محمد العزير
بتاريخ الثامن من نيسان (أبريل) ١٩٩٤، نشر الاتحاد الكلداني الأميركي Chaldean Federation of America، كتيّباً بعنوان «إحياء ذكرى الكلدان الذين قتلوا في أماكن عملهم» تضمّن أسماء وصور ٦٦ رجلاً من أصول كلدانية سقطوا في عمليات سلب وسطو مسلح على محلاتهم ومحطاتهم، وتم توزيع الكتيب في قداس حاشد بكنيسة «أم الله» في مدينة ساوثفيلد، حضره –إلى جانب مسؤولي المؤسسات الدينية والاجتماعية والمهنية الكلدانية والعربية الأميركية– شخصيات رسمية ونيابية وبلدية من مقاطعات وين وأوكلاند وماكومب. وكانت الغاية الأساسية من القداس رفع الصوت إزاء الجرائم المتمادية ضد أصحاب المحلات التجارية في ديترويت ومحيطها، والتي كان معظم منفذيها من الأفارقة الأميركيين.
حققت مبادرة الاتحاد الكلداني نجاحات ملحوظة أبرزها كسر حاجز الصمت الإعلامي الذي كان يتعامل مع تلك الجرائم في شقها الأمني البحت، وبدأت الصحف ومحطات الإذاعة والتلفزيون في تغطية الجوانب الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية للكلدان والعرب الأميركيين كمكوّن رئيسي في جنوب شرقي ميشيغن، كذلك اتُّخِذت قرارات إدارية رسمية للحدّ من الجرائم، مثل الدعم المالي لتركيب زجاج مضاد للرصاص في المتاجر الموجودة في الأحياء الأكثر خطورة، وربط أجهزة الإنذار داخل المتاجر مباشرة بمراكز الشرطة، وتدريب العمال والموظفين على كيفية التعامل مع محاولات السطو، كما أنشئ صندوق خاص باسم «وعد مراد»، الذي قُتل في عملية سطو مسلح، لتقديم مكافأة قدرها عشرة آلاف دولار لمن يدلي بمعلومات تقود إلى معرفة الجناة، فضلاً عن إصدار قرار من مجلس شيوخ ولاية ميشيغن يعترف بتضحيات أصحاب المتاجر ويعتبرها أزمة مجتمعية وليست مجرد جرائم فردية.
بالطبع، لم تكن لتلك الجرائم دوافع عنصرية، ولم يكن استهداف الكلدان والعرب من أصحاب المصالح التجارية بسبب هويتهم الإثنية، بل لأنهم –ببساطة– كانوا يملكون ويديرون أكثر من ٨٠ بالمئة من المتاجر والمحطات في الأحياء ذات الأغلبية الساحقة من الأفارقة الأميركيين، فكانوا هدفاً طبيعياً للمجرمين في المدينة التي عانت لعقود من تدهور أمني مزمن أكسبها لقب «عاصمة الجريمة في الولايات المتحدة». وفي ظل هذه المعادلة البائسة، استمرت الجرائم، وتضخمت قائمة الضحايا إلى ما لا يقل عن ٢٠٠ قتيل عربي وكلداني، لتخلق حالة شديدة السلبية بين أصحاب المصالح التجارية الذين أصبح توجههم إلى أعمالهم بمثابة مجازفة يومية أشبه بالدخول إلى ساحة حرب.
في المقابل، وفي جوٍّ من انعدام الثقة، كان سلوك أصحاب المتاجر والمحطات والعاملين فيها تجاه زبائنهم السود مشوباً بالتوتر والحذر الشديد، وفي بعض الأحيان العدوانية الصريحة التي تغذيها الصور النمطية المقيتة، ولقي عدد من الشبان والرجال السود حتفهم على يد أصحاب وعمال المصالح التجارية، وأحياناً لأسباب تافهة مثل سرقة بسيطة أو شجار عابر، وفي ظل عدم وجود لائحة واحدة للضحايا، تقول منظمة «كرامة ديترويت» Dignity for Detroit أنها وثقت حوالي عشرة حوادث قتل، ومن أبرز تلك الحوادث مقتل الفتى مايكل دوغلاس (١٩٨٠)، وكالفن بورتر (١٩٩٩) وديريك ليون روبرتس (٢٠١٨)، وترافيس دورهام (٢٠١٩)، وجورج كيلي وأنتوني ماكناري (٢٠٢٣)، فضلاً عن عدد غير محدد من الجرحى، وكثير من حالات إشهار السلاح والتهديد. وتبعت أعمال القتل في كل مرة تحركات شعبية وتظاهرات أمام المتاجر والمحطات ودعوات لمقاطعتها وإقفالها، وتم توظيفها سياسياً في حسابات محلية ومزاودات فاقمت من تأزيم العلاقة بين الطرفين.
