ماديسون هايتس
أعلن الادعاء العام بمقاطعة أوكلاند –الخميس الفائت– عن اتهام رجل مشرّد بتوجيه تهديدات بالقتل وشتائم كراهية لمسؤولي «مركز المجتمع الإسلامي الأميركي» AICC المعروف باسم «مركز الإمام الصادق (ع)» في مدينة ماديسون هايتس، يوم الأحد 28 حزيران (يونيو) الماضي.
وأوضح بيان صادر عن مكتب المدعية العامة لمقاطعة أوكلاند، كارين مكدونالد، بأن قائمة التهم المنسوبة للمدعو كريستوفر أندرو لورد (35 عاماً)، شملت التهديد الإرهابي الزائف واستخدام الحاسوب لارتكاب جريمة كراهية، وسط إعراب مسؤولي المقاطعة عن قلقهم من ازدياد حوادث التهديد بالقتل المدفوعة بالكراهية الدينية.
ومثُل لورد أمام «المحكمة 43» في ماديسون هايتس، صباح الخميس الماضي، حيث حددت له كفالة نقدية بقيمة 500 ألف دولار للإفراج عنه إلى حين مثوله مجدداً أمام القضاء في 15 تموز (يوليو) الجاري.
وبينما تصل عقوبة كلتا التهمتين آنفتي الذكر، إلى السجن لمدة 20 سنة و/أو غرامة مالية قدرها 20 ألف دولار، ذكرت السلطات المحلية بأن لورد يخضع أيضاً للتحقيق في قضية أخرى، لقيامه بتوجيه تهديدات إلى عامل مطعم في مدينة تروي وهو تحت تأثير المسكرات.
وعبرت مكدونالد عن قلقها من تصاعد حوادث التهديد المتعلقة بجرائم الكراهية، وقالت: «لأفراد مجتمعنا الإسلامي الحق المطلق في ممارسة شعائرهم الدينية دون خوف على سلامتهم، وحتى لو كانت جرائم الكراهية ناتجة عن أزمة شخصية أو تعاطي مواد مخدرة، فإنها تعكس اتجاهاً ثقافياً مقلقاً غير مقبول للتعصب الديني»، مشددة بأن السلطات القضائية في مقاطعة أوكلاند لن تسمح «بأي شكل من أشكال الترهيب الديني».
تفاصيل الحادثة
أبلغ المسؤولون في «مركز الإمام الصادق» السلطات المحلية عن تلقيهم مكالمتين عبر الهاتف تتضمنان تهديدات بالقتل وشتائم عنصرية عصر الأحد المنصرم. ولم تحتج الشرطة لأكثر من يومين لإلقاء القبض على المشتبه به، وإحالة ملفه إلى مقاطعة أوكلاند حيث سارع مكتب الادعاء العام إلى اتهامه رسمياً، استناداً إلى الأدلة المتوفرة.
وكانت «صدى الوطن» أول من كشف عن حادثة التهديد لإدارة المسجد الكائن على العنوان: 27205 شارع ديكوندر، وقد نشرت مضمون رسالتي التهديد الصوتيتين عبر حساباتها على موقع «فيسبوك».
وجاء في الرسالة الأولى المسجلة عند الساعة 3:46 مساء: «أنتم قمامة لعينة، أنا قادم إليكم يا من لا تهتمون سوى بإلهكم المزيف اللعين.. سأقتلكم.. اخرجوا من بلادي قبل فوات الأوان، هذا تحذير أخير».
وبعد دقيقتين، أعاد المشتبه الاتصال وترك رسالة صوتية ثانية، قال فيها: «أنا قادم لقتلكم، لقد انتهى تنظيم الدولة الإسلامية، سأقضي عليكم، ليس لكم حق العيش في بلدي، لقد قتلم شعبي، والآن حان وقت انتقامي، كونوا مستعدين لذلك، سنأتي بقوة وسوف نتخلص منكم بطريقة أو بأخرى».
وأفاد المتحدث باسم المركز الإسلامي في ماديسون هايتس، جعفر شهاب، بأن إدارة المسجد أخذت رسائل التهديد على محمل الجد وقامت على الفور بإبلاغ السلطات المحلية، وكذلك إخطار العائلات الإسلامية في الجوار لتوخي الحذر، وقال: «لقد قمنا بالتواصل مع زوار المركز وإعلامهم بالأمر تفادياً للبلبلة»، مضيفاً: «هذا أفضل من أن يسمعوا بالحادثة من مصادر أخرى لا تمتلك المعلومات الدقيقة حول ما جرى».
ولفت شهاب في حديث مع «صدى الوطن» إلى أن الشرطة المحلية كانت متعاونة ومتفهمة لمخاوف مسؤولي المركز، مثنياً على جهود ضباطها الذين تمكنوا من اعتقال المشتبه به في أحد الفنادق خلال أقل من يومين من تهديداته المروّعة.
