ديترويت
بعد سنوات من التحقيقات الفدرالية التي انتهت بإسقاط جميع التهم المنسوبة إليه، يقف الدكتور أنتوني واينرت، جرّاح القدم والكاحل والرئيس السابق لقسم طب وجراحة القدم في مستشفى «هنري فورد ماكومب»، على أعتاب معركة قانونية جديدة، بعدما تقدّم بدعوى تعويضات بقيمة 50 مليون دولار ضد وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأميركية، في محاولة لاستعادة مهنته وسمعته التي خسرها بمواجهة الاتهامات الباطلة.
بالنسبة لواينرت، لا تمثل الدعوى التي يتولاها المحامي البارز نبيه عيّاد، مجرد مطالبة بالتعويض المادي، بقدر ما هي محاولة لاستعادة اسم ومسيرة مهنية استغرق بناؤها أكثر من عشرين عاماً.
وفي هذا الصدد، يقول المحامي عياد إن قضية واينرت تتجاوز الجانب المالي، فهي، حسب وصفه، «اختبار لمساءلة الحكومة»، موضحاً أن القضية السابقة دمّرت حياة موكله المهنية وسمعته ومصدر رزقه، و«لا أحد يستطيع أن يعيد له السنوات التي خسرها، لكن على الأقل يمكننا أن نضمن ألا يمرّ شخص آخر بالتجربة نفسها».
أربع سنوات من المعاناة
في كانون الأول (ديسمبر) 2023، أسقطت السلطات الفدرالية جميع التهم الجنائية الموجهة إلى الدكتور واينرت، منهيةً بذلك معركة قانونية استمرت أكثر من أربع سنوات.
وكانت السلطات قد اتهمت واينرت و52 شخصاً في عام 2019 بتقديم فواتير مزورة إلى برنامج الرعاية الطبية (ميديكير) مقابل إجراءات طبية غير ضرورية أو لم تقدم للمرضى قط، وهي اتهامات أصر واينرت على نفيها منذ اليوم الأول حتى إسقاط القضية بالكامل.
لكن نقطة التحول جاءت، بحسب فريق الدفاع، عندما أعاد محقق خاص يعمل مع مكتب عياد، مقابلة عدد من المرضى الذين استندت التهم الفدرالية إلى شهاداتهم في القضية.
ويقول عياد: «عندما واجه الادعاء الفدرالي الأدلة الجديدة، قرر إسقاط القضية. لدينا شهادات من المرضى أنفسهم تؤكد أن الإجراءات الطبية أُجريت بالفعل».
ويضيف: «نحن لا نقاضي مكتب الادعاء الأميركي، لأننا نعتقد أنهم اتخذوا القرار الصحيح عندما ظهرت الحقائق. المشكلة كانت في التحقيق الذي أدى إلى توجيه الاتهامات من الأساس».
ورغم أن إسقاط التهم كان انتصاراً قانونياً، إلا أنه جاء متأخراً جداً بالنسبة لطبيب يقول إنه خسر كل شيء تقريباً خلال تلك السنوات.
انهيار كامل
عندما بدأت القضية عام 2019، لم يكن واينرت يتوقع أن تتحول إلى زلزال يضرب حياته المهنية والشخصية.
فقد داهمت السلطات الفدرالية عيادتيه في مدينتي وورن وتروي، وصادرت ملفات ومستندات، ثم وجهت إليه ثماني تهم جنائية قلبت مساره المهني رأساً على عقب.
ويقول واينرت إن الدفاع عن نفسه استنزف مدخراته الشخصية وأموال التقاعد التي جمعها خلال أكثر من عقدين من العمل.
ومع تشويه سمعته وحرمانه من ممارسة الطب، خسر مصدر دخله الرئيسي، ثم وجد نفسه عاجزاً عن العودة إلى العمل رغم تقدمه لأكثر من مئة وظيفة في مجال طب الأقدام. ويضيف: «أكثر ما آلمني لم يكن فقط فقدان عملي، بل رؤية مسيرتي المهنية التي بنيتها على مدى سنوات تنهار أمامي».
