التصريحات الأخيرة التي أدلى بها النائب الجمهوري عن ولاية ميشيغن في الكونغرس الأميركي جون جيمس لقناة «نيوزماكس» اليمينية ليست مجرد زلّة لسان عابرة يمكن تجاوزها باعتذار بروتوكولي، بقدر ما هي فضيحة سياسية مكتملة وتعبيراً فجاً عن الجهل الذي يعانيه حول الواقع الاجتماعي والديمغرافي للولاية التي يعتزم تولي سدة الحاكمية فيها، بعد فشل حملتيه السابقتين لتمثيلها في مجلس الشيوخ الأميركي.
«لم أذهب إلى العراق وأقاتل المتطرفين هناك حتى يصلوا إلى عتبة بابنا هنا»، قال جيمس في إشارة إلى المسيرة العاشورائية الأخيرة في مدينة ديربورن، بما ينمّ عن أن طيار المروحيات الهجومية خلال حرب العراق قام بإسقاط عقلية المعركة الحربية على الساحة السياسية في الولاية التي تضم واحداً من أكبر المجتمعات العربية والإسلامية في الولايات المتحدة.
وإذا كان جيمس ينوي بالفعل استلهام التجربة الأميركية خلال غزو العراق، وهو الغزو الذي خلّف مئات آلاف القتلى وشرّد الملايين وأدخل البلاد في نفق مظلم من التمزق الاجتماعي والتدهور الاقتصادي، لكي يتخذها مرجعية يحكم بها ميشيغن فإن سكان الولاية على موعد مع كابوس حقيقي، في حال فوزه بسباق الحاكمية، وهو الذي بات المرشح الأقوى للفوز ببطاقة ترشيح الجمهوريين في هذا السباق بعد نيله مؤخراً دعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب على حساب منافسيه.
ذلك أن مقارنة مسيرة عاشوراء السلمية لمسلمي مدينة ديربورن بـ«المتطرفين» الذين زعم أنه حاربهم في بغداد، هو سلوك لا يعكس فقط جهله المطبق بطبيعة المعتقدات الدينية لجزء أصيل من نسيج ولايته، بل يكشف عن عجز فادح في قراءة المشهد السياسي وقواعد العمل الانتخابي، في أقل تقدير.
والمفارقة الكبرى في خطاب جيمس تتجاوز حدود الجهل العقائدي لتصل إلى مصاف العمى السياسي، إذ أثبتت الانتخابات الرئاسية الأخيرة بشكل قاطع أن ولاية ميشيغن المتأرجحة لا تُكسب بنبذ الأقليات وصناعة الأعداء الوهميين، بل بخطَب ودّهم ومد الجسور معهم، وهي الحقيقة التي أدركها رئيس حزب جيمس وزعيمه الملهم، الرئيس دونالد ترامب الذي فهم مبكراً هذه المعادلة وقام بزيارة تاريخية جريئة إلى قلب مدينة ديربورن خلال حملته الرئاسية عام 2024.
لقد جلس ترامب مع القادة والناخبين العرب والمسلمين، مستمعاً لأقوالهم ومستفيداً من حالة الإحباط التي عاشوها تجاه سياسات الإدارة الديمقراطية، وكانت تلك الخطوة البراغماتية حجر الزاوية في جذبه لأصوات الناخبين في مجتمعات مثل ديربورن وديربورن هايتس وهامترامك، والتي حسم من خلالها، فوزه الثمين في الولاية بحوالي 80 ألف صوت فقط.
لكن بدلاً من أن يستوعب جيمس هذا الدرس البسيط في الواقعية السياسية التي انتهجها زعيم حزبه، اختار ركوب موجة الخطاب اليميني الشعبوي المتطرف، واضعاً جداراً سميكاً من العداء والكراهية بينه وبين كتلة تصويتية وازنة مثبتاً للجميع أنه لم يتعلم شيئاً من دروس الصناديق الناخبة، على عكس منافسته الديمقراطية جوسلين بنسون التي سارعت إلى ضمان تأييد «اللجنة العربية الأميركية للعمل السياسي» (أيباك).
