ديربورن
احتجزت وكالة الهجرة والجمارك الأميركية (آيس) مهاجراً عراقياً كانت شرطة ديربورن قد اعتقلته إلى جانب شخصين آخرين بتهمة الاعتداء على الناشط اليميني المتطرف جيك لانغ خلال مسيرة أربعينية الإمام الحسين (ع)، والتي أقيمت في الثاني من شهر آب (أغسطس) الجاري، فيما يخطط الناشط المعادي للإسلام لزيارة استفزازية جديدة إلى المدينة يوم الثلاثاء القادم، وسط تحذيرات الشرطة والمنظمات الحقوقية من التفاعل مع المجموعات القادمة التي من المتوقع أن تكون أكبر حجماً من المرات السابقة.
وبحسب متحدث باسم «آيس» قام عناصر فدراليون بإلقاء القبض على عباس عبدوش (57 عاماً) بعد «إطلاق سراحه المؤقت من الحجز المحلي في قسم شرطة ديربورن، في 5 أغسطس الجاري»، وقد تم نقله إلى مركز «نورث ليك» لاحتجاز المهاجرين غير الشرعيين في شمال ميشيغن، واصفاً عبدوش بأنه «مهاجر غير شرعي من العراق، وأنه صاحب سجل جنائي».
شرطة ديربورن تحذّر
لانغ، الذي يقول إنه يقود «حملة صليبية» ضد «أسلمة أميركا» يخطط للعودة مجدداً إلى ديربورن في يوم الثلاثاء 18 آب (أغسطس) الجاري، للتظاهر ضد أسلمة المدينة أثناء اجتماع المجلس البلدي، في زيارةٍ تُعدّ الرابعة له لمدينة ديربورن التي سبق وأن رفع ضد بلديتها دعوى قضائية تتهم الشرطة بالتقاعس عن حمايته من المتظاهرين في 18 تشرين الثاني (نوفمبر) المنصرم.
وكان الناشط اليهودي الأصل الذي يقدّم نفسه كمرشح لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية فلوريدا، قد أقدم على إحراق نسخ من القرآن الكريم أمام «المركز الإسلامي في أميركا»، قبل أن يتدخل أحد ضباط شرطة ديربورن لإخماد النيران.
وتأتي فعالية لانغ الجديدة التي يقول النشطاء إنها ستضم أعداداً غير مسبوقة من المحتجين المناوئين للإسلام، في خضم تزايد الجدل الوطني حول دور ديربورن في فوز المرشح المسلم الأميركي عبدول السيد في سباق مجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية ميشيغن، وسط حملات تحريض موازية تصوّر المدينة على أنها بؤرة داعمة للإرهاب ومثال على «أسلمة أميركا»، من خلال استغلال صور ولقطات مصورة لمسيرة أربعينية الإمام الحسين (ع) التي ضمت حشوداً قياسية في وقت سابق من الشهر الجاري.
واستباقاً للزيارة التحريضية الجديدة، حثّ قائد شرطة ديربورن، عيسى شاهين، الجمهور على «عدم مواجهة أو الدخول في سجال مع مجموعات من خارج المدينة يُتوقع قدومها إلى ديربورن أثناء اجتماع مجلس المدينة المقرر عقده يوم الثلاثاء، 18 أغسطس 2026».
وفي مقطع فيديو مصوّر تم بثه على منصات التواصل الاجتماعي، شدّد شاهين أن شرطة المدينة أعدّت خطة أمنية شاملة بالتنسيق الوثيق مع دوائر الشرطة المحلية وعلى مستوى الولاية والوكالات الفدرالية لتأمين الاجتماع المقبل لمجلس المدينة، داعياً السكان إلى عدم الحضور إذا كان الغرض من حضورهم لمقر البلدية هو التفاعل مع هذه «المجموعات الخارجية».
وفي إشارة إلى لانغ وجماعته، قال شاهين إن التجارب السابقة أظهرت أن تلك المجموعات تسعى عمداً لجذب الانتباه ومحاولة افتعال مواجهات؛ إذ تهدف إلى استدراج ردود فعل بشتى الوسائل سعياً وراء الدعاية الإعلامية.
وأردف شاهين بأن «أقوى رد يمكن للمدينة فعله هو رفض منح هذه المجموعة الجمهور الذي تتوق إليه»، داعياً السكان المضطرين للحضور إلى مقر البلدية لمتابعة مصالحهم، إلى عدم مواجهة المحتجين أو مجادلتهم، وذلك لحرمانهم من رد الفعل أو اللقطات المصورة التي يسعون للحصول عليها، وفق تعبير قائد الشرطة.
وختم شاهين الفيديو بالقول: «دعوا عناصر الشرطة يقومون بواجبهم ولا تدعوا مجموعة من الكارهين الخارجيين أن يحددوا من نحن».
كذلك، نبهت منظمات محلية، مثل فرع مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير) في ميشيغن و«المجلس الأميركي لحقوق الإنسان» إلى ضرورة عدم الاستجابة لاستفزازات المتظاهرين المناوئين للإسلام.
وفي رسالة وجهها إلى سكان المدينة عبر صحيفة «صدى الوطن»، حثّ رئيس مجلس بلدية ديربورن، مايك سرعيني، على «عدم التفاعل مع المجموعات الخارجية التي تأتي إلى مجتمعنا لمجرد إثارة رد فعل» مضيفاً بأنهم يبحثون عن «المواجهة، ومقاطع الفيديو لوسائل التواصل الاجتماعي، وفرصة لتشويه صورة مدينتنا. فلا تمنحوهم ما جاؤوا من أجله».