من الجراحة إلى توصيلات الطعام
مع تراكم الضغوط المالية، اضطر واينرت إلى العمل في وظائف مؤقتة، من بينها DoorDash لتوصيلات الطعام والعمل الموسمي مع بريد UPS.
وفي هذا الإطار، يستعيد الطبيب الجرّاح لحظة مؤلمة عندما أوصل طلباً عبر DoorDash إلى المبنى الذي كان يعيش فيه ابنه. تلك اللحظة اختصرت حجم الانهيار الذي عاشه، حسب تعبيره.
فبعد سنوات من الجراحة والتعليم والعمل مع المرضى، وجد نفسه يطرق باب ابنه كمُوصّل طلبيات طعام.
كانت تلك اللحظة بالنسبة له رمزاً للهوة التي سقط فيها خلال فترة قصيرة، من رئيس قسم طبي في مستشفى كبير إلى عامل توصيل يحاول تأمين احتياجات أسرته.
ويقول عياد إن موكله «انتقل من إدارة عيادتين ناجحتين والعمل كجراح إلى محاولة إعالة أسرته من خلال وظائف مؤقتة»، مضيفاً أن «الضرر لم يكن مالياً فقط، بل طال سمعته ومستقبله المهني».
خسائر شخصية
لم تتوقف المعاناة عند حدود العمل. فخلال الفترة نفسها، مرض والد واينرت ثم توفي، وهو الذي كان أحد أكبر مصادر الدعم له خلال سنوات القضية.
وخلال حديثه مع «صدى الوطن»، وهو يغالب دموعه، كان واينرت يحاول استعادة تماسكه، خصوصاً عندما تحدث عن زوجته وابنه إيفان والتضحيات التي قدمتها الأسرة خلال سنوات التحقيق والمحاكم. وقال إن ما حدث لم يؤثر عليه وحده، بل على جميع أفراد أسرته، مضيفاً أنه لا يتمنى أن تمر أي عائلة بالتجربة التي عاشتها عائلته.
مسيرة طبية وإنسانية
قبل كل ذلك، كان واينرت طبيباً ناجحاً ووجهاً معروفاً في مجتمعه.
فقد وُلد في مدينة وورن عام 1971، ودرس في «جامعة ميشيغن» قبل أن يكمل تعليمه الطبي في أوهايو ويتخصص في جراحة القدم والكاحل.
وبعد سنوات من التدريب، بنى مسيرة امتدت لأكثر من عشرين عاماً، أصبح خلالها رئيساً لقسم طب وجراحة القدم في مستشفى «هنري فورد ماكومب».
كما أسس مع زوجته مؤسسة Shoe Pantry Plus الخيرية التي كانت تقدم الأحذية والجوارب للمشردين والمحاربين القدامى والأطفال المحتاجين، مستلهماً فكرتها من معاناة والدته مع الفقر في طفولتها.
أما اليوم، وبينما تبدأ معركته القانونية الجديدة، فيتمسك واينرت بالأمل في استعادة سمعته والعودة إلى خدمة المرضى. ويقول: «كنت أعتبر مرضاي جزءاً من عائلتي. أحببت ممارسة الطب، وأتمنى أن أعود يوماً ما إلى المهنة التي كرّست حياتي لها».
ورغم كل ما حدث، يؤكد أن العمل الخيري سيبقى جزءاً من حياته، وأنه يأمل في استئناف نشاط المؤسسة الخيرية وتوسيع خدماتها مستقبلاً.
أما الآن، فكل ما يريده واينرت هو أن يعرف الناس حقيقة واحدة: أن القضية التي غيّرت حياته انتهت بإسقاط جميع التهم، وأنه ما زال يرى نفسه طبيباً وإنساناً كرّس عمره لخدمة الآخرين.







Leave a Reply