أعمال بناء وتجديد في مقرّها الرئيسي بمدينة ديربورن هايتس
ديربورن هايتس – إبتسام خنافر
قبل ٢٥ عاماً، بدأت «هايب» من فكرة بسيطة: استخدام الرياضة لجمع الأطفال والشباب من خلفيات عرقية ودينية مختلفة في مساحة آمنة وصحية بعيداً عن المخدرات والعنف والسلوكيات الخطرة.
أما اليوم، فقد تحولت الفكرة الطموحة إلى مؤسسة رياضية اجتماعية شاملة تنتشر منشآتها في مدن ديربورن ووين وديترويت وملفينديل فضلاً عن ديربورن هايتس حيث يقع مركز «هايب» الرئيسي الذي خضع مؤخراً لعملية تجديد واسعة عكست عزم المنظمة غير الربحية على مواصلة مسيرتها في خدمة المجتمع المحلي وفق أعلى المعايير.
ورغم أن حجم المنشآت وطبيعة الخدمات التي تديرها «هايب» قد تطوّرت بصورة كبيرة على مدار ربع قرن من الزمن، يؤكد مؤسس المنظمة، علي السيد، أن الفكرة الأساسية بقيت على حالها، وهي: توفير بيئة آمنة يستطيع فيها اليافعون، الالتقاء والعمل معاً دون تفرقة.
استثمار كبير
أنجزت «هايب» مؤخراً، عملية تحديث شاملة لمقرها الرئيسي على شارع وورن في ديربورن هايتس، من ضمنها إضافة ثلاثة ملاعب لكرة السلة وكرة الطائرة ليرتفع إجمالي عدد الملاعب إلى ثمانية، فضلاً عن إنشاء ملعب داخلي كبير لكرة القدم إلى جانب الملعب الخارجي.
كما انتهت «هايب» قبل نحو أسبوعين من تجديد صالتَي اللياقة البدنية، المختلطة والمخصصة للنساء، عبر تزويدهما بأجهزة رياضية جديدة وأرضيات وإضاءة وطلاء وتحسينات أخرى.
ولم يُفصح السيد لـ«صدى الوطن» عن حجم التكلفة الإجمالية للمشروع، مكتفياً بوصف الاستثمار بأنه «كبير»، مستدركاً بأن التمويل جاء من صندوق المنظمة الذي تغذيه عائدات العضوية وتأجير المنشآت وريع المناسبات والفعاليات وأنشطة أخرى.
وتعكس أعمال التوسعة والتجديد، نمواً متدرجاً للمركز الرياضي الاجتماعي الذي تم افتتاحه في عام ٢٠١٢، قبل أن تتمدد مرافقه وخدماته على مدار السنوات اللاحقة.
منشأة متكاملة
بحسب السيد، تبلغ مساحة مركز «هايب» الرئيسي، على العنوان ٢٣٣٠٢ وست وورن في مدينة ديربورن هايتس، نحو ١٥٣ ألف قدم مربع.
وإلى جانب ملاعب كرة السلة والكرة الطائرة وكرة القدم، يضم مركز «هايب» أيضاً، مضماراً داخلياً لرياضات المشي والجري، وصالتي «جيم» للياقة البدنية، إحداهما مشتركة للرجال والنساء، وأخرى مخصصة للنساء فقط. وتضم الصالة النسائية غرفة ساونا وغرفة بخار ونادياً صحياً، فيما تتوفر مرافق مماثلة ومنفصلة للرجال.
وتشمل المنشأة أيضاً قاعات تعليمية ومرافق للملاكمة والتايكواندو، إلى جانب مطعم و«بروتين بار».
وفي إطار التوسعات الجارية، قال السيد إن المؤسسة تعتزم افتتاح مقهى ضمن المنشأة قبل بداية العام الجديد، فضلاً عن متجر صغير يوفر منتجات تحمل اسم «هايب» ووجبات خفيفة وأغذية ومستلزمات خاصة بالرياضيين.
وتكشف طبيعة هذه المرافق عن التحول الذي طرأ على مقر «هايب» منذ افتتاحه، إذ لم تعد المنشأة مجرد مكان لإقامة المباريات والتدريبات، وإنما مركزاً متعدد الاستخدامات يجمع الرياضة واللياقة والتعليم والأنشطة الاجتماعية.
نموذج مشابه في وين
في مدينة وين، تدير «هايب» مركزاً رياضياً اجتماعياً مشابهاً على العنوان ٤٦٣٥ هاوي، مع اختلافات بسيطة في بعض البرامج والخدمات.
