ديربورن
في ما يعكس التأثيرات المتواصلة لانسداد آفاق الحرب الأميركية على إيران، التي فاقت تكلفتها حتى الآن حاجز ١٠٧ مليارات دولار عند مضخات وقود البنزين والديزل، تواصل أسعار الطاقة في الولايات المتحدة ارتفاعها الحاد، مشكلة ضغطاً متزايداً على المستهلك الأميركي وميزانيات الأسر في مختلف أنحاء البلاد، بما في ذلك، ولاية ميشيغن التي شهدت قفزة صادمة في أسعار البنزين يوم الخميس الفائت.
ففي غضون ليلة وضحاها ارتفع سعر غالون البنزين العادي في ميشيغن بمتوسط ٢١ سنتاً ليلامس في بعض المحطات حاجز ٥ دولارات لأول مرة منذ عام ٢٠٢٢، بالتوازي مع تسجيل المتوسط الوطني لأسعار الديزل أرقاماً قياسية جديدة بوتيرة يومية خلال الأسبوع الماضي.
وأظهرت أحدث البيانات الصادرة عن «جمعية السيارات الأميركية» AAA ارتفاع متوسط سعر غالون البنزين العادي في ميشيغن إلى ٤.٧٥ دولار يوم الخميس الماضي، مقارنة بـ٤.٥٤ دولار في اليوم السابق، وبزيادة تجاوزت ٤٥ سنتاً خلال أسبوع واحد فقط، حينما كان سعر الغالون ٤.٢٧ دولار قبل أسبوع، و٤.٠٦ دولار قبل شهر، بينما لم يتجاوز ٣.٢٠ دولاراً في الوقت نفسه من العام الماضي.
وفي منطقة مترو ديترويت، بدت الصورة أكثر تعقيداً، حيث سجلت بعض محطات الوقود أسعاراً بلغت ٥.٠٤ دولار للغالون عند الشراء بالبطاقات الائتمانية، و٤.٩٤ دولار عند الدفع نقداً، فيما بلغ سعر الديزل ٦.٥٤ دولار للغالون لأول مرة في التاريخ.
فبالتوازي مع صعود أسعار البنزين، واصل الديزل ارتفاعه الصاروخي مسجلاً أعلى مستوى له على الإطلاق يوم الخميس الفائت، بارتفاع ٢٠ سنتاً عن اليوم السابق، وأكثر من ٦٠ سنتاً مقارنة بالأسبوع السابق وسط مؤشرات على استمرار الأزمة في المدى المنظور.
وكان المتوسط الوطني لسعر غالون الديزل قد بلغ الأسبوع قبل الماضي ٥.٩١ دولار، متجاوزاً الرقم القياسي السابق المسجل في حزيران يونيو ٢٠٢٢، حين بلغ متوسط سعر الغالون ٥.٨١ دولاراً بعد أشهر قليلة من الغزو الروسي لأوكرانيا، بحسب بيانات AAA.
رصد ميداني في ديربورن
خلال جولة ميدانية على عدد من محطات الوقود في منطقة ديربورن، رصدت «صدى الوطن» عن قرب، انعكاس هذا الارتفاع الحاد على المستهلكين والمناطق التجارية، حيث أظهرت الأسعار على الشاشات تفاوتاً طفيفاً، إذ تراوحت أسعار البنزين العادي حول ٤.٧٠ دولاراً للغالون عند الدفع نقداً، و٤.٨٠ دولاراً عند استخدام البطاقات الائتمانية. وفي الوقت ذاته، واصلت أسعار الديزل، التحليق عالياً لتتراوح حول معدل ٦.٦٠ دولاراً للغالون الواحد، مما يفرض ضغوطاً مالية إضافية متزايدة على السائقين ووسائل النقل الشامل وخدمات الشحن المحلي في المنطقة.
ونقلت «صدى الوطن» عن عاملين في محطات الوقود بمدينة ديربورن تأكيدهم على أن تعديل الأسعار تم بشكل مفاجئ وسريع على اللوحات الرقمية، مشيرين إلى أن «وتيرة الارتفاع بين ليلة وضحاها تكاد تكون غير مسبوقة»، وقال بعضهم أن المحطات شهدت حالة من الذهول والاعتراض اليومي بين الزبائن عند تفاجئهم بالأسعار الجديدة.
وفي أوساط السائقين، سادت حالة من الاستياء جراء القفزة السريعة في أسعار البنزين والديزل، مؤكدين تأثيرها المباشر والضاغط على التزاماتهم المعيشية اليومية، إذ أوضح بعض العاملين في قطاعات النقل وخدمات التوصيل ونقل الركاب عبر التطبيقات الذكية مثل أوبر وليفت ودورداش وغرابهاب أن هذه الزيادات الحادة باتت تلتهم حصة واسعة من إيراداتهم اليومية لتغطي تكاليف التزود بالوقود، مما أدى إلى انكماش هامش أرباحهم إلى أدنى المستويات.
وأكد عدد منهم أن الاستمرار في العمل بالوتيرة نفسها أصبح غير مجدٍ اقتصادياً، ما اضطرهم إلى تقليص ساعات العمل، والحدّ من جولات القيادة غير الضرورية، أو الامتناع عن قبول الرحلات ذات المسافات الطويلة لتقليل الخسائر المالية الناجمة عن تسارع ارتفاع الأسعار.
