لم تكن القضية هذه المرة تتعلق ببناء جدار على الحدود أو بتشديد إجراءات اللجوء أو بترحيل المهاجرين، بل بحق ظل لأكثر من قرن ونصف أحد أكثر المبادئ رسوخاً في الدستور الأميركي: حق المواطنة بالولادة.
في الثلاثين من حزيران (يونيو) 2026، وضعت المحكمة العليا الأميركية حداً لواحدة من أكثر القضايا الدستورية إثارة للجدل في السنوات الأخيرة، برفضها محاولة الرئيس دونالد ترامب تقييد حق المواطنة بالولادة عبر أمر تنفيذي، مؤكدة أن هذا الحق يحميه التعديل الرابع عشر من الدستور، ولا يمكن إعادة تعريفه أو تقييده بقرار يصدر عن السلطة التنفيذية.
وبحسب الحقوقيين، لم يكن الحكم الذي جاء بنتيجة 6–3 مجرد انتصار في نزاع قانوني حول الهجرة، بل أعاد رسم الحدود الفاصلة بين السياسة والدستور، مؤكداً أن صلاحيات الرئيس، مهما اتسعت، تقف عند النصوص الدستورية التي لا يجوز تعديلها إلا بالوسائل التي رسمها الدستور نفسه.
أما بالنسبة إلى ملايين العائلات المقيمة في الولايات المتحدة، ولا سيما أبناء الجاليات المهاجرة، فقد حمل القرار رسالة مختلفة؛ إذ أكد أن الحقوق الدستورية لا تتغير بتغير الإدارات، وأن مستقبل الأطفال المولودين على الأراضي الأميركية لا يبقى رهينة للتجاذبات السياسية.
من البيت الأبيض إلى القضاء
بدأت القضية في اليوم الأول من ولاية الرئيس ترامب، عندما وقّع أمراً تنفيذياً يقضي بعدم منح الجنسية الأميركية تلقائياً لبعض الأطفال المولودين داخل الولايات المتحدة إذا كان والداهما لا يحملان الجنسية أو الإقامة الدائمة.
وبررت الإدارة القرار بأنه يهدف إلى الحد من الهجرة غير النظامية وإنهاء ما يعرف بـ«سياحة الولادة»، التي يسافر فيها بعض الأشخاص إلى الولايات المتحدة بقصد الإنجاب والحصول تلقائياً على الجنسية الأميركية لمواليدهم الجدد.
واستند فريق ترامب إلى أن عبارة «الخاضعين لولايتها القضائية» الواردة في التعديل الرابع عشر لا تشمل جميع الموجودين داخل الولايات المتحدة، وأن التفسيرالمعتمد لهذا النص توسع مع مرور الوقت.
لكن الأمر التنفيذي قوبل باعتراض واسع منذ اللحظة الأولى، إذ سارعت عدة ولايات أميركية، من بينها ميشيغن، إلى جانب منظمات حقوقية كبرى، إلى الطعن في قرار ترامب أمام القضاء الفدرالي، بدعوى أن الرئيس تجاوز حدود صلاحياته وانتهك الدستور.
وكانت ولاية ميشيغن من بين الولايات التي قادت هذا التحرك، بقيادة المدعية العامة دانا نسل، التي رأت أن الأمر التنفيذي يتعارض مع الدستور الأميركي. وبعد صدور الحكم، وصفت نسل القرار بأنه «انتصار تاريخي لسيادة القانون»، مؤكدة أن حق المواطنة بالولادة يمثل أحد المبادئ الأساسية التي لا يستطيع أي رئيس تجاوزها.
وبعد سلسلة من الأحكام في المحاكم الفدرالية، وصلت القضية إلى المحكمة العليا، التي أعادت التأكيد على أن حق المواطنة بالولادة يتمتع بالحماية الدستورية، وأن السلطة التنفيذية لا تملك إعادة تعريفه بقرار منفرد.
وبذلك، قضت المحكمة العليا بأن أمر ترامب التنفيذي باطل وملغى ولا يتوافق مع الدستور.
ترحيب حقوقي
قوبل الحكم بترحيب واسع من المنظمات المدنية والحقوقية التي اعتبرت القرار انتصاراً للدستور وسيادة القانون والمهاجرين.
