من تاريخ ميشيغن
كالوميت
أن تصرخ «حريق!» داخل قاعة مزدحمة بالجمهور. هو تعبير سياسي أميركي يُستخدم على نطاق واسع كمثال توضيحي لشجب الخطاب الذي يتعمد إثارة الذعر ويتجاوز نطاق حرية التعبير المكفولة دستورياً.
وتعود جذور هذه المقولة إلى ولاية ميشيغن، وتحديداً إلى شبه الجزيرة العليا في زمن ازدهار مناجم النحاس، حيث وقعت أسوأ مجزرة جماعية في تاريخ الولاية بمقتل ٧٣ شخصاً، من بينهم ٥٩ طفلاً، نتيجة تدافع الحشود داخل قاعة احتفالات في بلدة كالوميت مساء ٢٤ كانون الأول ديسمبر ١٩١٣.
المأساة التي تعود إلى حقبة ازدهار مناجم النحاس في شمال ميشيغن، اشتهرت وطنياً باسم «كارثة ١٩١٣» أو «مذبحة القاعة الإيطالية» التي ما زال يكتنفها الغموض إلى يومنا هذا.
فخلال حفل عيد الميلاد المجيد المخصص لعائلات عمال مناجم النحاس المضربين عن العمل آنذاك، قام شخص مجهول –سواء عن طريق الخطأ أو بسوء نية– بالصراخ قائلاً «حريق!» داخل القاعة المكتظة بنحو ٧٠٠ شخص معظمهم من الأطفال، في الطابق الثاني من مبنى «القاعة الإيطالية».
وعلى الفور، سادت حالة من الذعر وتدافع المئات نحو المخرج الوحيد الذي كان عبارة عن سلم شديد الانحدار؛ وأسفر التدافع المأساوي عن مقتل وإصابة العشرات فيما ظلت هوية الشخص الذي أطلق الإنذار الكاذب طيّ المجهول، وسط شكوك حول ارتباطه بالقوى التي عملت على كسر الإضراب.
ووقعت الحادثة الأليمة خلال «إضراب بلاد النحاس» الذي نظمه «الاتحاد الغربي لعمال المناجم» WFM واستمر خمسة أشهر ضد شركة «كالوميت وهيكلا»، وتخللته صدامات عنيفة وحادثتا قتل طالتا عمالاً مضربين على يد ثلاثة عناصر أمن تابعين للشركة.
وكانت المناطق الغربية من شبه الجزيرة العليا في ذلك الوقت، تعرف باسم «أرض النحاس»، وكانت أكبر منتج للنحاس في العالم منذ أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. أما «كالوميت وهيكلا» فكانت كبرى شركات التعدين العاملة في المنطقة، بينما كان اتحاد WFM يضم تسعة آلاف عامل من أصل ١٥ ألفاً كانوا يعملون في مناجم النحاس.
وبعد انقضاء موجة الحزن الأولية التي أعقبت «كارثة ١٩١٣»، ورغم وجود شعور بالمرارة تجاه شركة «كالوميت وهيكلا»، إلا أن الغضب الأكبر انصبّ –آنذاك– ضد «تحالف المواطنين» المعارضين للنقابة والإضراب، حيث ساد الاعتقاد بأن الرجل الذي صرخ بكلمة «حريق» في «القاعة الإيطالية» كان يضع شارة «التحالف». وقد أصر تشارلز موير، رئيس اتحاد WFM على هذا الاتهام رغم الضغوط الهائلة التي تعرض لها.
وفُتحت عدة تحقيقات، إلا أن المعلومات كانت محدودة؛ نظراً لأن معظم الأشخاص الذين أُجريت معهم المقابلات أُجبروا على الإجابة باللغة الإنكليزية، في حين أن معظم سكان كالوميت خلال تلك الفترة كانوا من مواليد فنلندا وإيطاليا والبلقان ولا يجيدون التحدث بالإنكليزية.
وفي محاولة لاحتواء غضب الأهالي، قامت لجنة إغاثة مكونة من أعضاء «التحالف» بجمع مبلغ ٢٥ ألف دولار لمساعدة العائلات المتضررة من الكارثة. لكن العائلات المكلومة رفضت قبول أموال اللجنة، بإيعاز من اتحاد WFM الذي كان قد وعدهم بتقديم المساعدة.
وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن أعضاء «التحالف» المشاركين في لجنة الإغاثة، لما علموا بدور موير في منع العائلات من قبول تلك الأموال، توجه عدد منهم لمقابلته في فندق بمدينة هانكوك المجاورة، حيث قاموا بإطلاق النار عليه واختطافه ووضعه على متن قطار، وأمروه بمغادرة ميشيغن وعدم العودة إليها أبداً. وبعد تلقيه الرعاية الطبية في شيكاغو، عقد موير مؤتمراً صحفياً عرض فيه جرحه الناجم عن طلق ناري وتعهد بالعودة إلى ميشيغن لمواصلة «نضاله مع عمال المناجم في غرب شبه الجزيرة العليا».
وبالفعل استمر الإضراب حتى نيسان أبريل ١٩١٤ حين أذعنت الشركة إلى مطالب النقابة بتحديد ساعات العمل عند ثماني ساعات يومياً وزيادة الأجور بمقدار ثلاثة دولارات في اليوم.
أما اليوم وقد اندثرت جميع مناجم النحاس في شمال ميشيغن، ولم يتبق من مبنى «القاعة الإيطالية» في قرية كالوميت، سوى قنطرة المدخل الرئيسي بعد هدم البناء بالكامل عام ١٩٨٤، يبقى الصراخ بـ«حريق!» في مكان مزدحم، جزءاً أليماً من تاريخ ولاية البحيرات العظمى، وسؤالاً لا يغيب عن النقاشات حول الحدود الدستورية لحرية التعبير في الثقافة الأميركية.







Leave a Reply