وأوضح شهاب بأن المركز الذي يخدم الأعداد المتزايدة من الأسر العربية الأميركية في منطقة ماديسون هايتس لم يواجه «أية تحديات عنصرية أو تهديدات نابعة من الكراهية» منذ فتح أبوابه للزوار قبل أكثر من أربعة أعوام، بخلاف البدايات التي قوبلت بعدد من العراقيل الرسمية والشعبية لمنع افتتاح المسجد.
وكانت أعمال بناء «مركز الإمام الصادق» قد انطلقت في آب (أغسطس) 2020 بعد تسوية قضائية وضعت حداً قانونياً لسنوات من السجال الأهلي والإداري الرافض للمركز الإسلامي بحجج متعددة، من بينها الضوضاء والازدحام المروري والتلوث، وكذلك الحجم الكبير للمبنى، ونقص الأماكن المخصصة لركن السيارات، وعدم ملاءمة المشروع وانسجامه مع الجوار المحيط به.
ولم يخلُ السجال، كذلك، من بعض الاعتراضات العنصرية والمخاوف المتعلقة بـ«الإسلاموفوبيا».
تنديد حقوقي ورسمي
ندّدت عدة جهات حكومية ومنظمات حقوقية بالتهديدات الترهيبية التي طالت مسؤولي ورواد المركز، مطالبةً الحكومات المحلية في ولاية ميشيغن بتعزيز سلامة جميع المرافق الدينية، والإسلامية منها على وجه الخصوص، في ضوء تصاعد موجة الإسلاموفوبيا في عموم البلاد.
وقال الرئيس التنفيذي لـ«مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية» (كير) –فرع ميشيغن، داود وليد، إن المتصل وجه عبارات شديدة العدائية لمسؤولي وزوار مسجد ماديسون هايتس، مؤكداً بأنه لا يوجد أي مبرر لتوجيه تهديدات بالقتل ضد أي طائفة دينية. وقال: «نرحب بالتحرك السريع الذي اتخذته وكالات إنفاذ القانون للتحقيق في هذه الحادثة».
وكان تقرير الحقوق المدنية الصادر عن «كير» قد وثّق العام الفائت رقماً غير مسبوق في عدد شكاوى التمييز الموثقة ضد المسلمين في الولايات المتحدة، والتي بلغت 8,683 شكوى.
وفي الإطار ذاته، طالبت «الرابطة العربية الأميركية للحقوق المدنية» ACRL مكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي آي) وقسم الحقوق المدنية لدى وزارة العدل الأميركية ومكتب المدعي العام الفدرالي بمنطقة شرق ميشيغن بفتح تحقيق فدرالي فوري في هذه القضية باعتبارها «جريمة كراهية محتملة وانتهاكاً لقوانين الحقوق المدنية الأميركية».
وقالت الرابطة الحقوقية في بيان، إن تلك التهديدات «لم تكن آراءً سياسية أو خطاباً حاداً وإنما كانت تهديدات صريحة وموجهة بالقتل إلى جماعة معينة بسبب معتقداتها الدينية»، مضيفة: «لا ينبغي لأي أميركي أن يخشى ارتياد دار عبادته، ولا ينبغي لأي والد أن يتساءل عما إذا كان من الآمن اصطحاب طفله للصلاة، إذ لكل فرد في هذا البلد الحق الدستوري في ممارسة شعائره الدينية بحرية تامة دون ترهيب أو تهديد أو عنف».
وأعرب البيان عن قلقه من تصاعد حوادث الكراهية ضد المسلمين في أميركا، وقال: «عندما يتعرض مسجد للتهديد لأن أعضاءه مسلمون، فإن الضرر يتجاوز بكثير مجرد جماعة واحدة.. إنه اعتداء على المبادئ الدستورية للحرية الدينية، والمساواة أمام القانون، وسلامة كل جماعة تسعى إلى ممارسة شعائرها الدينية بسلام».
من جانبه، وصف محافظ مقاطعة أوكلاند ديف كولتر، حادثة التهديد بـ«المقلقة للغاية» مشدداً على ضرورة التعامل «بحزم مع مثل هذه الأفعال». وقال في بيان: «لا مكان للترهيب أو التهديد بالعنف في مقاطعة أوكلاند. لكل مقيم الحق في ممارسة شعائره الدينية بحرية وأمان»، مضيفاً بأن «الكلمات التي تُهدّد بالعنف ليست تعبيرات محمية تحت عنوان الاختلاف في الرأي، بل هي جرائم كراهية تُقوّض أمن وسلامة مقاطعتنا بأكملها».
وعبّر كولتر عن تضامن مقاطعة أوكلاند مع المجتمع الإسلامي المحلي ومع كافة المجتمعات التي تواجه خطاب الكراهية، معرباً عن تقديره لـ«الاستجابة السريعة لأجهزة إنفاذ القانون والتزامها بمحاسبة المتورطين»، بحسب البيان.