المشهد الوطني
وعلى المستوى الوطني، ارتفع المتوسط العام للبنزين بمقدار ١٦ سنتاً في أسبوع واحد ليبلغ ٤.٤٣ دولاراً للغالون، مقترباً من أعلى مستوى له هذا العام والذي كان قد سجل ٤.٥٦ دولار في ٢١ أيار مايو الماضي، مع بقائه دون المستوى القياسي البالغ ٥.٠١ دولار والمسجل في يونيو ٢٠٢٢.
وتُظهر خارطة الأسعار تفاوتاً كبيراً بين الولايات، إذ تصدرت ولاية كاليفورنيا قائمة الولايات الأعلى سعراً بـ٦.٠٨ دولار للغالون، تليها واشنطن بـ ٥.٥٧ دولار، وهاواي بـ ٥.٤٨ دولار، ونيفادا بـ٥.١٩ دولار، وأوريغون بـ ٥.١١ دولار. وفي المقابل، سجلت ولايات مثل إنديانا وتكساس وميسيسيبي ولويزيانا وألاباما أقل المستويات الوطنية بأسعار تراوحت حول أربعة دولارات للغالون العادي.
وتعود الأسباب الرئيسية لهذه الموجة المتصاعدة من الارتفاعات إلى الاضطرابات الجيوسياسية المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً، التوترات الشديدة المرتبطة بالحرب الأميركية على إيران، حيث أدى الارتباك والمخاوف المباشرة بشأن سلامة الملاحة وشحن النفط عبر مضيق هرمز إلى دفع أسعار النفط الخام للتداول مجدداً في حدود ١٠٠ دولار للبرميل للمرة الأولى منذ عدة أشهر.
ورغم البيانات الصادرة عن إدارة معلومات الطاقة الأميركية والتي أظهرت زيادة طفيفة في الإنتاج المحلي للبنزين وارتفاع الطلب إلى ٨.٧٩ مليون برميل يومياً، إلا أن تراجع مخزونات النفط الخام بواقع ٠.٦ مليون برميل أبقى الأسواق في حالة توتر دائم وجعل الأسعار عرضة للتقلبات السريعة.
دعوات لتعليق ضريبة الوقود
بموازاة العوامل الخارجة عن السيطرة، مثل أسعار النفط العالمية، تعالت الأصوات في ميشيغن، خلال الأسبوع الماضي، مطالبة، بتجميد ضريبة الوقود التي تفرضها الولاية على البنزين والبالغة ٥٢.٤ سنتاً للغالون، وهي سادس أعلى ضريبة على مستوى الولايات المتحدة، ويذهب معظمها لتمويل إصلاحات شبكة الطرق المحلية.
ورغم الدعوات المتزايدة التي تطالب بتعليق هذه الضريبة مؤقتاً لتخفيف العبء عن كاهل الأسر، أسوة بولايات أخرى مثل يوتا وإنديانا وجورجيا، إلا أن المشرعين والسلطات التنفيذية في ميشيغن لم تتخذ أي خطوات فعلية في هذا الاتجاه.
مخاطر التضخم
وإذا كان البنزين يمثل العبء اليومي المباشر على سائقي السيارات الشخصية، فإن الارتفاع القياسي المتواصل في أسعار الديزل يمثل التهديد الأكبر والمحرك الخفي لموجات التضخم في الاقتصاد الأميركي. فقد قفز متوسط سعر الديزل الوطني إلى مستويات قياسية متجاوزاً ٦.٣٩ دولار للغالون، متخطياً الرقم القياسي السابق المسجل في صيف عام ٢٠٢٢.
ويرى خبراء قطاع الطاقة أن خطورة هذا الارتفاع تكمن في كون الديزل شريان الحياة لجميع سلاسل التوريد والإنتاج، بدءاً من الشاحنات التي تنقل البضائع والمنتجات الاستهلاكية بين الولايات، مرورا بالجرارات والمعدات الزراعية التي تعتمد عليه بنسبة تجاوز ٧٥ بالمئة خلال موسم الحصاد، وصولاً إلى الحافلات المدرسية التي يعمل نحو ٩٠ بالمئة منها بالديزل.
ويتوقع المحللون في منصات تتبع أسعار الوقود أن تؤدي هذه الارتفاعات في أسعار الديزل إلى تسرب التكاليف تدريجياً إلى أسعار السلع الغذائية والمواد التموينية وخدمات الشحن خلال الأسابيع القادمة، مما ينعكس بشكل مباشر على القوة الشرائية للأسر الأميركية، ولا سيما الفئات ذات الدخل المحدود.
نصائح لترشيد الاستهلاك
وفي ظل حالة عدم اليقين المخيمة على أسواق الطاقة والتوقعات باستمرار ارتفاع الأسعار رغم حديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن نهاية قريبة لحرب إيران، تتزايد النصائح الموجهة للسائقين لاتباع سلوكيات قيادة اقتصادية تقود إلى خفض الاستهلاك.
وتشمل هذه التوصيات الالتزام بسرعات معتدلة خصوصاً على الطرق السريعة حيث تتراجع كفاءة الوقود بشكل حاد بعد تجاوز سرعة ٥٠ ميلاً في الساعة.
كما يُنصح السائقون بالتدرّج السلس في التسريع والفرملة لتجنب التوقف المفاجئ، وتقليل فترات تشغيل المحرك أثناء التوقف الثابت، فضلاً عن التخطيط المسبق للرحلات والحد من الاستخدام المفرط لمكيف الهواء داخل المدن، وهي إجراءات بسيطة قد تساعد الأسر في تقليل فاتورة الوقود الشهرية وسط هذه الأزمة المتصاعدة.






Leave a Reply