ديربورن
مع غروب شمس الثلاثاء إيذاناً بدخول شهر مُحرّم وفق التقويم الهجري، بدأت منطقة ديترويت ترتدي ثوباً مختلفاً.
ففي ديربورن وديربورن هايتس ومنطقة وورنديل في مدينة ديترويت، ترتفع الرايات السود والحمر فوق المنازل والسيارات والمتاجر والمراكز الإسلامية. وتغصّ مواقف المساجد والحسينيات بالسيارات، وتتوافد العائلات ليلياً إلى المجالس العاشورائية التي تتواصل على مدار عشرة أيام وصولاً إلى يوم ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي (ع) في العاشر من محرم، الذي يصادف هذا العام في 25 حزيران (يونيو) الجاري.
شباب وأطفال يتشحون بالسواد ويسيرون إلى جانب آبائهم، أجيال ولدت ونشأت في الولايات المتحدة تضيق بهم قاعات المحاضرات. جميعهم جاؤوا ليستمعوا إلى تفاصيل أحداث وقعت قبل أكثر من أربعة عشر قرناً في صحراء كربلاء.
في منطقة ديترويت، وتحديداً بمدينة ديربورن، التي تضم واحدة من أكبر الجاليات العربية والمسلمة في أميركا الشمالية، لا تمرّ عاشوراء كمناسبة دينية عابرة، بل تتحول إلى موسم كامل من المجالس والمحاضرات والبرامج الشبابية والنسائية والأنشطة التعليمية والعائلية التي تستقطب آلاف المشاركين من مختلف أنحاء ميشيغن وخارجها.
وبينما تدور المجالس حول استشهاد سبط رسول الله (ص) عام 680 ميلادية في كربلاء، فإن الحديث في ديربورن اليوم لا يقتصر على التاريخ. فبالنسبة إلى الكثير من المشاركين، أصبحت عاشوراء مساحة للتفكير في قضايا العدالة والهوية والانتماء والإصلاح، ومحاولة فهم كيف يمكن لقصة بهذا القِدم أن تظل حاضرة في حياة ووجدان أجيال نشأت في قلب المجتمع الأميركي.
وربما يكون هذا التحول هو أبرز ما يميز عاشوراء في منطقة ديربورن اليوم. فبعد أن كانت المجالس قبل عقود تقتصر إلى حدّ كبير على المهاجرين الناطقين بالعربية ضمن تجمعات محدودة، أصبحت المراسم تُقام اليوم بالعربية والإنكليزية وفي عشرات المواقع، وتتضمن برامج مخصصة للأطفال واليافعين والشباب والعائلات، في انعكاس واضح لنمو الجالية وتغير احتياجاتها.
مشروع إصلاح مستمر
في «المنتدى الإسلامي» بديربورن هايتس، حيث يُقام أحد أكبر البرامج العاشورائية في المنطقة، يرى السيد حسن القزويني أن سر بقاء رسالة الإمام الحسين يكمن في ارتباطها بقضايا الإنسان في كل زمان.
ويقول إن جوهر النهضة الحسينية يتجسد في قول الإمام (ع): «إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدي»، مؤكداً أن مفهوم الإصلاح الذي حمله سبط رسول الله يتجاوز الإطار الديني ليشمل الإصلاح الأخلاقي والاجتماعي والسياسي.
وأضاف أن الهدف من المجالس والبرامج العاشورائية ليس مجرد استذكار أحداث كربلاء، بل مساعدة الناس على تحويل قيمها السامية إلى واقع عملي في حياتهم اليومية.
وقال القزويني لصحيفة «صدى الوطن» إن عاشوراء في ميشيغن شهدت تحولاً كبيراً خلال العقود الماضية، بالتزامن مع نشوء أجيال جديدة من المسلمين الأميركيين.
وأضاف: «في الماضي كانت هناك فجوة بين كثير من أبناء الجيل الثاني والثالث وبين المجالس الحسينية، أما اليوم فأصبحت المؤسسات الإسلامية أكثر قدرة على مخاطبتهم بلغتهم ومعالجة القضايا التي تشغلهم».
ويرى السيد أن التوسع في البرامج باللغة الإنكليزية والأنشطة الفكرية والثقافية ساهم في جعل عاشوراء أكثر حضوراً في حياة الشباب، وساعد على تقديم الإسلام ومبادئه من خلال مدرسة الإمام الحسين.
وأشار إلى أن المجالس الحسينية لم تعد تقتصر على الجانب الشعائري، بل تحولت إلى منصات فكرية وتربوية تناقش قضايا الهوية والإيمان والأسرة والعدالة الاجتماعية والمسؤولية الأخلاقية.
وعن الرسالة التي يعتقد أن المجتمع الأميركي بحاجة إلى سماعها اليوم، أكد القزويني أن كربلاء تقدم نموذجاً عالمياً للدفاع عن العدالة والكرامة الإنسانية ورفض الظلم، موضحاً أن كثيراً من الذين يعتنقون الإسلام في الولايات المتحدة يبدون اهتماماً خاصاً بقصة الإمام الحسين لأنها تساعدهم على فهم أسئلة جوهرية تتعلق بمعنى الحياة والغاية من وجود الإنسان ومسؤوليته تجاه المجتمع.