مؤتمر تضامني
عقد «مجلس الأئمة المسلمين بميشيغن» بالاشتراك مع منظمة «كير» مؤتمراً صحفياً مشتركاً في «مركز المجتمع الإسلامي الأميركي» بمدينة ماديسون هايتس للتضامن مع إدارة ورواد المسجد، وكذلك لتسليط الضوء على تداعيات اعتقال وتوجيه التهم للمشتبه به.
وطالب المؤتمرون بإنزال أقصى العقوبات القانونية المتاحة ضد مرتكبي جرائم الكراهية التي لا يمكن التسامح معها، مؤكدين بأن الاختلاف الفكري أو العقائدي مع الإسلام يقع ضمن الحقوق المكفولة دستورياً تحت بند حرية التعبير، إلا أن الدعوات الصريحة والعلنية لممارسة العنف وتصفية المصلين تُعد سلوكاً غير قانوني وخطراً داهماً يهدد السلم الأهلي.
وفي الإطار، لفت مدير فرع «كير» في ميشيغن، داود وليد، إلى تصاعد وتيرة الحوادث العائية تجاه المراكز الإسلامية في منطقة ديترويت الكبرى، لافتاً إلى تزايد اعتداءات التخريب والتهديدات بالقتل خلال السنوات الأخيرة.
وأبرق وليد برسالة حازمة للمسؤولين في ولاية ميشيغن بضرورة التصدي لخطاب الكراهية في الولاية، محذراً من خطورة التصريحات الأخيرة للنائب الأميركي عن ولاية ميشيغن في الكونغرس الأميركي جون جيمس، الذي قارن عن جهل «مسيرة عاشوراء» في ديربورن بسلوكيات الإرهابيين في العراق.
واعتبر وليد أن مثل هذه التصريحات من شأنها أن تؤجج مشاعر العداء والكراهية ضد المسلمين الأميركيين، وقال: «إن مثل هذه الخطابات التي تستخدم المسلمين ككرة قدم سياسية في مواسم الانتخابات يجب أن تتوقف، لأنها قد تشجع البعض على ارتكاب ممارسات تطهيرية».
الرئيس المشارك لـ«مجلس الأئمة بميشيغن»، الشيخ مصطفى الترك، شكر بدوره، مسؤولي مقاطعة أوكلاند على سرعة استجابتهم لتطويق حادثة تهديد مركز الإمام الصادق، موضحاً بأن «التهديدات العنفية يجب أن تؤخذ بمنتهى الجدية ليس فقط لأنها ترهب جماعة دينية، بل لأنها تنتهك المبادئ الدستورية والحرية الدينية التي تأسست عليها بلادنا»، على حد تعبيره.
وقال الترك إن حماية دور العبادة هو واجب مشترك يقع على عاتق الجميع لضمان حق كل فرد في ممارسة عباداته وشعائره بحرية وأمان، بغض النظر عن عقيدته.
وفي سياق متصل، لفت الرئيس المشارك لمجلس الأئمة، الشيخ محمد علي إلهي، إلى المفارقة المتمثلة حالياً في تحضيرات الشعب الأميركي للاحتفال بيوم الاستقلال في الرابع من تموز (يوليو)، في الوقت الذي ينتهك فيه بعض المتعصبين الجوهر الحقيقي لرسالة الاستقلال والدستور الأميركي.
كما لفت إلهي إلى النفاق السياسي وسياسات ازدواج المعايير عند التعامل مع الجماعات الدينية المختلفة، متسائلاً: «لماذا تعتبر معاداة السامية فعلاً مجرّماً قانوناً في الولايات المتحدة، وهي يجب أن تكون كذلك، في حين أن الإسلاموفوبيا تغدو بمرور الوقت أكثر قبولاً وشعبية في أميركا؟».
وأشار إمام «مركز الإمام الصادق»، السيد نجاح الحسيني، بأن الإسلاموفوبيا وخطاب الكراهية يتصاعدان في الولايات المتحدة على وقع مجريات الشرق الأوسط، مؤكداً بأن التنديد بحوادث التهديد المتعلقة بالكراهية الدينية «أمر ضروري ولكن غير كافٍ، ولا بد أن يترافق بحلول سياسية شاملة».
وأكد الحسيني بأن المجتمع الإسلامي في منطقة ماديسون هايتس هو «مجتمع مسالم ومتعلم ويسهم في نهضة المنطقة»، وقال: «لقد مر على وجود مجتمعنا في هذه المدينة أكثر من عشرين عاماً، وهو مجتمع ملتزم بالقوانين والسلم العام… كما أننا بالتأكيد لا نطبق حكم الشريعة هنا»، في رده على حملات التشوبه والكراهية.







Leave a Reply