من سجن ديربورن إلى سجن «آيس»
لانغ المعروف بتنظيمه المتكرر لاحتجاجات مناهضة للإسلام والمسلمين في ديربورن ومدن أميركية أخرى ذات كثافة إسلامية، كان قد هوجم من قبل عدة أشخاص أثناء محاولته استفزاز المشاركين في مسيرة الأربعين في ديربورن، حيث أظهرت مقاطع مصورة تم تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي عبدوش وهو يقترب من لانغ ويوجه له لكمة مفاجئة من الخلف، قبل أن يقوم آخرون بملاحقته، فيما رشقه شخص واحد على الأقل بالحجارة، مما اضطره إلى الفرار والاحتماء بالشرطة التي كانت تؤّمن المسيرة الحاشدة.
وعلى أثر تلك الحادثة، قامت شرطة ديربورن في اليوم التالي باعتقال عبدوش الذي يقطن في مدينة ديترويت المجاورة، وقد وُجِّهت له تهمتان بارتكاب جنحتي الاعتداء بالضرب، والتدمير المتعمّد لممتلكات شخصية، وفقاً لسجلات «المحكمة 19» والشرطة المحلية التي قامت أيضاً في وقت لاحق باعتقال شابين آخرين يبلغان من العمر 25 عاماً، أحدهما من ديترويت والآخر من ديربورن، لضلوعهما في الاعتداء على لانغ وقد وجهّت لكليهما تهمة واحدة، وهي الاعتداء بالضرب.
وكشفت سجلات القضاء بأن عبدوش يمتلك سجلاً جنائياً إذ أُدين عام 1999 بتهمة القتل من الدرجة الثانية في قضية وفاة امرأة دهسها بشاحنة عام 1998، وحكم عليه بالسجن من 15 إلى 25 سنة. وقالت المتحدثة باسم دائرة السجون في ميشيغن، جيني ريل، إن عبدوش قضى فترة سجنه من أيار (مايو) عام 1999 ولغاية حزيران (يونيو) 2014، عندما تم الإفراج عنه بشروط، مضيفة بأن فترة الإفراج المشروط انتهت في يونيو 2016.
وكان عبدوش قد دخل الولايات المتحدة بشكلٍ قانوني عام 1992 وحصل بعدها على الإقامة الدائمة، غير أن إدانته الجنائية –سالفة الذكر– أدت إلى إخلاله بشروط الإقامة ليصدر بحقه أمرٌ بالترحيل في عام 2022، وليقوم لاحقاً بتقديم استئناف ما يزال قيد النظر أمام مجلس استئنافات الهجرة.
وعقب اعتقال عبدوش، صرّح متحدث باسم «آيس» أن عملاء من وزارة الأمن الداخلي قاموا باعتقال المهاجر العراقي وتسليمه إلى وكالة الهجرة التي ستواصل احتجازه في منشأة «نورث ليك» لحين عرضه أمام محكمة الهجرة حيث يواجه خطر الترحيل.
وقبل الدخول في المسار الفدرالي، كان من المقرر أن يمثل عبدوش أمام القاضي في محكمة ديربورن، جين هانت، يوم 21 أيلول (سبتمبر) المقبل، لحضور جلسة أولية بشأن تهمتي الاعتداء بالضرب، والتخريب المتعمد للممتلكات، واللتين تُصنّفان كجُنح وتصل عقوبة كل منهما إلى السجن لمدة 90 يوماً وغرامة مالية بقيمة 500 دولار.
من جانبه، قال المتحدث باسم شرطة ديربورن، العريف دان بارتوك، إنه بعد إلقاء القبض على عبدوش، تم إطلاق سراحه بكفالة شخصية إلى حين مثوله لاحقاً أمام المحكمة، غير أن السلطات الفدرالية سرعان ما قامت باعتقاله مستفيدة –على الأرجح– من جهاز التتبع الإلكتروني الذي اشترطته المحكمة لإطلاق سراح المتهم، ومكّن المحققين من تحديد موقعه.
في الأثناء، أبدى مدافعون عن حقوق المهاجرين تخوفهم من تعاون دوائر الشرطة المحلية مع وكالة «آيس»، وهو ما يعيد تسليط الضوء على الجدل الحقوقي المستمر في المنطقة حول مدى تعاون الأجهزة الأمنية المحلية مع سلطات الهجرة الفدرالية، خاصةً بعد أن ألغت مدن مجاورة، مثل مدينة «سنتر لاين» اتفاقيات مشابهة تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية، بينما لا تزال مدن أخرى تحتفظ باتفاقيات تعاون أمني مشتركة، مثل تايلور.
وتنفي شرطة ديربورن أي تنسيق مباشر مع سلطات الهجرة الفدرالية في ملاحقة المهاجرين غير الشرعيين.
وفي حساب تبرعات تم إنشاؤه على موقع «غو فاند مي»، لدعم أسرة عبدوش والجهود القانونية للدفاع عنه، جاء في طلب التبرع أن أسرة المهاجر العراقي «تتعامل مع وضع بالغ الصعوبة والتعقيد؛ إذ يواجهون قضية جنائية وأخرى تتعلق بالهجرة في آن واحد، وتتطلب كل منهما تمثيلاً قانونياً منفصلاً». وأردفت الرسالة بأن عبدوش الذي يعمل ميكانيكياً كان سند الأسرة «التي تشعر بوطأة غيابه بشدة، وهم يحاولون تدبير أمورهم بدونه في ظل هذه الإجراءات القانونية المعقدة».







Leave a Reply