ويضم برنامج «المنتدى الإسلامي» هذا العام، محاضرات يومية باللغة الإنكليزية يقدمها السيد أحمد القزويني، إلى جانب برامج مخصصة للنساء والأطفال والعائلات.
مساحة للأسرة والهوية
على المقلب الآخر في شرق ديربورن، لا يختلف المشهد كثيراً، يتواصل النشاط في «المجمع الإسلامي الثقافي»، حيث يجتمع الآباء والأمهات في المجالس فيما يشارك الأطفال واليافعون في برامج تعليمية وتربوية صممت خصيصاً لهم.
ويرى إمام «المجمع» الشيخ باقر بري أن هذا التنوع لم يعد خياراً، بل ضرورة تفرضها طبيعة المجتمع المسلم في الولايات المتحدة.
وقال إن البرامج العاشورائية تسعى لإيصال رسالة الإمام الحسين إلى مختلف فئات المجتمع بلغة وأسلوب يتناسبان مع احتياجات كل فئة. وأضاف أن المحاضرات تربط بين المبادئ التي جسدتها نهضة الإمام الحسين وبين التحديات التي يواجهها المسلمون اليوم، من قضايا الأسرة والشباب والحفاظ على الهوية الإسلامية، إلى موضوعات العدالة الاجتماعية والعمل التطوعي وخدمة المجتمع.
كما تتناول البرامج العاشورائية في «المجمع الإسلامي» الكائن على شارع شايفر، تحدّيات خاصة بالجاليات المسلمة في الغرب، بما في ذلك الإسلاموفوبيا وصورة الإسلام في وسائل الإعلام.
وأفاد بري لـ«صدى الوطن» بأن المجالس الحسينية أصبحت تؤدي دوراً يتجاوز الإطار الديني، إذ تمثل منصّة اجتماعية وثقافية وتربوية تسهم في تعزيز الروابط بين أبناء الجالية وتقوية العلاقات بين العائلات والأجيال المختلفة.
وقال إن الهدف النهائي من هذه البرامج هو أن يدرك المشاركون أن عاشوراء ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل مشروع مستمر لبناء الإنسان والمجتمع.
حفظ الدين وحماية الإنسان
وفي مؤسسة «العروة الوثقى» Mainstay، التي تنظم «مؤتمر محرّم» السنوي في قاعة «نادي بنت جبيل الثقافي الاجتماعي» بمدينة ديربورن، يرى جلال مغنية، عضو مجلس أمناء المؤسسة، أن الرسالة الأساسية لعاشوراء تتمثل في مبدأين متلازمين: حفظ الدين والإنسان.
وقال لـ«صدى الوطن» إن برامج المؤسسة تستند إلى رؤية مستمدة من تعاليم أهل البيت (ع) تعتمد الحفاظ على الإيمان وفي الوقت نفسه صون كرامة الإنسان ورفاهيته.
وأضاف: «نؤمن بأن الدين جاء ليرتقي بالإنسان ويقوي الأسرة والمجتمع ويحفظ كرامة الناس. وهذه المعادلة تجسدت بوضوح في حياة الإمام الحسين وتضحيته في كربلاء».
ويرى مغنية أن محرم لا ينبغي أن يكون مجرد موسم لاستذكار الماضي، بل موسم للتجديد الروحي والفكري ومساعدة الناس على إعادة اكتشاف علاقتهم بإيمانهم ومجتمعاتهم.
ولهذا يضم «مؤتمر محرم» إلى جانب المجالس والمحاضرات، برامج شبابية وعائلية وورش عمل وأنشطة مجتمعية تهدف إلى ربط القيم المستلهمة من كربلاء بتحديات الحياة المعاصرة.
ولفت مغنية إلى أن شباب المسلمين في الولايات المتحدة يواجهون أسئلة تتعلق بالهوية والانتماء والإيمان والغاية من الحياة، مشيراً إلى أن تضحية الإمام الحسين تقدم نموذجاً خالداً للشجاعة والالتزام بالمبادئ والقيادة الأخلاقية. وأضاف: «نريد أن يفهم الشباب ليس فقط ما حدث في كربلاء، بل لماذا ما زالت كربلاء مهمة حتى يومنا هذا».
مشروع عاشوراء
يواصل «مشروع عاشوراء» ترسيخ حضوره كأحد أبرز البرامج الشبابية والمجتمعية خلال الموسم العاشورائي في ديربورن، من خلال برنامج متكامل يضم محاضرات ومجالس عزاء باللغتين العربية والإنكليزية، إلى جانب أنشطة تربوية وثقافية مخصصة لمختلف الفئات العمرية.
ويواصل «مشروع عاشوراء» تنظيم برامجه الشبابية التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة جزءاً أساسياً من المشهد العاشورائي في ديربورن، لا سيما في تنظيم مسيرة العاشر من محرّم.