فقد أكد «المجلس الأميركي لحقوق الإنسان» AHRC أن القرار أعاد التأكيد على أن الدستور يبقى مصدر التشريع الأعلى في الولايات المتحدة، وأن التعديل الرابع عشر لا يمكن تجاوزه بأمر تنفيذي، معتبراً أن الحكم يحافظ على أحد المبادئ الأساسية التي قامت عليها الديمقراطية الأميركية منذ أكثر من 150 عاماً.
ورحبت «اللجنة العربية الأميركية لمناهضة التمييز» ADC بالحكم، مؤكدة أن المحكمة رفضت محاولة إعادة تفسير حق المواطنة بالولادة بقرار رئاسي، وشددت على أن المواطنة ليست امتيازاً تمنحه الحكومات أو تسحبه، بل حق دستوري ثابت.
أما «مركز ميشيغن لحقوق المهاجرين»، فرأى أن القرار يمثل انتصاراً كبيراً لعائلات ميشيغن ولجميع الأميركيين، لأنه يؤكد أن الدستور، وليس الرئيس، هو الذي يحدد من هو المواطن الأميركي، ويجنب البلاد حالة من الارتباك القانوني كانت ستؤثر في ملايين الأسر.
وتعود جذور هذه القضية إلى عام 1868، عندما أُقرّ التعديل الرابع عشر للدستور عقب انتهاء الحرب الأهلية الأميركية، بهدف ضمان المساواة ومنع أي حكومة مستقبلية من حرمان فئة من السكان من حقها في المواطنة.
ثم جاء حكم المحكمة العليا في القضية الشهيرة «الولايات المتحدة ضد وونغ كيم آرك» عام 1898 ليكرّس هذا المبدأ، عندما قضت المحكمة بأن الطفل المولود على الأراضي الأميركية يكتسب الجنسية حتى وإن كان والداه من غير المواطنين. ومنذ ذلك الحين، ظل هذا الحكم، المرجع القضائي الأساسي في تفسير حق المواطنة بالولادة.
وترى المحكمة العليا أن أي محاولة لتغيير هذا المبدأ مستقبلاً لن تكون ممكنة بقرار رئاسي، وإنما تتطلب تعديلاً للدستور الأميركي.
وفي حديث خاص لـ«صدى الوطن»، قال المحامي نبيه عياد، مؤسس «الرابطة العربية الأميركية للحقوق المدنية» ACRL، إن أهمية الحكم لا تقتصر على الجالية العربية، بل تمتد إلى جميع المجتمعات المهاجرة، لأنه يؤكد أن الأطفال المولودين في الولايات المتحدة سيبقون محميين بالدستور، بغض النظر عن الوضع القانوني لوالديهم.
وأضاف أن القرار منح كثيراً من العائلات شعوراً بالاستقرار، لأن القلق لم يكن يتعلق بالمواطنة وحدها، بل بالخوف من أن يفتح المساس بهذا الحق، الباب أمام إعادة النظر في حقوق دستورية أخرى.
وأوضح عياد أن القضية تجاوزت منذ البداية ملف الهجرة، لتصبح اختباراً لحدود السلطة التنفيذية نفسها، ورسالة واضحة مفادها أن الدستور يبقى المرجعية العليا في الولايات المتحدة، وأن أي إدارة لا تستطيع إعادة تعريف الحقوق التي يكفلها بإرادتها المنفردة.
وحول ما إذا كان بإمكان رئيس أميركي مستقبلي إصدار أمر تنفيذي مماثل، أكد عياد أن قرار المحكمة العليا حسم هذه المسألة، وأن أي رئيس لن يتمكن بعد اليوم من تقييد حق المواطنة بالولادة بقرار تنفيذي. وأضاف أن أي تغيير لهذا الحق لا يمكن أن يتم إلا عبر تعديل للدستور، وهو مسار يتطلب موافقة ثلثي أعضاء مجلسي الكونغرس، ثم تصديق ثلاثة أرباع الولايات، ما يجعل المساس بهذا المبدأ الدستوري بالغ الصعوبة.
وقال عياد: «بعد هذا الحكم، لن يتمكن أي رئيس من تغيير حق المواطنة بالولادة بقرار تنفيذي. وإذا كان هناك أي تغيير مستقبلاً، فلا يمكن أن يتم إلا من خلال تعديل الدستور، وليس بقرار يصدر عن البيت الأبيض».







Leave a Reply