ويضم موقع وين، مضماراً داخلياً وملاعب لكرة السلة وصالات للياقة البدنية ونادياً صحياً وغرفاً لتبديل الملابس، فيما تشمل الأنشطة المتوفرة فيه، الجمباز والتايكواندو والكرة الطائرة والبيكلبول، إلى جانب مجموعة من البرامج الرياضية الداخلية والخارجية.
كما يوفر المركز، وفق السيد، العلاج بتحليل السلوك التطبيقي ABA، وهو أحد الأساليب المستخدمة لدعم الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد وبعض الاضطرابات النمائية.
كما يحتوي مركز وين على قاعة للمناسبات بطاقة استيعابية تصل إلى ٥٠٠ شخص، ما يضيف إلى الوظيفة الرياضية للمبنى استخداماً اجتماعياً ومجتمعياً مختلفاً.
في الهواء الطلق
أما في جزيرة بيل آيل بمدينة ديترويت، فتدير «هايب»، نموذجاً مختلفاً عن مركزيها المغلقين في ديربورن هايتس ووين، وذلك من خلال توفير مجمع رياضي مفتوح في الهواء الطلق على مسافة تتجاوز ٣٨ أيكر.
ويضم الموقع، بحسب السيد، خمسة ملاعب كاملة الحجم لكرة القدم، وأربعة ملاعب أصغر لمباريات ثمانية ضد ثمانية، وملعبين للكريكيت، وأربعة ملاعب للبيسبول وتسعة ملاعب للتنس، بالإضافة إلى ملاعب لكرة السلة وكرة اليد ومرافق للكرة الطائرة الرملية.
وشهدت ملاعب البيسبول مؤخراً إعادة تطوير شاملة برعاية شركتي «فورد موتور» و«كارهارت».
وقال السيد إن المشروع أسفر عن تجديد الملاعب بالكامل وإجراء تحسينات واسعة عليها، لتشكل المنشأة مساحة للبطولات والمباريات والتدريبات الرياضية في الهواء الطلق.
ما بعد الرياضة
لم يقتصر توسع «هايب» على افتتاح مواقع جديدة وزيادة رقعة انتشارها، بل امتد أيضاً إلى طبيعة الخدمات التي تقدمها.
ففي شرق ديربورن وملفينديل، تتحول الأولوية، من الملاعب وصالات اللياقة البدنية إلى الصحة النفسية والسلوكية، حيث تشمل الخدمات، معالجين مرخصين وأخصائيين نفسيين ومستشارين وأخصائيين اجتماعيين، فضلاً عن خدمات الرعاية الصحية الأولية.
ويمثل هذا الجانب امتداداً لمسار بدأته المؤسسة عام ٢٠٠٦ عندما وسعت نشاطها ليشمل الدعم التعليمي والإرشاد والوقاية من تعاطي المخدرات والتثقيف الصحي وتنمية المهارات الحياتية والصحة السلوكية.
وبحسب السيد، تقوم المقاربة على عدم الفصل بين الصحة النفسية والجسدية، والتعامل مع العافية باعتبارها نتاجاً للعلاقة بين العقل والجسد والبيئة الاجتماعية المحيطة بالفرد.
وهكذا، انتقلت مؤسسة «هايب»، تدريجياً من استخدام الرياضة كأداة لجمع الشباب إلى نموذج أوسع يحاول التعامل مع جوانب أخرى من حياتهم، من المدرسة والأسرة إلى الصحة النفسية والجسدية.
العضوية وتمويل المنشآت
تشكل رسوم العضوية أحد مصادر الإيرادات الرئيسية التي تعتمد عليها «هايب» في تشغيل منشآتها، إلى جانب التأجير والفعاليات الخيرية والأنشطة الأخرى.
ويبلغ رسم العضوية في مركز ديربورن هايتس، على سبيل المثال، ٤٠ دولاراً للفرد شهرياً، مقابل ١٠٩ دولارات للعائلة.
كما توجد فئات عضوية أخرى، بينها ٦٩ دولاراً للزوجين، و٢٩ دولاراً للأشخاص بعمر ٥٩ عاماً فما فوق، و٤٦ دولاراً لزوجين من كبار السن.
وأكد السيد لـ«صدى الوطن» أن عضوية مركز ديربورن هايتس تشمل الدخول إلى المرافق التي يغطيها الاشتراك، إلى جانب حصص اللياقة الجماعية وخدمة رعاية الأطفال.
ولا تشمل الرسوم الشهرية جميع أنشطة «هايب»، إذ تتطلب بعض البرامج الرياضية المتخصصة والمخيمات والدورات والتدريب الشخصي تسجيلاً ورسوماً منفصلة.