وقال حسن بزّون، أحد الرواديد المشاركين في البرنامج الإنكليزي، إن المبادرة شهدت تطوراً ملحوظاً منذ انطلاقها، إذ توسعت لتشمل برامج للأطفال واليافعين تُقام في مدرسة «البيّنات» بالتوازي مع المجالس الرئيسية، إضافة إلى برنامج خاص بالنساء ومسابقات ثقافية وتفاعلية للشباب.
وأشار إلى أن هذه البرامج تتضمن أنشطة تربوية وأعمالاً يدوية وقصصاً مستوحاة من أحداث كربلاء، بما يتيح للعائلات المشاركة في برامج تناسب مختلف الأعمار ضمن أجواء عاشورائية مشتركة.
وأضاف أن «مشروع عاشوراء» يعمل اليوم تحت مظلة «مؤسسة طه»، مع احتفاظه بهويته وبرنامجه الخاص الذي أصبح جزءاً أساسياً من المشهد العاشورائي في ديربورن، من خلال تنظيم المسيرات الحسينية الحاشدة.
ويرى بزون أن اللطميات التي تقام في المجالس والمسيرات العاشورائية تشكل جزءاً أساسياً من إحياء ذكرى الحسين (ع)، وخصوصاً بالنسبة إلى الشباب، لأنها تمثل امتداداً لمجلس العزاء وتوفر مساحة للتفاعل مع الشعر الحسيني وما يحمله من رسائل إصلاحية وتربوية تربط قيم كربلاء بقضايا الجيل الجديد وتحدياته.
وأكد أن «المشروع» يحرص دائماً على أن تكون فعالياته المجتمعية مفتوحة للجميع، هدفها نشر السيرة الحسينية وترسيخ قيمها لدى الأجيال المختلفة، وتعريف الأجيال الجديدة بالمبادئ التي قامت عليها نهضة الإمام الحسين بأساليب تناسب واقعها ولغتها.
عاشوراء في كل مكان
في منطقة تركُّز الجاليتين اللبنانية والعراقية ذات الأغلبية الشيعية في ديترويت الكبرى، لا تقتصر الفعاليات العاشورائية على موقع أو موقعين، بل تتعداها إلى عشرات المواقع، سواء في المراكز الدينية أو الاجتماعية أو حتى المنازل الخاصة.
ففي «المركز الإسلامي في أميركا»، أحد أكبر المساجد في الولايات المتحدة، تستضيف القاعات برنامج «أصداء كربلاء» باللغة الإنكليزية بمشاركة الشيخ أمين رستاني والرادود علي جمعة، إلى جانب البرنامج العربي الذي يشارك فيه السيد منير الخباز.
أما «دار الحكمة الإسلامية» في ديربورن هايتس فتستضيف برنامجاً يومياً يقدمه الشيخ محمد موسى باللغة العربية، والحاج حسنين رجب علي باللغة الإنكليزية، فيما يحيي الرادود محمد حسين إلهي مجالس العزاء، إلى جانب برامج مخصصة للأطفال واليافعين.
بدورها، تقيم مؤسسة «الأمل» الاجتماعية مجالس عاشورائية في قاعة «الصفوة» التابعة لمؤسسة «إمام» في غرب ديربورن، بمشاركة السيد نجاح الحسيني والرادود السيد محمد الزين العاملي، مع برامج موازية للأطفال والعائلات.
كذلك، تستضيف حسينية «الإمام السجّاد» في منطقة وورنديل بغرب مدينة ديترويت، برامج يومية تشمل المحاضرات والمجالس وقراءات القرآن والدعاء بمشاركة السيد جمعة موسى والسيد حسين المولى والرادود محمد حيدر الشمري.
وينطبق الأمر نفسه على العديد من المساجد والمراكز الشيعية المنتشرة في أرجاء المنطقة.
ورغم الإقبال الكثيف الذي تسجله القاعات والمراكز الدينية تتحول عشرات المنازل خلال أيام محرم أيضاً إلى مجالس عزاء مصغّرة تستضيف الأقارب والجيران والأصدقاء لإحياء ذكرى الإمام الحسين. وتُقام هذه المجالس في المنازل أو القاعات الصغيرة، في تقليد حافظت عليه عائلات مهاجرة منذ عقود وانتقل إلى الأجيال الجديدة.
ويحرص كثير من الأهالي على تنظيم مجالس سنوية داخل منازلهم، باعتبارها وسيلة للحفاظ على الموروث الديني والثقافي الذي حملوه معهم إلى الولايات المتحدة، ولتعريف أبنائهم بقصة كربلاء وقيمها في أجواء عائلية أكثر قرباً، وتضفي هذه المجالس بعداً اجتماعياً على الموسم العاشورائي، إذ تشكل مساحة للقاء والتواصل بين أبناء الجالية إلى جانب دورها الديني والتربوي.







Leave a Reply