لم تقتصر محاولات معالجة الأزمة على الجوانب الأمنية والوقائية، بل تعدتها إلى مبادرات ومشاريع مشتركة على مستوى المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية ساهم فيها المركز العربي للخدمات الاقتصادية والاجتماعية (أكسس)، والمجلس العربي الأميركي والكلداني (أي سي سي)، ومؤسسة المجتمع الكلداني، وغرفة التجارة العربية الأميركية، وغرفة التجارة الكلدانية الأميركية، بالتعاون مع مؤسسة «نيو ديترويت» وبعض الكنائس والمراكز الدينية ومجلس بلدية ديترويت، بهدف التقليل من الاحتقان وخلق مناخ إيجابي للحوار والتعاون، من خلال اجتماعات دورية موسعة، والقيام بحملات تربوية وصحية وشبابية في أحياء مختلفة من المدينة، وتنظيم زيارات طلابية متبادلة ومنها الزيارات الدورية للطلاب السود إلى المتحف العربي الأميركي في ديربورن، وكذلك مهرجان الألوان الموسيقي في ديترويت الذي يستضيف فنانين من ثقافات ومشارب مختلفة لمدة ثلاثة أيام كل سنة.
ولعل أبرز تلك المبادرات التي حاولت التعامل مع لبّ المشكلة هو مشروع تمكين الراغبين من سكان ديترويت في امتلاك وإدارة محطات وقود في المدينة، والذي قامت به جمعية مالكي المحطات العرب الأميركيين MDSA أوائل تسعينيات القرن الماضي بالتعاون مع مصرف «تشايس بنك» وكبريات شركات الوقود مثل «موبيل» و«ماراثون» لتأمين التمويل الاستثماري والتشغيلي لمالكي المحطات الجديدة من السود. كما تولت الجمعية تدريب مدراء وعمال المحطات، في دورات منتظمة، لكن النجاح الملحوظ الذي حققه المشروع في البدايات الأولى، ما لبث أن تبدّد تدريجياً لأسباب عديدة أهمها أن غالبية أصحاب المحطات عمدوا إلى بيعها بسرعة بسبب متاعب التشغيل الذي يتطلب ساعات طويلة من العمل، أو لقاء أرباح يسيرة، مما أدى إلى وقف البرنامج.
وفي مطلع هذا العام، تم إطلاق مبادرة جديدة تحمل اسم The Detroit Small Business Technology Fund، «صندوق ديترويت لتكنولوجيا المشاريع الصغيرة»، بالتعاون بين غرفة التجارة العربية الأميركية وشركة «روكيت» للتمويل العقاري، ومؤسسة ديترويت للتنمية الاقتصادية، وتسع مؤسسات محلية، من أجل المساعدة في مكننة المتاجر الصغيرة عبر تقديم منح لتطوير أجهزة الكمبيوتر وخدمات الذكاء الاصطناعي، كما تشارك الغرفة في تنسيقية غرف التجارة الإثنية مع تحالف الأعمال الأسود في ديترويت الكبرى MDBA، لتوفير مصادر تمويل للمشاريع الصغيرة التي يمتلكها الأميركيون السود والعرب.
هذه المشاريع والمبادرات على أهميتها، لم ترقَ بعد، إلى المستوى المطلوب إزاء معضلة بهذا الحجم، وإذا كانت الظروف العامة المعيقة للتنمية الاقتصادية معروفة، خصوصاً لجهة الإهمال الفدرالي المزمن للمدن الكبيرة، والخلل البنيوي في التعامل مع الأقليات والذي زادت منه الشعبوية السائدة خلال العقدين الماضيين، ومع أن ذلك يتطلب المزيد من التركيز على إصلاح العلاقات بين مكونين بارزين في مجتمع ميشيغن، لأنهما يتأثران به، ويدفعان ثمنه معاً، يبقى من غير المفهوم عدم إيلاء هذه المسألة، الأولوية التي تستحقها من قبل المؤسسات العربية الأميركية والكلدانية، خصوصاً أن لديها إمكانات وقدرات كافية لإحداث تغيير نوعي يمكن البناء عليه لتطوير العلاقات بشكل فعّال، إذا توفرت الإرادة الجماعية.
حتى الآن، تفتقر المبادرات المؤسسية إلى الزخم المطلوب وذلك ناتج عن عدم إدراك أهمية المسألة على المستوى العام في الأوساط العربية الأميركية التي تتأثر بالأحداث المؤلمة عند حصولها وتتعامل معها كأحداث معزولة، مع أنها تشكل على الدوام رافداً سلبياً للاحتقان وانعدام الثقة، دون أن تتحول إلى حافز للبحث عن حلول مستدامة، وهنا يأتي دور المؤسسات جميعاً لتغيير السرديات وتفكيك الصور النمطية، هذا لا يعني أن المسؤولية تقتصر على الجانب العربي الأميركي وحده، لكن ذلك لا ينفي ضرورة القيام بتجاوز منطق المظلومية، وهي مظلومية مزدوجة لدى الطرفين، فالمسألة تستدعي تغييراً في المقاربات السائدة، وهذا يمكن أن يبدأ في المساجد والكنائس، في خطب الجمعة وقداديس الأحد، وفي أدبيات المؤسسات ونشاطاتها، وفي تشجيع أصحاب المصالح التجارية على التفاعل مع محيطهم والتواصل مع المؤسسات الدينية والاجتماعية في الأحياء التي يعملون فيها، لتحويل الأمر إلى أولوية، ولدينا الكثير من المبدعين القادرين على ترجمة ذلك إلى خطوات عملية هادفة.
ما بين العرب الأميركيين العرب والكلدان والسود علاقة مصيرية أشمل من التعامل التجاري ومن معالجة ذيول الأحداث المؤسفة، فالمصالح السياسية والحقوقية والإنسانية تتطلب عناية أكبر، فهل من نهج جديد في الأفق؟






Leave a Reply