وفي مركز وين، تختلف الأسعار قليلاً، إذ تبدأ عضوية الفرد من ٢٥ دولاراً في الشهر.
وإذ تشكل رسوم العضوية جزءاً أساسياً من تمويل «هايب»، تعتمد المؤسسة غير الربحية أيضاً، على منح حكومية ومنح المؤسسات الخيرية فضلاً عن التبرعات وإيرادات تأجير المرافق.
الأصل من شرق ديربورن
وراء نجاح «هايب» وتوسعها، قصة بدأت في شرق ديربورن، حيث نشأ علي السيد ضمن عائلة كبيرة، وكان والده يعمل في شركة «جنرال موتورز».
يتذكر السيد أن الأطفال في محيطه كانوا من العرب والسود والبيض، وينتمون إلى عائلات متفاوتة في ظروفها الاجتماعية والاقتصادية، إلا أن تلك الاختلافات كانت تتراجع بمجرد دخولهم إلى الملعب.
وقال السيد لـ«صدى الوطن»: «الشيء الذي كان يجمعنا ويقرّبنا من بعضنا البعض هو حبنا المشترك للرياضة».
وخلال دراسته في المرحلتين المتوسطة والثانوية، مارس الشاب اللبناني الأصل، خمس رياضات، فيما تحول زملاؤه في الفرق المدرسية إلى أصدقاء مقربين رغم تعدد خلفياتهم.
ومن تلك التجربة، يقول السيد، تشكلت لديه قناعة راسخة بأن الانتماء إلى فريق والسعي نحو هدف مشترك يمكن أن يتقدما على الاختلافات في لون البشرة أو الدين أو الإثنية.
وبعد تخرجه من الثانوية، نظّم السيد بطولة لكرة السلة بهدف جمع أصدقائه. وما بدأ كتجمع شبابي تحوّل في عام ٢٠٠١ إلى مؤسسة فيما كان عمر السيد لم يتجاوز ١٩ ربيعاً.
لا صبغة دينية أو عرقية
ورغم أن «هايب» انطلقت من قلب منطقة ذات حضور عربي أميركي كبير، وحظيت بدعم واسع من أبناء الجالية، يشدد السيد على أن المؤسسة لم تُنشأ لخدمة مجموعة عرقية أو دينية بعينها. بل قامت رؤيتها على توفير «بيئة رياضية متنوعة وآمنة، خالية من المخدرات والعنف»، تستطيع جمع الأطفال والشباب من خلفيات مختلفة. وقال: «نريد لأطفالنا أن يكبروا معاً، وأن يحب بعضهم بعضاً، ويدعم بعضهم بعضاً، ويتعلموا العمل معاً لتحقيق هدف مشترك».
وفي الوقت نفسه، لا يقلل السيد من الدور الذي لعبه المجتمع العربي الأميركي في نمو المؤسسة، قائلاً: «من حق مجتمعنا أن يحتفل بنجاح هايب، لأن هذا المجتمع هو الذي ساهم في صناعة هذا النجاح».
الملعب كوسيلة لا كغاية
بالنسبة إلى السيد، لم تكن الرياضة في المشروع غاية بحد ذاتها. فهو يرى أنها تمنح الطفل فرصة لتعلم الانضباط والالتزام والعمل الجاد والثقة بالنفس والعمل ضمن فريق، وهي مهارات يعتبرها أكثر أهمية على المدى البعيد من نتيجة مباراة أو صناعة لاعب محترف.
ولهذا السبب توسعت المؤسسة، بحسب السيد، في برامج الوقاية من المخدرات والصحة السلوكية، مع الإبقاء على سياسة تحظر المخدرات داخل منشآتها، بما في ذلك، الماريوانا رغم قانونيتها في ولاية ميشيغن.
وتشمل جهودها في هذا المجال، التوعية والوقاية والتدخل المبكر والتعاون مع مناطق تعليمية محلية، إلى جانب الخدمات العلاجية والنفسية والاجتماعية.
وفي رؤية السيد، لا تستطيع مؤسسة رياضية أو مدرسة أو أسرة مواجهة تحديات الشباب بمفردها.
«إما أن نفشل كلٌ بمفرده، أو ننجح جميعاً معاً»، قال السيد، مشدداً على ضرورة التعاون بين الأسر والمدارس والمؤسسات الدينية والطبية والمنظمات المجتمعية.
للمزيد من المعلومات حول مواقع «هايب» وبرامجها وخدماتها وأسعار العضوية، يمكن زيارة الموقع الإلكتروني: hypeathletics.org







Leave a Reply