أما الوجه الآخر للمسألة، وهو الأكثر مرارة وصدمة، فهو الموقف الأخلاقي لجيمس الذي يتحدر من أصول أفريقية، والذي يفترض به أن يكون حليفاً تلقائياً لمجتمعات الأقليات التي عانت –كما مجتمع الأفارقة الأميركيين– عقوداً طويلة من التهميش السياسي والأحكام النمطية المسبقة.
وكان يفترض بالسياسي الأسود أن يكون الأكثر قدرة على فهم واستيعاب مظلومية وهواجس المجتمعات المهمشة، وفي مقدمتها المجتمعان العربي والإسلامي في ميشيغن وفي عموم الولايات المتحدة، وكان الأحرى بجون جيمس أن يكون حليفاً طبيعياً لتلك المجتمعات التي تُقابل بالتشكيك ويتم التعامل معها في كثير من الأحيان كتهديد أمني يسهم في تسعير مشاعر الكراهية والإسلاموفوبيا، والتي ظهرت آخر فصولها في قيام أحد الأشخاص بترهيب إدارة ورواد مسجد في مدينة ماديسون هايتس.
لكنه اختار بوعي كامل أن يتبنى المنظومة الفكرية الإقصائية ذاتها التي طالما قمعت بني جلدته، مستخدماً خلفيته العسكرية لشرعنة هجوم عنصري مبطن ضد مواطنين يمارسون شعائرهم في التدين والاعتقاد بموجب التعديل الأول من الدستور الأميركي.
إن مسيرة عاشوراء في ديربورن التي أثارت حفيظة جيمس، وأثارت كذلك ذكرياته في محاربة المتطرفين، هي مناسبة دينية وروحية تخلد ذكرى استشهاد الإمام الحسين (ع) في مواجهة الظلم وغياب العدالة، وإن معظم هؤلاء الآلاف الذين شاركوا في تلك الفعالية السلمية هم إما من ضحايا الغزو الأميركي لبلاد الرافدين، أو من ضحايا الحروب التي تواصل إسرائيل شنّها بدعم من الولايات المتحدة على عديد المناطق اللبنانية، والتي أسفرت فصولها الأخيرة عن مقتل الآلاف وتهجير أكثر من مليون نسمة.
لقد أثبت جيمس في حواره الأخير، وبما لا يدع مجالاً للشك، أنه لا يعرف شيئاً عن حقيقة الولاية التي يطمح لحكمها ولا عن طبيعة التركيبة السكانية التي يرغب في تمثيلها، والأخطر من ذلك كله، أنه قدم دليلاً قاطعاً على عدم أهليته الأخلاقية والسياسية لقيادة مجتمع متعدد الثقافات والمشارب.
لقد حظيت مقابلته مع «نيوزماكس» على وسائل التواصل الاجتماعي بآلاف التعليقات المتباينة، وهذا أمر طبيعي، ولكن أحد المتصفحين الأميركيين كتب: «إن جون جيمس لا يعرف شيئاً عن ولايته أو الأشخاص الذين يعيشون في ميشيغن. وهذا أمر مخجل».
نعم، إنه لأمر مخجل حقاً أن يفوز جيمس في انتحابات حاكمية ميشيغن، كما هو مخجل أن يمثل الولاية حالياً تحت قبة الكابيتول في العاصمة واشنطن.
فبعد أن خسر «النجم الصاعد» في الحزب الجمهوري، بحسب توصيف ترامب، سباقين لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي على مستوى الولاية –أولهما أمام السناتور السابقة ديبي ستابينو والثاني أمام السناتور الحالي غاري بيترز– يسعى جيمس هذه المرة أيضاً للفوز بسباق يقام على مستوى الولاية بأكملها؛ ويبقى أن نرى ما إذا كانت الثالثة ثابتة، ولكن الوقائع تشير إلى أن المرشح الجمهوري لم يتعلم شيئاً من تجربتيه الفاشلتين.
«صدى الوطن»







Leave a Reply