تمتد آثارها إلى ملف الهجرة وإجراءات الدخول إلى الولايات المتحدة.
ويرى خبراء الهجرة أن الرسالة الأبرز التي يحملها القرار هي أن المقيمين الدائمين الذين لديهم قضايا أو اتهامات جنائية معلقة لا ينبغي أن يفترضوا أن وضعهم القانوني يحميهم تلقائياً من التدقيق أو المراجعة عند العودة إلى الولايات المتحدة، وأن الحصول على استشارة قانونية مسبقة قد يكون خطوة ضرورية قبل السفر.







Leave a Reply