من تاريخ ميشيغن
ديترويت
بالإضافة إلى ريادتها في النضال العمالي وصناعة السيارات وهندسة الطرق… تتميّز ولاية البحيرات العظمى أيضاً، بخصوصية تاريخية في مجال مناهضة عقوبة الإعدام، إذ أصبحت ميشيغن –في أواسط القرن التاسع عشر– أول ولاية أميركية، وأول حكومة ناطقة بالإنكليزية، تلغي عقوبة الإعدام في الولايات المتحدة والعالم.
ففي ١٨ أيار (مايو) ١٨٤٦، صوّت مجلس ميشيغن التشريعي، لصالح حظر عقوبة الإعدام في جميع الجرائم باستثناء الخيانة العظمى، ودخل القانون حيز التنفيذ رسمياً في مطلع آذار (مارس) ١٨٤٧.
وتعود جذور هذه السابقة التاريخية بشكل أساسي إلى حادثة إعدام نُفّذت بحقّ شاب ديترويتي أُدين ظلماً في كندا عام ١٨٢٨ بجريمة قتل واغتصاب لم يرتكبها.
وكان المواطن الديترويتي المدعو باتريك فيتزباتريك، عاملاً مسافراً حين وقع الاعتداء الوحشي على ابنة صاحب النُّزل الذي كان يقيم فيه، بقرية ساندويش الكندية، التي أصبحت اليوم جزءاً مما يُعرف باسم مدينة ويندزر.
وألقت السلطات المحلية الكندية القبض على فيتزباتريك، استناداً إلى أدلة ظرفية؛ مثل وجوده في النُّزل، وعدم امتلاكه حجة غياب دامغة تغطي الساعات التي وقعت فيها الجريمة. ورغم إصراره الثابت على براءته، إلا أن حالة الهلع العام وتسرع النظام القضائي أدّيا إلى صدور حكم سريع بالإدانة.
وحُكم على فيتزباتريك بالإعدام، وجرى تنفيذ الحكم شنقاً في مقاطعة أونتاريو بعد فترة وجيزة من اعتقاله.
ولكن بعد سبع سنوات من تنفيذ حكم الإعدام، وتحديداً في العام ١٨٣٥، ظهرت براءة فيتزباتريك للجميع إثر اعتراف رفيق سكنه في النُّزل خلال تلك الليلة المشؤومة، بارتكاب الجريمة البشعة، وهو على فراش الموت.
ورغم أن فتيزباتريك كان عاملاً بسيطاً، إلا أن قضية إعدامه لقيت اهتماماً كبيراً في ديترويت التي كانت في تلك الفترة تتحوّل من مجرد مستوطنة صغيرة محصّنة على «خط الجبهة الأمامية» مع السكان الأصليين، إلى مدينة نامية ومركز سياسي واقتصادي بوصفها عاصمة لولاية ميشيغن عقب الاعتراف بها رسمياً عام ١٨٣٧.
وشهدت ميشيغن في تلك المرحلة نمواً سكانياً لافتاً بفضل ازدهار صناعة الأخشاب في المنطقة الغنية بالغابات، وارتفع عدد سكان ديترويت من ١,٥٠٠ شخص عند إعدام فيتزباتريك عام ١٨٢٨، إلى نحو ١٥ ألفاً عند حظر الإعدام في الولاية عام ١٨٤٦، وهو العام نفسه الذي شهد انتقال عاصمة ميشيغن من ديترويت إلى مدينة لانسنغ.
وجاء تشريع حظر الإعدام –باستثناء تهمة «الخيانة»– ليعكس ريادة ميشيغن ونضوجها السياسي كعضو جديد فاعل في الاتحاد الأميركي بعد أقل من عشر سنوات على الاعتراف بها رسمياً كولاية.
وللدلالة أيضاً على ريادة ميشيغن في رفض الإعدام، احتاجت ولاية رود آيلاند المشاركة في تأسيس الولايات المتحدة، إلى سبع سنوات لاحقة، لتصبح ثاني ولاية أميركية تحظر الإعدام في أميركا، وكان ذلك في العام ١٨٥٢، لتتبعها ويسكونسن في ١٨٥٣، وتكرّ السبحة بعد ذلك.
وعلى مرّ السنين، نمت قائمة الولايات الرافضة لعقوبة الإعدام إلى ٢٣ ولاية، غير أن ميشيغن تبقى متميزة –حتى الآن– بكونها الولاية الوحيدة التي تحظر الإعدام بموجب نص دستوري، بينما تعتمد الولايات الـ٢٢ الأخرى، الحظر بموجب قوانين تشريعية أو أحكام قضائية صادرة عن المحاكم العليا في تلك الولايات.
ففي عام ١٩٦٢، أقرّ مؤتمر ميشيغن الدستوري، مقترحاً بإلغاء عقوبة الإعدام تماماً لجميع الجرائم، بما في ذلك الخيانة. وقد دخل هذا القرار حيز التنفيذ في عام ١٩٦٣.
وعبر تاريخها الممتد قبل الاستقلال وبعده، شهدت ميشيغن، تنفيذ ١٣ حكماً بالإعدام شنقاً، بينها تسع حالات خلال الاستعمار الفرنسي والبريطاني (١٦٨٣–١٧٧٧) وثلاثة أحكام بعد ضمّ ميشيغن إلى الولايات المتحدة كإقليم أميركي بين عامي ١٨٠٥ و١٨٣٦، بالإضافة إلى حالة إعدام واحدة فقط بعد إعلان ميشيغن كولاية. ووقعت تلك الحالة اليتيمة في العام ١٩٣٨، حين أقدمت السلطات الفدرالية –ورغم المعارضة الشديدة التي أبداها حاكم ميشيغن آنذاك– على إعدام رجل شارك في عملية سطو مسلح مميتة على أحد المصارف في وسط الولاية، بموجب القانون الوطني لسرقة البنوك الصادر عام ١٩٣٤.






Leave a Reply